أثارت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في “يوم التحرير الأمريكي” مخاوف في جميع الاقتصاديات العالمية، من عودة التضخم للارتفاع وتضرر الأسواق المصدرة والمستوردة على حد سواء.
وقال البرلمان الأوروبي، بعد دقائق من رسوم ترامب، إنها ستشعل الأسعار والتضخم بالعالم، بينما قالت الحكومة البريطانية، إنها ستضرب النمو بالبلاد، في وقت، أعلنت فيه عن موازنة طوارئ؛ بسبب الأزمة الاقتصادية، بينما أكدت ألمانيا أقوى اقتصاد أوروبي، أن تلك الرسوم ستفتح الباب لبناء تحالفات جديدة.
وسط تلك الحالة، تدور تساؤلات حول كيفية تأثر الاقتصاد بتلك الرسوم، خاصة أن ترامب قرر فرض 10% رسوم على البضائع المصرية، فضلاً عن مدى تضرر الاقتصاد المصري برد الفعل المقابل من قبل الدول التي استهدفها ترامب، والتي ستكون أيضًا بفرض رسوم حمائية كبيرة أيضًا.
تأثير مباشر للرسوم الأمريكية على مصر
يقول محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إنه بالنسبة لمعظم الدول النامية مثل مصر، التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من سلع أساسية ووسيطة، ورأسمالية، سيكون هناك تأثير محدود مباشر للتعريفات الجمركية، والناتج من حجم التجارة المتبادل بين مصر والولايات المتحدة.
يضيف أنه بناء على البيانات المتاحة حتى أكتوبر 2024، تقدر قيمة التجارة الثنائية بين مصر والولايات المتحدة بحوالي 8.6 مليارات دولار، فالصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة تبلغ حوالي 2.5 مليار دولار، والواردات المصرية من الولايات المتحدة تبلغ حوالي 6.1 مليارات دولار.
على مدى السنوات العشر الماضية، شهدت مصر عجزًا تجاريًا مستمرًا مع الولايات المتحدة، بمتوسط حوالي 3.57 مليارات دولار سنويًا، وتُظهر بيانات مركز التجارة الدولية، أن الواردات المصرية من الولايات المتحدة تجاوزت صادراتها باستمرار، وكان أعلى رقم تم تسجيله في 2022 عند 6.95 مليارات دولار.
في المقابل، تباينت الصادرات المصرية لأمريكا، إذ بلغت أدنى مستوياتها عند 1.13 مليار دولار عام 2014، وبلغت ذروتها عند 2.54 مليار دولار عام 2021، قبل أن تنخفض إلى 1.95 مليار دولار عام 2023.
أوضح عبد العال، أن حجم التبادل التجاري المباشر مع الولايات المتحدة يمثل بالفعل نسبة صغيرة نسبيًا من إجمالي التجارة الخارجية لمصر، وبالتالي، فإن أي تعريفات جمركية مباشرة تفرضها الولايات المتحدة على الواردات من مصر، أو العكس، سيكون تأثيرها المباشر محصورا ومحدودًا.
أوضح أن الخطر الأكبر على الاقتصادات النامية كمصر، يكمن في التأثير غير المباشر الناتج عن تصاعد التوترات التجارية العالمية واحتمالية حدوث ركود تضخمي عالمي، وهذا السيناريو يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكلفة الواردات من جميع أنحاء العالم، وتراجع في الصادرات، واضطراب في سلاسل الإمداد، وضغوط على العملة المحلية، مما سيكون له تأثير سلبي كبير على معدل التضخم واستقرار أسواق النقد الأجنبي في معظم الدول النامية ومنها مصر.
وحذرت شركة “ميرسك”، عملاق الشحن العالمي، من تداعيات رسوم ترامب على قطاع الشحن عالميا، وقالت إنه من المتوقع أن تعمل الدول على تغيير مسار صادراتها في ظل رسوم ترامب.
ماذا تصدر مصر لأمريكا؟
بلغت قيمة صادرات مصر من الملابس غير المصنرة (المصنرة هي ملابس كروشيه، ومُجمعة بالغرز أو تتضمن أليافا معدنية) إلى أمريكا نحو 739.877 مليون دولار خلال 2024 في مقابل 659.709 مليون دولار خلال 2023 بنمو 12.2%، ومن ملابس وتوابعها من المصنرات بنسبة 25.3% لتسجل 454.167 مليون دولار في مقابل 362.527 مليون دولار.
وزادت قيمة صادرات مصر من الخضر والفواكه وأجزائها بنسبة 17.5% لتبلغ 113.789 مليون دولار في مقابل 96.84 مليون دولار، بينما تراجعت من حديد وصلب- فولاذ بنسبة 44.4% لتسجل 126.599 مليون دولار في مقابل 227.689 مليون دولار، وكذلك من سجاد وأغطية أرضيات من مواد نسيجية بنسبة 1% لتسجل 123.296 مليون دولار في مقابل 124.565 مليون دولار.
ماذا تستورد مصر؟
بالنسبة للسلع التي تستوردها مصر من أمريكا، فتتضمن وقودا وزيوت معدنية ومنتجات تقطيرها بقيمة 3.313 مليارات دولار خلال العام الماضي في مقابل 1.174 مليار دولار خلال 2023 بنمو 182.1%، وحبوب وأثمار زيتية ونباتات طبية بقيمة 1.08 مليار دولار في 2024 مقابل 823.686 مليون دولار، وطائرات وسفن بقيمة 509.461 ملايين دولار في مقابل 404.199 ملايين دولار في الفترة المقارنة ذاتها.
كما استوردت مصر في 2024 مراجل وآلات وأجهزة آلية من أمريكا بقيمة 380.954 مليون دولار مقابل 479.101 مليون دولار في 2023، ومنتجات صيدلة بقيمة 308.084 ملايين دولار مقابل 343.126 مليون دولار في الفترة المقارنة ذاتها.
هل تستفيد مصر؟
توجد بعض التقديرات التي ترى أن مصر قد تكون بين الأسواق التي يمكن أن تستفيد من الحرب التجارية، منهم الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، الذي يقول، إنه ربما تؤدي تلك الرسوم إلى مكاسب للاقتصاد المصري، على خلفية عدم استعداد الصين والدول الأوروبية وغيرها لغلق مصانعها وتسريح العمالة جراء انخفاض قيمة صادراتها إلى الولايات المتحدة، فستلجأ تلك الدول إلى عقد صفقات بميزات تجارية أفضل مع الدول الأخرى، ومن بينها المنطقة العربية، بل أن هذا ربما يَدعم تَجمع بريكس بشكل غير مباشر حتى في غياب عملة خاصة به.
ربما تستفيد مصرمن العلاقة التجارية القوية مع الدول التي استهدفها ترامب برسوم مرتفعة للوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة والمدخلات الصناعية التنافسية، ما يعزز القدرة الصناعية والإنتاجية الإجمالية لمصر.
أضاف أن ترامب انقلب على اتفاقية التجارة الحرة والعولمة ويرجع بالاقتصاد العالمي لعصر ما قبل الحرب العالمية الثانية. ربما يكون للتعريفات الجمركية انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الأمريكي، ولكن بعد أكثر من عِقد كامل على أقل تقدير.
أضاف أنه من الواضح، أنها تَندرج تحت طائفة الوسائل العقابية للدول الأخرى حتى الحليفة لأمريكا. فإذا كانت الدول الأوربية تَفرض رسوما جمركية على السيارات الأمريكية بمعدل 10٪، نَجد أنه فرض رسوما جمركية على السيارات الأوروبية بمعدل 25٪ بدلًا من 2.5٪ قبل ذات التاريخ.
هل توجد مخاوف؟
رغم إمكانية استفادة مصر اقتصاديا من تلك الرسوم، لكن يزيد المخاوف من تأثر مصر سلبيا اعتمادها على الاستثمار الأجنبي المباشر؛ للحفاظ على استقرار سعر الصرف لديها، ما قد يعرضها للخطر بشكل خاص، في ظل أن فترات الصراعات التجارية المكثفة تشهد ميلاً من المستثمرين عالميًا للحذر والانسحاب من الأسواق، التي يُنظر إليها، على أنها محفوفة بالمخاطر.
بفضل الفائدة المرتفعة، استقطبت مصر نحو 24.554 مليار دولار تدفقات من الاستثمار الأجنبي غير المباشر “الأموال الساخنة” ليقفز إجمالي رصيد ذلك النوع من الاستثمارات إلى مستوى قياسي مسجلا نحو 38.171 مليار دولار بنهاية أكتوبر الماضي مقارنة بنحو 13.617 مليار دولار في فبراير السابق عليه.
مع ارتفاع التضخم عالميًا، كما هو متوقع بعد رسوم ترامب، ربما ستلجأ بعض الدول لرفع الفائدة، ما سيقلص من قدرة البنك المركزي على خفض الفائدة، كما هو متوقع لإنعاش الاقتصاد ودعم النمو الاقتصادي واقتراض الشركات من أجل التوسع والتوظيف.