في مناطق عدة بغرب وجنوب ووسط القارة الإفريقية، يعيش السكان المحليون أزمات متكررة؛ نتيجة موجات من الجفاف، وما ينتج عنه من تهديد للأمن المائي والغذائي والمجتمعي، إلا أن الأبحاث الجديدة للمؤسسات المعنية بمراقبة العنف والتطرف في القارة الإفريقية، وجدت روابط غير مباشرة بين التغير المناخي والتطرف العنيف والإرهاب المنتشر في معظم أنحاء القارة الإفريقية.

وأظهرت أبحاث لمجموعة البنك الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالوضع الأمني بإفريقيا، أن تغير المناخ قد لا يؤدي بشكل مباشر إلى تفاقم الإرهاب، إلا أن العوامل المرتبطة به هي الحافز الأساسي للصراعات المحلية، وأغلبها مدفوع بالأساس باضطرابات أنماط الإنتاج الزراعي وندرة الموارد. بالتالي يُوفّر الصراع المحلي بيئةً خصبةً لنموّ الجماعات الإرهابية.

ونشر معهد الدراسات الأمنية مشروعا بحثيا، أجراه بالتعاون مع عدد من المراكز البحثية المحلية في إفريقيا في إطار دعوة الأمين العام للأمم المتحدة؛ للبحث عن الأدلة والسياقات المحلية والمجتمعية للعلاقة بين تغير المناخ والإرهاب في إفريقيا، وهو الجدل الذي شهدته المنتديات والمؤتمرات الدولية المعنية بقضايا الإرهاب والأمن البشري في إفريقيا.

ولعل أبرز المناطق في إفريقيا الأكثر تهديداً بالتغيرات المناخية، والتي تعاني من موجات طويلة للجفاف الممتد، وتشهد أيضا زيادة وتيرة الإرهاب والعنف المحلي والعابر للحدود، هي منطقة الساحل الأوسط (من حوض بحيرة تشاد حتى الصومال)، وهي المنطقة الأكثر قابلة لرصد العلاقة بين الإرهاب والتغير المناخي.

الساحل الإفريقي.. الأكثر اضطرابا

تقول الدراسة التي نشرها معهد الدراسات الأمنية الدولي أمس، إن منطقة الساحل أيضًا تعاني من أزمة أمنية متعددة الأبعاد، بدأت في مالي عام 2012، وامتدت إلى بوركينا فاسو والنيجر عام 2015. وتواجه البلدان الثلاثة انتشارًا وتوسعًا للجماعات المسلحة، بما في ذلك الجماعات الإرهابية مثل، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وجماعات التمرد والدفاع عن النفس المختلفة.

خلال العشرين عاماً الأخيرة، ارتفعت درجات الحرارة المتوسطة في منطقة الساحل بمقدار 0.6 إلى 0.8 درجة مئوية، وتشير التوقعات طويلة الأجل إلى زيادة تتراوح بين 3 و6 درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين. وتنعكس هذه الاتجاهات بالفعل في تقلبات ملحوظة في هطول الأمطار، وزيادة في الظواهر الجوية المتطرفة مع تزايد وتيرة الفيضانات والجفاف، وتدهور التربة.

في عام ٢٠٢٤، أجرى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية مسوحات في منطقة تيلابيري بالنيجر، المتأثرة بشدة بتغير المناخ وانعدام الأمن المرتبط بالتطرف العنيف، وتم إضافة عدد من المقاطعات في بوركينا فاسو ومالي أيضاً.

منذ سبعينيات القرن الماضي، تأثر السكان المحليون بآثار تغير المناخ من خلال تغيرات في مواعيد الزراعة. ويتسم هذا التغير بشكل خاص بتأخر بدء موسمي الأمطار والزراعة وبداية نهايتهما المبكرة، وتفاقم الجفاف، وتكاثر الظواهر المناخية المتطرفة مثل ارتفاع درجات الحرارة، والفيضانات (بما في ذلك فيضانات الأراضي الصالحة للزراعة)، والرياح القوية.

تقول الدراسات الميدانية إنه على الرغم من عدم فهم أو معرفة السكان المحليين في مناطق مختلفة بالساحل بقضايا التغير المناخي، خاصة بين فئات المزارعين والرعاة والصيادين والنازحين الأكثر تضرراً من نقص الموارد المرتبط بتغير المناخ، إلا أنهم مدركون تأثير هذه الاضطرابات على أنشطتهم، فهذه الظواهر ليست جديدة عليهم، إذ لا تزال الظواهر المناخية والبيئية المتطرفة، مثل الجفاف وغزوات الجراد- التي أدت إلى المجاعة- محفورة في الذاكرة الجماعية.

اضطراب المناخ والندرة والصراع على الموارد

توصلت الأبحاث أن هناك صلة غير مباشرة بين تغير المناخ والأنشطة الإرهابية التي تنفذها الجماعات المتطرفة العنيفة، حيث يشعل تغير المناخ الصراعات المحلية بين الطوائف، بسبب اختلال أنماط الإنتاج الزراعي وندرة الموارد الطبيعية، مما يدفع الجماعات والمجتمعات المحلية إلى التنافس على الوصول إلى الموارد والسيطرة عليها.

أظهرت الدراسات الميدانية في بعض المقاطعات بالصومال والنيجر وبوركينا فاسو تغيرا في أنظمة الإنتاج الزراعي والرعوي، بما زاد من التهديدات لسبل عيش السكان الريفيين، الذين يعتمدون على الزراعة المعيشية وتربية الماشية.

وفقاً للطبيعة السكانية في هذه المجتمعات، كان التنقل دائمًا حجر الزاوية في قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في مواجهة التحديات البيئية من أجل الوصول إلى الأراضي والمياه والمراعي، عاملًا رئيسيًا في المستقبل، إلا أن النزوح الآن أصبح الحافز الأكبر للصراع.

وتبرز أكبر محفزات الصراع في دخول القطاع الخاص والاستثمارات في هذه البلدان، والتي “أي الاستثمارات” استولت على مصادر المياه واحتكار ملكية الأراضي، والحصول على امتيازات الصيد والتعدين وامتلاك المناطق الرعوية.

وكشفت البحوث عن مشاكل الحكومة والإدارة في معظم البلدان، بخاصة فيما يتعلق بإدارة المناطق الزراعية، وتسهيل استيلاء بعض الفاعلين المحليين على مصادر المياه والأراضي، وحماية الاحتكار، وهو ما يعزز خلق المظالم الاجتماعية، خاصة إذا ما تداخلت هذه المظالم مع قضايا الهوية العرقية والإثنية، والتي تحول الصراع في أغلب الأوقات إلى صراعات طائفية ممتدة.

تقول الدراسات إن مشكلة الحكومة وإدارة الموارد في ظل التغير المناخي تعزز فكرة صراع هوية المزارع المستقر، أو الرعاة الرحل مع الهويات العرقية، لذلك تتحول الصراعات إلى صراعات طائفية، وتنشأ ميليشيات الدفاع عن النفس، مما يؤدي إلى تفاقم العنف والتوتر الأمني.

تقول الدراسات الأمنية، إن أسباب تدهور الوضع الأمني في غرب إفريقيا منذ 2012 كانت بسبب أن السكان انضموا إلى التمردات لحماية أنفسهم أو عائلاتهم أو مجتمعاتهم، أو أنشطتهم المُدِرة للدخل، من التهديدات الأمنية المحلية.

إدارة الأزمة.. برامج دولية أم سياسات محلية؟

وتطرح النتائج التي توصلت لها الدراسات عن وجود رابط غير مباشر بين العنف والتطرف والإرهاب المنتشر في إفريقيا، خاصة مناطق الساحل الإفريقي، والتغير المناخي، عددا من التساؤلات حول البرامج الأنسب لإدارة هذه الأزمة والتعامل مع العوامل والمحفزات الأساسية للصراعات المحلية، ومدى امكانية الاعتماد على برامج دولية مصممة من الغرب عبر المنظمات الدولية المانحة، أم ضرورة تطوير برامج وسياسات محلية فاعلة، يعترف فيها القادة الأفارقة بالمشاكل الحقيقية في بلدانهم.

تقول دراسة المعهد الأمني، إنه لا يمكن أن تكون الاستجابة لفكرة ربط الإرهاب بالاحتباس الحراري وتغير المناخ في منطقة الساحل كوسيلة لتعبئة المانحين الدوليين أو تسريع أجندة المناخ الدولية، وبالتالي تحفيز الدول على طرح المزيد من برامج التمويل والمنح.

وتوصي الدراسة بالوقوف والتعرف على التحديات المناخية في المنطقة بدقة أكبر من خلال ندرة الموارد الطبيعية وزعزعة استقرار أنظمة الإنتاج، والتي تتسبب في صراعات محلية، في ظل ضعف إدارة الصراعات من قِبَل الأنظمة التقليدية والحكومية على حد سواء.

وتؤكد نتائج البحث على الحاجة إلى نهج متكامل لمكافحة الإرهاب والصراعات المحلية، بما يعكس تعقيد السياقات التي تحدث فيها هذه الظاهرة.

ونتيجة للروابط غير المباشرة بين تغير المناخ وانعدام الأمن، يجب معالجة كلا التحديين بشكل متكامل، من خلال الاهتمام بالعوامل الوسيطة التي تؤدي في نهاية المطاف إلى الإرهاب.

وتضع الدراسة عددا من الحلول، مثل تعزيز إمكانات الإنتاج للاقتصادات الزراعية والرعوية في منطقة الساحل ودمج الحلول التقنية المبتكرة والمرنة للآثار السلبية لتغير المناخ.

ولعل أبرز التحديات أمام الإدارة السياسية في البلدان المتضررة هي تحسين الآليات المحلية والمؤسسية لإدارة الموارد والتوترات المجتمعية، وهو ما يعد ضرورة لتقليص نطاق استغلال الجماعات الإرهابية للثغرات، وجذب السكان المحليين لممارسة الأنشطة الإرهابية من أجل حماية وتأمين عائلاتهم.