تجددت المخاوف من اندلاع صراع إقليمي في إثيوبيا مرة أخرى بعد عامين من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب بين القوات الحكومية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، حيث تعرقل المنافسات بين الزعماء السياسيين في تيجراي عملية إعادة دمج الأقليم في الهيكل الفيدرالي لإثيوبيا، وهو ما قد يتصاعد إلى صراع أوسع، يشمل إريتريا والجهات الفاعلة الإقليمية.

وظهرت الخلافات السياسية الداخلية في إقليم تيجراي؛ نتيجة محاولات السيطرة على قوة دفاع تيجراي، وتصاعد الخلاف بين زعيم جبهة تحرير شعب تيجراي، دبرصيون جبر ميكائيل، ونائبه السابق، جيتاتشو رضا، وتصاعد الانقسامات والصراعات على قيادة السلطة الانتقالية بالإقليم.

وتأتي الخلافات على السلطة في الإقليم الذي شهد حرباً ضارية بين جبهة تحرير شعب التيجراي TPLF، والحكومة الفيدرالية المركزية بقيادة آبي أحمد، أودت بحياة ما يُقدر بنحو 600 ألف شخص، فيما لا يزال الإقليم يعاني من هشاشة أمنية وانعدام في الخدمات الإنسانية الأساسية، حيث نحو ربع السكان، البالغ عددهم 7 ملايين نسمة، نازحون داخليًا- حسب تقديرات الأمم المتحدة.

أسباب الخلافات

يدور الانقسام الرئيسي في إقليم تيجراي الإثيوبي بين فصيلين: أحدهما بقيادة الرئيس الإقليمي السابق ديبريتسيون جبر ميكائيل، والآخر بقيادة جيتاتشو رضا، رئيس الإدارة المؤقتة، وهما قادة جبهة تحرير شعب تيجراي الذين خاضوا حرباً ضارية بشكل مشترك ضد الحكومة الفيدرالية.

بدأت الخلافات مع الانتقادات التي وجهها زعيم جبهة تحرير شعب تيجراي، ديبريتسيون جبر ميكائيل، لنائبه السابق، جيتاشو رضا، زعيم الإدارة المؤقتة لتيجراي (TIA)، ببطء تنفيذ اتفاقية وقف الأعمال العدائية الموقعة في نوفمبر 2022، داعيا إلى حل الإدارة المؤقتة لتيجراي وتقويض سلطتها.

وأمام انتقادات جبر ميكائيل، أكد جيتاشيو، أن قوات دفاع تيجراي، رغم أنها هيئة محايدة، إلا أنها تُدار من قِبل إدارة تيجراي كجزء من مسئوليتها عن الإشراف على عملية التسريح المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار. واتهم جيتاشيو فصيل جبهة تحرير شعب تيجراي بقيادة ديبريتسيون بزعزعة استقرار المنطقة ومحاولة القيام بانقلاب.

يذكر أن الإدارة المؤقتة لتيجراي التي تم انشاؤها بموجب اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية، كانت بمثابة سلطة مؤقتة لإعادة دمج إقليم تيجراي مرة أخرى في الهيكل الفيدرالي لإثيوبيا، واختار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، العقيد جيتاشيو من جبهة تحرير شعب تيجراي كشخص، يتمتع بالمصداقية بين التيجرايين لقيادة الهيئة المؤقتة.

خلال الأسبوع الماضي، نجح فصيل داخل جبهة تحرير شعب تيجراي في السيطرة على محطة ميكيلي إف إم، ومكتب رئيس بلدية المدينة- حسب صحيفة أديس استاندرد التي نشرت تحقيقا عن مخاوف السكان المحليين في الإقليم من العودة إلى الحرب، حيث رصدت اندفاع السكان لسحب أموالهم من البنوك وشراء السلع الأساسية؛ خوفًا مما قد يحدث لاحقًا، حيث ارتفعت أسعار؛ بسبب الخوف من حصار واسع النطاق.

وأقالت الإدارة المؤقتة بقيادة جيتاشو، رئيس مكتب السلام والأمن، الفريق فيشا كيدانو، بسبب الاخفاق في تنفيذ توجيهات الحكومة الفيدرالية، وتم توجيه الاتهامات لفصيل داخل القوات العسكرية لتيجراي بمحاولة تقويض اتفاق بريتوريا.

في مؤتمر صحفي مطلع الأسبوع الجاري في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، حذر جيتاتشو رضا، رئيس الإدارة المؤقتة في تيجراي، من أن احتمال اندلاع الحرب في تيجراي للمرة الثانية في أقل من خمس سنوات، يتزايد يوما بعد يوم.

وتحدث جيتاتشو عن الوضع المعقد والخطير في تيجراي، متهمها فصيل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بقيادة رئيسها دبرصيون جبرميكائيل بتصعيد التوترات، قائلاً: “تعتقد هذه المجموعة، أنه إذا ساد السلام والاستقرار والحكم الرسمي في تيجراي، فسيُحاسبون على أفعالهم”. محذراً: “حرب أخرى في تيجراي ستجذب مصالح أجنبية أخرى، وستزعزع استقرار إثيوبيا”.

وحمل جيتاتشو الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد، مسئولية ترك المجال للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، رغم التأكد من مساعيها لتأمين السلطة السياسية في تيجراي وتعزيز عدم الاستقرار، مؤكداً أن الحكومة الاتحادية لا تحتاج لطلب من أجل التدخل وضمان الأمن وحماية الإدارة المؤقتة التي شكلتها الحكومة الاتحادية نفسها.

موقف إدارة آبي أحمد

دون الإعلان عن مواقف واضحة يقف آبي أحمد في موقف محايد من الانقسامات القائمة في جبهة تحرير تيجراي، إلا أنه يؤكد باستمرار على تمسك حكومته بتنفيذ بنود اتفاق بريتوريا، وبدلًا من دعم فصيل سياسي محدد في تيجراي، يعلن أحمد أن حكومته تركز على التعاون مع حركة تحرير تيجراي ككيان موحد، بغض النظر عن قياداته.

في حديث أمام البرلمان الإثيوبي الخميس الماضي، قال آبي أحمد: “اتفاق بريتوريا ساهم في إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير الخدمات لشعب تيجراي، لكن لا يزال هناك قضايا لم تُعالج بشكل كافٍ، ومنها عملية فك الارتباط وإعادة الإدماج. يؤثر هذا بشكل أساسي على شعب تيجراي. يجب تحويل الشباب من العسكرة إلى التنمية”.

حديث أحمد أمام البرلمان حمل فيه المسئولية للقادة المتصارعين على السلطة في جبهة تحرير التيجراي، متهمهم بشكل غير مباشر بالوقوف ضد تنمية شعب التيجراي، قائلاً: تأخرت التنمية بسبب اختلاط الجهود الإنسانية بالسياسة”.

رغم الخطاب الهادئ الذي يتبناه أحمد بتصدير الأزمة؛ والسبب في عرقلة جهود الإصلاح والتنمية، للإدارة المؤقتة المشكلة من قادة التيجراي أنفسهم، إلا أن الخلافات الداخلية في تيجراي لم تكن الوحيدة التي تهدد استقرار السلم في الإقليم، فهناك خلافات مع الحكومة المركزية؛ بسبب عدم الالتزام من جانب حكومة آبي أحمد بحل ومعالجة قضايا أساسية، مثل استعادة الأراضي المحتلة، وانسحاب القوات غير الفيدرالية وإعادة توطين النازحين، بالإضافة إلى إعادة الاعتراف القانوني بجبهة تحرير تيجراي- حسب شكوى قدمتها جبهة تحرير تيجراي في قمة الاتحاد الإفريقي الأخيرة فبراير الماضي.

ورغم أن الحكومة الإثيوبية أعلنت أن حل جميع القضايا العالقة، سيتم عبر استفتاء، إلا أن هذه الوعود لم تبدد الشكوك والمخاوف داخل تيجراي، خاصة مع الدعوات المستمرة من أبي أحمد بتحميل المسئولية لقادة التيجراي لتعطيل مسار التنمية وتنفيذ بنود اتفاق وقف الأعمال العدائية، والاكتفاء بحل أي قضايا متطلبة من الحكومة الفيدرالية لتكون عبر الدستور.

وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن تعطيل تنفيذ اتفاق السلام في تيجراي سيفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة التي يعاني فيها أكثر من مليون نازح من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، مع ضعف الإدارة المحلية المنقسمة في القدرة على إدارة الإقليم وحماية سلامة المدنيين.

ويبقى تنفيذ اتفاق بريتوريا مرهونا بتوافق الأطراف المعنية، وسط ضغوط دولية وإقليمية لضمان استدامة السلام في المنطقة، خاصة مع استمرار عدد من الجنود من إريتريا- الذين دعموا الجيش الإثيوبي في حرب تيجراي- وميليشيات من مناطق إثيوبية في تيجراي، وهو ما يتسبب في استمرار انعدام الأمن ومنع عودة النازحين داخليًا إلى ديارهم.

ورغم استنزاف مواردها؛ بسبب المواجهات المسلحة في إقليمي أمهرة وأوروميا، تقول تقارير إعلامية إثيوبية، إن الحكومة الفيدرالية حشدت قوات إضافية باتجاه إقليم عفار، المتاخم لكل من تيجراي وإريتريا خلال الفترة الأخيرة، إلا أن رئيس الوزراء آبي أحمد، أكد في خطابة الأخير أمام البرلمان، أن إثيوبيا لا تنوي مهاجمة إريتريا والدخول في مواجهات مع جيرانها، لكنها لا تزال ملتزمة بإعادة إعمار المنطقة وضمان انتقال سياسي سلمي.

رغم محاولات آبي أحمد عدم الاعتراف بوجود أزمة سياسية وأمنية حقيقية في إقليم تيجراي، إلا أن تصاعد التوتر والانقسام في جبهة تحرير تيجراي من جانب، والخلافات مع الحكومة الفيدرالية ومليشيات إثنية أخرى مسلحة من جانب آخر ، يظلا عاملين رئيسيين، يهددان باحتمالات نشوب الحرب مرة أخرى.