إذا كان الخذلان العربي للشعب الفلسطيني في مواجهة مشروع التطهير العرقي هو الأرجح، كما أوضحنا في مقالنا السابق هنا، فماذا عن البيئة الدولية، التي يسعي فيها اليمين الأمريكي والإسرائيلي إلى تنفيذ هذا المشروع الإجرامي، المشبع بروح استعمارية عنصرية بغيضة؟ وهي روح حسبنا أن تطور التاريخ الإنساني لفظها، بعد أن خسرت آخر معاركها في جنوب إفريقيا في العقد الأخير من القرن الماضي.
أهمية دراسة البيئة الدولية تأتي من أهمية معرفة الحلفاء أو الأصدقاء المحتملين للشعب الفلسطيني في معركته النهائية ضد الهولوكوست الصهيو- أمريكي لإخلاء فلسطين التاريخية من غير اليهود، وذلك بالإكراه تحت مسمى الهجرة الطوعية، باستعمال وسائل الإبادة الجماعية، كما يحدث في غزة بصفة يومية، وفي الضفة الغربية بصفة متقطعة (حتى الآن)، أو بالتجويع والحصار والتشريد والاعتقال لجعل الحياة مستحيلة، وجعل الصمود والمقاومة، بما في ذلك المقاومة السلمية مواقف ميئوس منها مقدما ونهائيا.
ينبغي التفكير في البيئة الدولية الراهنة على مستويين: الأول هو الحكومات والسياسات الرسمية، والثاني هو الرأي العام داخل الدول المهمة، والرأي العام العالمي.
بالطبع، فإن مجيء دونالد ترامب إلى رأس السلطة في الولايات المتحدة قد غيّر البيئة الدولية سلبا ضد الحق الفلسطيني، فالرجل يمثل أكثر تيارات أو جماعات اليمين الأمريكي (بل والأوروبي) رجعية وعنصرية واستعمارية رأسمالية، وهذا التيار يعتقد بسياسة القوة والإملاء، وبسمو أو سيادة العرق الأبيض على جميع السلالات البشرية، وبتفوق الثقافة الأنجلوساكسونية البروتستانتية على جميع الثقافات، كما يتحالف هذا التيار مع مجموعات، ما يسمى بالصهيونية المسيحية التي ازدادت قوتها في العقود الأخيرة في الولايات المتحدة، وهذه المجموعات تؤمن، بأن وجود إسرائيل هو تحقيق للإرادة الإلهية كشرط حتمي، ومقدمة للنزول أو التجسد الثاني للمسيح، ومن ثم فإن مساندتها في مواجهة كل أعدائها هي الخير في مواجهة الشر، والحق في مواجهة الباطل.
أكثر من ذلك، فهذا اليمين الذي يمثله دونالد ترامب وقاعدته الانتخابية الأصلية (بخلاف من يؤيدونه عرضا)، هو الامتداد الطبيعي لليمين العنصري التاريخي، وربما تغنينا مقولة مشهورة لونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا العتيد عن شرح عقيدة ذلك التيار نحو الشعوب والأجناس الأخرى، وهي مقولة مرتبطة أصلا بالشعب الفلسطيني، ففي شهادة له أمام لجنة بيل البرلمانية البريطانية لتقصي الحقائق واقتراح الحلول في فلسطين في أعقاب الثورة العربية الكبرى عام ١٩٣٦، قال تشرشل، إنه لا يشعر بأي تأنيب ضمير، إذا وافق على أن يقوم جنس أرقي من البشر بطرد جنس أدنى، والحلول محله، وأن معيشة الكلب (يقصد الفلسطينيين) طويلا في المعلف (أي فلسطين) لا تجعل له حقا في هذا المعلف الذي هو أصلا للبقر (أي اليهود).
لذا وكما ذكرنا في مقالنا الأول في هذه السلسلة، أصبح ترامب هو أول رئيس أمريكي يتبنى علنا ورسميا مشروع التوسع الإسرائيلي بضم الضفة الغربية بالكامل، (وربما غزة وأجزاء من سوريا ولبنان فيما بعد)، وكذلك تهجير الفلسطينيين أولا من غزة، بل ومطالبة مصر والأردن باستقبالهم، والضغط على دول أخرى لهذا الغرض، منها دولة أرض الصومال مثلا.
وإذ نواصل النظر على مستوى الحكومات في البيئة الدولية الحالية المحيطة بالقضية الفلسطينية، فمن الواضح أن التأثير السلبي للسياسة الأمريكية تحت رئاسة دونالد ترامب، قد أرغم بقية الدول المؤثرة على خذلان الحق الفلسطيني، وبسرعة مفاجئة، وذلك كما رأينا في خلو بيان الدول السبع الكبرى مؤخرا من المطالبة بحل الدولتين، والاكتفاء بنص سقيم يتحدث عن تلبية حاجات الفلسطينيين.
وبالطبع، فمن المتوقع ألا يتأثر الموقف المؤيد للحق الفلسطيني في بقية دول العالم كبيرها وصغيرها، بهذا التوجه الأمريكي السلبي، للأسف مع استثناء الخذلان العربي الذي تحدثنا عنه في مقالنا السابق، لكن إسرائيل لا تعبأ إلا بالموقف الأمريكي، ومواقف أصدقائها العرب الجدد، وقد تهتم قليلا بمواقف أوروبية هنا وهناك.
إذن وبكل أسف، فإن البيئة الدولية على مستوى الحكومات والسياسات الرسمية مواتية لإسرائيل، وللمشروع الصهيو- أمريكي الترانسفير. ولكن هل هذه هي كل القصة؟
قطعا لا، فإنه لا يزال هناك رادع معنوي كبير لكل من ترامب وبنيامين نيتنياهو عن اللجوء للإبادة الجماعية الشاملة- خصوصا في الضفة الغربية- لإجبار الفلسطينيين على الخروج، ذلك أن روح العصر لا تسمح بذلك، وأن الرجلين يخشيان ثورة الرأي العام في الداخل والخارج، إذا ارتكبا مذابح جماعية ضد المدنيين، دون ذريعة كذريعة طوفان الأقصى مثلا، وهو احتمال غير وارد في الضفة لأسباب كثيرة، في مقدمتها أن حركة حماس لا تحكم الضفة، ومن ثم فإن صمود الفلسطينيين في أرضهم- رغم شراسة العدو وخذلان بعض الأشقاء- يبقى هو مفتاح النصر أو الهزيمة لمشروع الترانسفير، سيما وأن ترامب لن يبقي في البيت الأبيض إلى ما لا نهاية، بل هي سنوات أربع، لا تعد فترة طويلة في تاريخ القضية الفلسطينية الممتد عبر قرن من الزمان تقريبا.
هذا الرادع المعنوي هو أول العوامل المواتية للحق الفلسطيني في البيئة الدولية، وهو كما نرى من صنع الشعوب، وكما رأينا أيضا فقد حدث تغير ثوري في اتجاهات الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وفي أنحاء أوروبا لصالح الحقوق الفلسطينية، خصوصا في الجامعات والصحافة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي ينقلنا إلى ما نعتبره فرصة تاريخية لصالح الشعب الفلسطيني، وهي توحد نضاله مع نضال كل القوي التقدمية في العالم ضد ذلك اليمين الاستعماري العنصري الرأسمالي، وبالطبع فستكون قيادة هذا النضال للقوي التقدمية الأمريكية والأوروبية، وهي كلها ترفض ما ينتهجه ترامب وجماعته من سياسات، وما يمثله من قيم، تعيد التاريخ كثيرا وكثيرا جدا إلى الوراء، حتى فيما يتعلق بالحقوق المدنية، والعدالة الاجتماعية، وثقافة التنوع داخل الولايات المتحدة نفسها، وذلك أكثر الأفكار بؤسا وعفونة، أي تفوق الذكورية البيضاء الأنجلو سكسونية البروتستانتية، وهذا هو موضوع مقال الأسبوع المقبل.
اقرأ أيضا: الترانسفير.. أو هولوكوست الفلسطينيين ا- حل ترامب النهائي في الشرق الأوسط
اقرأ أيضا: الترانسفير.. أو هولوكوست الفلسطينيين ٢- ماذا يفعل العرب؟
اققرأ أيضا : الترانسفير.. أو هولوكوست الفلسطينيين ٣- اللحظة الخليجية