ازدهرت الصهيونية ما لم تزدهر من قبل في الثلاثين عاماً الأخيرة، منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين حتى كتابة هذه السطور عند خواتيم الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، في هذه العقود الثلاثة حدث ما يلي: 1- تراجعت أكبر قوتين عربيتين، وهما: مصر والعراق، تراجعت مصر بغفلة القيادة، عما يحيط بها من تحولات، وتراجع العراق بمغامرات القيادة في حربين مع إيران، ثم مع الكويت، ومن ورائها العالم كله. 2- تقدمت دول عربية ناشئة للعب أدوار فائقة التأثير بقدر ما تملك من وفورات مالية ضخمة مثل، دولة قطر ودولة الإمارات، وباتت كل منهما تنافس دولة بحجم قارة مثل السعودية. 3- زيادة الدور القوي الذي يمارسه الرباعي غير العربي، حيث إيران وإسرائيل وتركيا وإثيوبيا. 4- الثورات والثورات المضادة التي طافت بالعالم العربي، فتركته بين فوضى وحروب أهلية وانقسامات عرقية وطائفية، أو يكون البديل هو ديكتاتوريات مستجدة، تحل محل الديكتاتوريات القديمة، فتفرض النظام والقانون بقبضة الحديد والنار. 5- إيران حاصرت العرب، ثم اخترقت العرب، ثم لعبت بمنظمات سياسية وعسكرية قوامها من الشيعة العرب. 6- تركيا تحاصر العرب، سواء وهي تحت حكم الجنرالات العلمانيين أو تحت حكم الإسلاميين الذين يحتفظون بعلاقات وثيقة سواء مع الصهيونية أو أمريكا والغرب. 7- مثلما كانت إيران تستهدف حصار السعودية بالذات، فإن تركيا تستهدف حصار مصر بالذات، تلتف حولها من ليبيا والبحر المتوسط ومن السودان والبحر الأحمر ومن إثيوبيا ومنابع النيل، ومن علاقات الرعاية التي تبسطها على منتسبي بعض قوى الإسلام السياسي، وهو ما يمثل تسللاً من الداخل. 8- الدولتان الناشئتان قطر والإمارات ظاهرة غير مسبوقة في تمدد القوة والنفوذ والتأثير، حيث الإعلام المبثوث من قطر، نجح في شل فاعلية الإعلام المصري، حتى أخرجه من الخدمة سواء داخل مصر أو في العالم العربي، قصف إعلامي كثيف، ترك مصر بلا إعلام، وهو ليس مجرد إعلام فقط، لكنه أجندة سياسية عملية، تقف مع قوى في الداخل ضد قوى أخرى، أي الإعلام القطري صانع حقيقي للسياسة داخل مصر، فهو يمنح الوجود والدعم والقوة لأطراف بعينها ويتبناها ويرعاها ويكفلها، اختراق حقيقي وخطير. ثم يوازيه الدور الذي لا يقل خطراً لدولة الإمارات، فهي مثل قطر تخترق الداخل وتناصر أطرافاً، يعملون لصالح أجندتها الإقليمية، مثلما تعمل الأطراف المضادة لأجندة قطر، والأجندتان من أولوياتهما ترويج الصهيونية في العالم العربي، وإدماج الكيان في بنية الثقافة العربية، حتى يتم التعود عليها، كما لو كانت مجرد رأي آخر أو وجهة نظر أخرى، لكنها تكسب الاعتراف بوجودها كثابت في المنطقة وسياستها وثقافتها وحضارتها. 9- إثيوبيا، هي إسرائيل المسيحية، قبل أن تنشأ إسرائيل الصهيونية، مصر مُحاطة بإسرائيل عند شمالها الشرقي، كما هي محاطة بإسرائيل أخطر عند منابع النيل، ومعها وعندها وفيها خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، التقى الجميع: إسرائيل وتركيا وعرب الخليج، كلهم حاضرون فيها، وكلهم شركاء في حصار مصر. 10- بدأت هذه التحولات في النصف الثاني من عهد الرئيس مبارك، حيث تحول الحاكم- بطول المكث في السلطة- من رئيس جمهورية إلى ملك، وتحولت الرئاسة إلى بلاط، وتحول أركان النظام إلى حاشية، وتحولت الأسرة إلى سلالة ملكية، وظن الجميع أن زمام الزمان قد لان في أيديهم، فدبت روح الاسترخاء والراحة والغفلة في أعصاب الدولة، حتى أدركها العجز والشيخوخة والدنيا، تتحرك من فوقها ومن تحتها، وهي في غفلة حتى انفجرت الدنيا من تحت أقدامها في 25 يناير 2011.
وسوف تظل التحديات التي تبلورت في النصف الثاني من عهد مبارك، تواجه مصر بشدة وقسوة تبحث عن حلول صعبة، فمصر التي كانت حتى وهي مهزومة في 1967 قائدة العرب دون منافس حتى زيارة القدس1977، هي الآن تحت حصار حقيقي من كل الجهات: صهيوني وإيراني وخليجي وتركي وإثيوبي، الذي وصل بمصر إلى هذا الوضع غير السعيد، هو غفلة القيادة بالدرجة الأولى، ففي الثلاثين عاماً التي حكم فيها مبارك هي أخطر ثلاثة عقود في التاريخ المعاصر: فيها سقط الاتحاد السوفيتي وانهارت الكتلة الشرقية، وانهزمت الشيوعية، وانهد حائط برلين، وتوحدت ألمانيا، وهيمنت أمريكا، وانطلق المارد الصيني ومن حوله النمور الآسيوية، وظهرت النخب الجديدة في الخليج ومعها طموح، تخرج لسانها لمصر وغيرها من القوى العربية التقليدية، بما فيها السعودية والعراق وسوريا، تقريبا كان نظام مبارك في النصف الثاني من عهده لا يعمل شيئاً جاداً، أو يعمل بالحد الأدنى، أو طاقته كانت قد شحطت وغاصت في تراب الأرض.
أتفهم أن تكون لدى كل من إسرائيل وإثيوبيا وإيران وتركيا مطامح توسعية في الإقليم، فأوضاع العالم العربي تغري بشيء من ذلك، فقد انهزمت مشاريعهم للتوحد، كما انهزمت مشاريعهم لبناء دولة وطنية، يرضى عنها مواطنوها، كما باتت بلادهم مرتعاً لفراغ القوة بعد هزيمة 1967، كما باتت مرتعاً لفراغ الإرادة بعد زيارة القدس 1977، كما باتت مرتعاً لغياب الثقة بعد غزو العراق للكويت، وعجز العرب عن فعل شيء في 1990، ثم باتت مرتعاً للانتحار وتصفية الذات بعد انطلاق سلام أوسلو 1991، واعتراف فلسطين بإسرائيل 1993 في مقابل سلطة فلسطينية، لا تملك من أمرها شيئاً، من هذا التاريخ، تاريخ إعلان العرب احتقارهم لذاتهم وقضيتهم وارتمائهم على عتبات أقرب الحلول وأرخصها، عند هذا التاريخ حول منتصف تسعينيات القرن العشرين، بدأت رحلة الثلاثين عاماً: حيث حقبة ازدهار الصهيونية وفي موكبها اللاعبون الجدد الكبار من غير العرب إيران وتركيا وإثيوبيا، وفي موكبها كذلك اللاعبون الجدد من قوى المال الخليجي، حيث تتصدر قطر وحيث تقفز الإمارات، وحيث بدأت حقبة من يسميهم الدكتور أنور عبد الملك “أنصار الصهيونية باسم الحداثة”.
في مقاله الذي اقتبست منه العنوان “مع من أنتم يا أحباب مصر؟”، في ص 178 من كتابه “الوطنية هي الحل”، نخب الحكم والثقافة والسياسة في الخليج بعد غزو العراق للكويت، تختلف جذرياً عما قبلها، نخب جديدة كسرت، ما كان ثوابت، وتجاوزت ما كان خطوطاً حمراء، وأعادت تقييم خطورة، ما تملكه من مال، وأنها تستطيع به لعب نفوذ فائق الخطورة سواء في عواصم فقراء العرب، مثل مصر، أو في عواصم أقوياء وأغنياء العالم في أوروبا وأمريكا، كانت البداية من الإعلام، بدأت قطر، ثم نافستها السعودية، ثم نافستهما الإمارات، قصف مدفعي خليجي- غير مؤمن بأي قضية إيمان حقيقي- يقصف العقل المصري على مدار الساعة، حتى بات العقل المصري في الثلاثين عاماً الأخيرة رهيناً رهناً كاملاً، ثم أسيراً أسراً كاملاً لدى أجندات الخليج المتنافسة، سيطرة خليجية كاملة على جهاز التفكير والضمير والشعور تضغط بكل قوة على الجهاز العصبي للمصريين، بما عجز عن فعله الاستعمار البريطاني بكل جبروته على مدار ثلاثة أرباع قرن.
كانت حاشية مبارك تتحدث عن الريادة الإعلامية لمصر في تسعينيات القرن العشرين، بينما كانت الريادة الفعلية تغادر مصر مغادرة حاسمة؛ لتستقر على ضفاف الخليج؛ لتغزو قلب العروبة في وادي النيل، تزامنت الريادة الإعلامية الخليجية مع ميلاد ثم صعود الموجة الصهيونية الحالية، كما تزامنت مع التفكيك المنهجي التدريجي للعالم العربي، حيث تتساقط ديكتاتوريات دون أن يعبأ أحد بإقامة ديمقراطيات، ثم تتفكك روابط شعوب، ثم تنقسم دول، حتى لو نظرت لأهم الدول العربية الآن؛ لرأيت بطونها مبقورة، يلعب فيها الذباب يتغذى على ما تتقيحه من دمامل، ومع صعود الإعلام الخليجي مع المد الصهيوني مع تفكيك العالم العربي، كان وما زال الترويج للنموذج التركي، سواء وهو علماني أو إسلامي من الدراما التركية حتى البضائع التركية حتى الالتفاف التركي الصامت حول مصر بالذات من كل بر وبحر، بل ومن الداخل الشعبي بين صفوف الإسلام السياسي، لقد أصبحت لأردوغان شعبية بين صفوف الإسلاميين في مصر، تفوق ما كان للسلاطين العثمانيين من شعبية عند عوام المصريين قبل سقوط الخلافة منذ مائة عام أو يزيد قليلاً، هذه العودة العثمانية للداخل المصري اختراق بغير سلاح، وتسلل بغير رقيب وغزو بغير جلبة وفتح بغير ضجيج، وهذا في حد ذاته تطور خطير حيث عواطف وميول ومشاعر أسيرة ورهينة لتركيا مع عقول وضمائر رهينة وأسيرة للإعلام الخليجي، وكلهم مصريون. أضف إلى ذلك، إسرائيل وإثيوبيا، وكلتاهما بمعنى واحد، وكلتاهما بخطورة واحدة، فإسرائيل هي إثيوبيا الشمال الشرقي، وإثيوبيا هي إسرائيل منابع النيل، كلتاهما خطر، حال جسيم يزداد مع الأيام خطورة وجسامةً.
اتفاق السلام والتبادل الدبلوماسي مع إسرائيل لا يلغي خطرها، ولا يهون منه ولا يقلل من حقيقة أنها كانت وسوف تبقى الخطر رقم واحد على مصر، ما دامت “أي إسرائيل” بقيت في مكانها أو تمددت حولها، ويزداد الخطر مع رديفها في الخليج ومن قبله مع ظهيرها في تركيا سواء علمانية أو إسلامية، وإذا كان هؤلاء جميعاً يتسابقون للتعاون مع إثيوبيا فهذا معناه- بكل وضوح- أن على مصر أن تحمل همومها بنفسها، كما لو كان ليس لها في هذا العالم صديق واحد مخلص، وسوف تكون محقة في مثل هذا الظن، يكفي أن تلقي نظرة هذه اللحظة على خريطة مصر حتى ترى النار، تتوثب على حدودها من الجهات كافة، ولا أظن يوجد بلد واحد في العالم في مثل هذا الظرف العصيب.