يتساءل أيمن الزغبي يوميا، ماذا لو تعرضت للإصابة أو المرض أثناء العمل من سيتولى علاجي والإنفاق على أسرتي؟

معاناة يومية يعيشها أيمن البالغ من العمر 35 سنة الذي يعمل في خدمات تنظيف المنازل عقب وفاة والده؛ للإنفاق على أسرته، والذي يقول: “أعمل منذ خمسة أعوام وأحصل من الزبائن على أجر يبلغ 250 جنيهاًمقابل تنظيف الشقة الواحدة، وأحياناً تختلف قيمة اليومية، حسب المنطقة ومساحة الشقة، وبعد المسافة”.


ويسرد معاناته قائلا، إنه يعيش أوقاتاً من القلق؛ بسبب ظروف مهنته غير المستقرة، مضيفا إن تنظيف المنازل عمل مرهق وشاق ومتقلب أيضاً، فأحياناً يقوم بتنظيف أكثر من شقة خلال اليوم نفسه وفي مرات كثيرة لا يعرض عليه أي عمل.


العمل غير المستقر ليس المعاناة الوحيدة التي يتعرض له العمالة المنزلية فهناك مثلا المعاملة القاسية أحيانا، والتي تبلغ ذروتها بمجموعة من الانتهاكات النفسية والجسدية عادة، ما تنتهي نهايات مأساوية مثل خادمة الممثلة مروة عبد المنعم التي اتُهمت بقتلها، وبالطبع لا يغيب عن الأذهان واقعة الفنانة وفاء مكي، التي دخلت السجن بعد اتهامها بتشويه وتعذيب خادمتها.


لا يعاني العاملون في المنازل من التهميش فقط، فإضافة لغياب المظلة التشريعية الخاصة بهم، لا تندرج العمالة المنزلية، تحت مظلة قانون العمل؛ نظرا لغياب الصفة الرسمية التي تجمع العامل وصاحب المنزل؛ بسبب عدم إبرام عقد بين الطرفين، وهو الامر المستمر منذ صدور قانون العمل رقم 12 لسنة 2003.


إضافة لافتقاد الضمانات الحقيقية أثناء عملهم في ظل غياب كافة أوجه الرعاية الاجتماعية والصحية، وانعدام وجود كيان نقابي أو عمالي يدافع عن حقوقهم، أو حتى يمثلهم.
الضمانات الغائبة كانت سببا للجدل المثار حول مشروع قانون العمل الجديد؛ بسبب استثنائه لفئة العاملين في المنازل من المصريين، على اعتبار أنه يوجد في أحكام القانون ما لا يتناسب مع هذه العمالة، مثل الضبطية القضائية، والتي ستلزم وزارة العمل بالتفتيش عليهم، وهذا ما يخالف حرمة المنازل المنصوص عليها في الدستور، وهو ما يعتبر غير ممكن.

من هم “العمالة المنزلية”؟

تشمل فئة العمالة المنزلية كل شخص ذي صفة طبيعية، يؤدي خدمة منزلية مباشرة أو غير مباشرة إلى صاحب العمل، أو أي فرد من أفراد أسرته، ويكون أثناء أدائه الخدمة تحت إشراف وتوجيه صاحب العمل، أو من يقوم مقامه، مثل السائق الخاص، أو الحارس المنزلي ومن في حكمهم.

حتى الآن لا يوجد إحصاء رسمي بعدد العاملين في المنازل، لكنهم يندرجون تحت فئة العمالة غير المنتظمة، والتي سبق أن قدرت عددها وزيرة التضامن السابقة نيفين القباج عام 2022 بين 8 ملايين شخص و13 مليوناً.

أقصى أمانيهم عقد عمل رسمي

غياب الأعداد الحقيقة للعمالة المنزلية في مصر، يأتي في ظل افتقاد المظلة التشريعية اللازمة لحمايتهم، فلا يوجد تأمينات أو معاشات أو حوافز أو بدلات، ولا يعلمون، ماذا يتركون لأبنائهم بعد وفاتهم، وتبلغ أقصى طموحاتهم هو الحصول على عقد عمل رسمي وموثق يحمي حقهم الوظيفي في المستقبل.

رغم كونهم الفئة الأكثر احتياجا إلى تشريع ينظم عملهم، ويحمي حقوقهم ويحدد واجباتهم.

في عام 2011 تبنى مؤتمر العمل الدولي الاتفاقية رقم 189 بشأن العمال المنزليين، وتنص على الحد الأدنى من الحقوق التي يجب منحها لهذه الفئة.
وقدرت أعداد العمال المنزليين حول العالم بأكثر من 75 مليون عامل منزلي، يمثلون 2.3% من إجمالي التشغيل و4.5% من كل المشتغلين في جميع أنحاء العالم.
أما عن البلاد العربية فهم يمثلون الحصة الأكبر من إجمالي التشغيل، وتأتي النسبة الأكبر من بينهم ذكورا، فأعدادهم تفوق عدد نظرائهم من الإناث في الدول العربية وشمال إفريقيا (63%)

حقوق غائبة..

بعد عشر سنوات من الاعتماد على اتفاقية منظمة العمل الدولية التي أكدت حقوقهم، اعتبر المدير العام لمنظمة العمل الدولية جاي رايدر، أنه ورغم التقدم الحقيقي في قوانين العمل وتوفير الضمان الاجتماعي في بعض البلدان، إلا أن ظروف عدد كبير من العمال المنزليين لم تتحسن طوال عقد من الزمن، بل وتفاقمت بسبب جائحة كوفيد-19.
وقال إن هؤلاء العمال فقدوا وظائفهم بأعداد أكبر، وشهدوا انخفاضا في ساعات عملهم بشكل أكبر من أي قطاعات عمل أخرى.

وهو ما كان داعيا مختلف البلاد لإصدار قوانين، تحمي حقوق هؤلاء أو على الأقل توسيع نطاق قوانين العمل لتشمل العمال المنزليين، فثمانية من كل عشرة عمال منزليين يعملون بشكل غير رسمي، وبالتالي يفتقرون إلى الحماية القانونية والرعاية الاجتماعية.

لكن في كثير من الحالات، لم يتم إدراج العمال المنزليين في قوانين العمل العامة، بل تم إنشاء ضوابط خاصة.

ونتيجة لذلك، و حتى يومنا هذا لا يتمتع إلا ما يزيد قليلا عن 10% من العمال المنزليين في أنحاء العالم بالحقوق نفسها التي يتمتع بها غيرهم من المشتغلين بأجر.
وفي مصر ما زال الجدل مثار حول مشروع قانون العمل الجديد في استثنائه العاملين في المنازل من المصريين.


وذلك على اعتبار أنه يوجد في أحكام القانون هذا ما لا يتناسب مع أوضاع العمالة المنزلية مثل، الضبطية القضائية، ودخول المنشأة والتفتيش، وهو أمر غير ممكن، وهو ما عبر عنة وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي محمود فوزي لافتاً في الوقت نفسه، إلى أن الحكومة تعد مشروع قانون آخر لهذه الفئة.


فيما طالبت النائبة إيرين سعيد بحذف البند الثاني من المادة الأولى من مواد الإصدار الذي يستثنى عمال الخدمة المنزلية من تطبيق قانون العمل عليهم قائلة، إن العمالة المنزلية تتعرض لانتهاكات، وتحتاج إلى حماية بإلغاء هذا الاستثناء.


فحتي الآن هناك أكثر من 8 دول عربية من بينهم الأردن والإمارات والكويت، أصدَرت قوانين تنظم العمالة المنزلية، ونظمت العلاقة بين العامل المنزلي وصاحب العمل، وحددت حقوق وواجبات كلا منهم، إلا مصر، فليس لديها حتى الآن وبعد أكثر من عشرين عاما تشريع أو مظلة قانونية لهم.


ووفقاً لـ رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص شعبان خليفة، أنه من الأجدى أن يتم إدراج باب خاص في مشروع قانون العمل الجديد الذي تجرى مناقشته حالياً في شأن العمالة المنزلية، بدلاً من إعداد تشريع منفصل لهم، مستشهداً بالدستور الذي أقر في نص المادة 53 حظر التمييز بين المواطنين ومساواتهم في الحقوق والحريات والواجبات العامة، وهو ما يتطلب ضرورة وجود قانون موحد يجمع تحت مظلته جميع العاملين في الدولة بكل أطيافهم.

تضارب في الاستثناء


في الوقت الذي يستثني مشروع قانون العمل الجديد الذي يناقش بين أروقة البرلمان فئة العمالة المنزلية من تطبيق نصوصه، يعود ليدرجها مرة أخرى بالنص المتعلق بالعمالة غير المصرية، بمن فيهم العاملون من المنازل، وهي مفارقة غربية، أشار اليها النائب إيهاب منصور متسائلا، كيف سيُطبق القانون وقتها؟
حيث يعمل أكثر من 13 ألفاً و300 أجنبي، بتراخيص داخل مصر، وفق إحصائية للجهاز المركزي للإحصاء حتى عام 2022.


ربما أكثر ما يؤرق بدور عاطف، هو تفضيل العديد من الزبائن العمالة الأجنبية الوافدة من الخارج والاستعانة بهم في تلك المهنة على رغم ارتفاع أسعارهم، وتقاضي بعضهم الأجر بالعملة الصعبة، مشيرة إلى أن أقصى طموحاتها هو الحصول على عقد عمل رسمي وموثق، يحمي حقها الوظيفي في المستقبل.


تقول بدور التي تعمل جليسة أطفال، إنها تعمل أحياناً في ظل ظروف غير إنسانية وشديدة القسوة، كما أنها تعرضت لكثير من الأمراض الصحية؛ بسبب العمل بتلك المهنة، مثل الانزلاق الغضروفي؛ نتيجة تربية الأطفال علاوة على المساعدة في الأعمال المنزلية وإعداد الطعام.


ويستوجب سرعة إصدار قانون بحظر تشغيل العامل المنزلي سخرة أو تشغيله في أعمال أو بشروط، تؤدي إلى القيام بعمل جبري، وتأكيد حظر كل عمل أو سلوك أو إجراء يكون من شأنه إحداث تمييز أو تفرقة بين الأشخاص في شروط أو ظروف العمل المنزلي.