تنبئ الحوادث المتدافعة في الإقليم بتطورات بالغة الخطورة، قد يفلت عيارها إلى حروب وفوضى واسعة.
النيران المشتعلة في فلسطين ولبنان واليمن، تكاد أن تنتقل إلى إيران، وربما مصر، إذا ما فرض عليها تهجيرا قسريا من غزة إلى سيناء.
إنها بوابات الجحيم، التي لن تفلت من تبعاتها الثقيلة أي دولة في الإقليم.
اتفاق الهدنة في غزة تقوض تماما.
المأساة الإنسانية تعصف بأهلها، والقوات الإسرائيلية تنذر باحتلال طويل الأمد بذريعة استعادة الأسرى والرهائن تحت ضغط السلاح.
بنفس الوقت، تقوض اتفاق آخر لوقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني.
عادت الطائرات الإسرائيلية لتقصف الضاحية الجنوبية، واغتيال قيادات في حزب الله، دون أدنى اكتراث بسلطة الدولة ونداءاتها لاحترام القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة.
احتمالات صراع تركي إسرائيلي معلن، تتصاعد فوق الأراضي السورية على القوة والنفوذ.
تركيا بصدد إنشاء قواعد عسكرية جديدة، وإسرائيل تتحسب لاحتمالات الصدام.
التطور الأخطر: التدخل العسكري الأمريكي المباشر بالنيابة عن إسرائيل في الحرب على اليمن بذريعة حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين.
بدا مستلفتا إشارة الرئيس الأمريكي في محادثة أخيره مع نظيره المصري، إلى ما أسماه “التقدم العسكري المحرز ضد جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران، والحلول الممكنة في قطاع غزة”.
تنطوي تلك العبارة على شقين متضادين.
الأول، تصعيد في المواجهة وصولا إلى إيران.
والثاني، انفتاح ما على حلول سياسية ممكنة في قطاع غزة.
منسوب الأول يفوق الثاني بالنظر إلى الدعم المطلق، الذي يقدمه “دونالد ترامب” لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”.
بطريقة ملتبسة، أشار “ترامب” إلى ما أسماه “الاستعدادات العسكرية”، قاصدا على الأغلب دواعي القلق الإسرائيلية من مستوى التعبئة في مصر تأهبا لأسوأ السيناريوهات.
لم يصرح رسميا، لكن السياق كاشف.
في كل تلك التطورات الخطرة، تبدو إيران نقطة التركيز الأساسية، باعتبارها الداعم الرئيسي لجماعات المقاومة المسلحة، أو مصدر الإزعاج الأول لإسرائيل.
الدافع الرئيسي الآن لأي عمل عسكري كبير ضد إيران، هو الاستثمار الاستراتيجي في التراجعات الفادحة، التي حلت بحلفائها الإقليميين.
استند صعود الدور الإقليمي الإيراني على رافعتين رئيسيتين.
الأولى، الشيعية السياسية في لبنان والعراق أساسا واليمن وسوريا بدرجة ما.
الثانية، الدعم السياسي والعسكري والتدريبي لجماعات المقاومة، “حزب الله- لبنان” و”حماس والجهاد الإسلامي- فلسطين” و”أنصار الله– الحوثيين- اليمن”.
مثلت الرافعة الأولى قوة دعم وتثبيت على الأرض، لكنها بالوقت نفسه سحبت في ممارسات عديدة من رصيد الدور، واستدعت تناقضا معه.
تحتاج إيران الآن، أن تراجع بعض أدوارها الإقليمية، وأن تصحح بقدر ما تستطيع أوجه الخلل في علاقاتها بمحيطها العربي.
تحت أشباح ومخاوف الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة ومدمرة، تتأكد وحدة مصير أبناء المنطقة الواحدة.
إثر أحداث السابع من أكتوبر (2023) عملت إدارة “جو بايدن” على ردع إيران وحزب الله من “عدم استغلال الوضع” للإجهاز على الحليف الإسرائيلي، الذي بدا مترنحا ومنكشفا في أمنه ووجوده بصورة غير مسبوقة.
بدواعي الردع، أرسلت حاملات طائرات وبوارج وقوات مارينز إلى شرق البحر المتوسط؛ تأهبا لحماية إسرائيل من أي انهيار محتمل.
أقوى السيناريوهات المرجحة، أن يحافظ “ترامب” على جوهر استراتيجية الردع، التي كان يتبناها سلفه وغريمه “بايدن”، دون التورط في حرب إقليمية واسعة.
إنه يهدد ويتوعد ويتحدث بأكثر مما يفكر.
“سوف أقصف إيران بشدة وبصورة غير مسبوقة، إذا لم تبرم اتفاقا بشأن مشروعها النووي”.
هكذا تحدث بالنص.
إنه إعلان حرب مشروط.
بصياغة أخرى، فهو طلب إذعان واستسلام بالإخافة والترهيب.
إذا كان قصده الحقيقي يتوقف عند التوصل إلى اتفاق جديد يتعلق بالمشروع النووي، فإنها مشكلة منتهية.
إيران لا تكف عن إعلان نواياها من أنها مستعدة، أن تقدم كل الضمانات، التي تثبت طبيعته وسلميته.
هذا ليس موضوع الصدام، ولا الذريعة الحقيقية للحرب.
يتعدى القصد الحقيقي المشروع النووي إلى المشروعات العسكرية الإيرانية، الصاروخية بالذات، والدور الإيراني الإقليمي ودعمه للمقاومة المسلحة بالخصوص.
الفارق شاسع بين النقد الطبيعي والمشروع لبعض السياسات الإيرانية في الإقليم، وبين تبني الرؤية الإسرائيلية بذرائع منتحلة ومتهافتة.
حسب “ترامب” هناك محادثات تجرى بين مسئولين أمريكيين وإيرانيين، دون أن يكشف، ما توصل إليه بأوصاف إنشائية، اعتاد عليها من نوع “مخيب” أو “رائع” و”جميل”!
بدا رد الفعل الإيراني سريعا ومتحديا.
تدرك طهران، أن أي تنازل أمام الثور الأمريكي الهائج سوف يشجعه على طلب مزيد من التنازلات.
احتجت رسميا لدى الأمم المتحدة، استدعت القائم بالأعمال الأمريكي في السفارة السويسرية بطهران؛ احتجاجا على تصريحاته.
أعلنت: “لا تفاوض في ظل الضغوط القصوى”، لكنها لم تنسحب من التفاوض غير المباشر، المرجح أن يكون في سلطنة عمان.
إنه إعلان تحد وانفتاح بنفس الوقت على حل سياسي ممكن.
الأمريكيون صعدوا بفرض عقوبات جديدة على طهران، وتحريك حاملات طائرات وقوات عسكرية بذريعة الاستعداد لعمل عسكري كبير ضد اليمن.
إدارة “ترامب” تعرف مقدما، أن تكاليف احتلال اليمن فوق طاقة أية جيوش نظامية بالنظر إلى تضاريسه الجغرافية بالغة الصعوبة.
الهدف الحقيقي، غير المعلن، الاستعداد لعمل عسكري ضد إيران.
بتوقيتها وسياقها تدخل زيارة الجنرال “مايكل كوريلا” قائد القيادة المركزية الأمريكية لإسرائيل في جهود التنسيق المسبق قبل أي عمل عسكري ضد الحوثيين، كما أعلن، أو ضد إيران كما ينتوي.
على الجانب الإيراني، أصدرت هيئة أركان القوات المسلحة تحذيرا غامضا في صياغته، لكنه واضح في استهدافاته إلى من أسمتهم: “جميع الأعداء الذين أخطأوا في حساباتهم، من أن أي تهديد أو عدوان أو إثارة لحرب، تنتهك وحدة أراضي إيران، سيتم الرد عليه بقوة هجومية مضاعفة”.
يستلفت النظر في التحذير صدوره عن الجيش الإيراني، لا الحرس الثوري، كما جرت العادة طوال السنوات الطويلة الماضية.
المعنى هنا، أن الدولة الإيرانية سوف تتصدى بكامل مقدراتها وقوتها.
من المقصود بالضبط بذلك التحذير؟
ينصرف التفكير إلى إسرائيل أولا، والمصالح النفطية ثانيا.
إنه تحذير مبكر، أن النيران سوف تطال الجميع.
سربت إيران لذات الغرض، أن صواريخها الباليستية نُصبت على منصاتها.
تبدت رسالة ردع ثانية أقوى وأخطر منسوبة إلى أحد كبار النافذين في النظام الإيراني “علي أحمد لاريجاني” قال فيها: “إن الشارع الإيراني يسأل، لماذا لا ننتج فورا سلاحا نوويا يحمينا من أي ضربات توجه لنا؟”.
نسب السؤال الخطير إلى الشارع لا إلى النظام.. إلى القلق الذي يعتري المواطنين لا إلى السياسة، التي تؤكد دوما على سلمية مشروعها النووي.
إنها رسالة متقنة، تعرف أهدافها دون تورط فيما لا تريده.
اللافت في كل التطورات الخطرة، أن الأطراف الإقليمية كلها أكدت صبيحة عيد الفطر المبارك على ضرورة الانتصار للقضية الفلسطينية، المرشد الأعلى الإيراني قال: “لا تراجع” والرئيس التركي أكد على محوريتها، والرئيس المصري نظم تظاهرات في الأماكن العامة تأكيدا على رفض التهجير تحت أي ظرف.
المعنى المشترك، رغم اختلاف التوجهات والنوايا، أن أحدا في الإقليم لا يمكنه إنكار شرعية المقاومة ومركزية القضية الفلسطينية.
هكذا، فإن السؤال الإيراني يعني العرب جميعا، والإقليم كله.
إذا كان هناك من يتصور هنا، أو في أي مكان آخر باستثناء إسرائيل، أن القضاء على إيران نوع من النصر، فهو واهم تماما.