بعد أسابيع قليلة من الآن، تُعلن الهيئة الوطنية للانتخابات فتح باب الترشيح لانتخابات مجلس النواب، ودعوة الناخبين للاقتراع في الداخل والخارج، ومعها تُحدد الهيئة الجدول الزمني للانتخاب، الذي يُرجح أنه سيبدأ إجراءاته في أكتوبر، ويمتد لمطلع يناير القادم.

الأسلوب الانتخابي لانتخابات مجلس النواب 2025، معروف، فهو يستند على ذات الأسلوب الشائه الذي جرت على ضوئه انتخابات مجلس الشيوخ منذ أيام، وهو ذاته الأسلوب المسخ الذي جرت على أساسه انتخابات مجلس النواب في 2020، وهو القوائم المطلقة المهجورة عالميا والمحكوم مصريا عدة مرات بعدم دستوريتها، إلى جانب الأسلوب الفردي، وكلا الأسلوبين هما من عائلة النظام الأغلبي، أو ما يحلو للبعض، أن يسميه إعلاميا بنظام 50%+ 1.

حزب الجيل يخوض تجربة جديدة

منذ يومين طالعتنا الأنباء الحزبية، عن أن حزب الجيل الديمقراطي برئاسة ناجي الشهابي، سيقوم مع أحزاب أخرى بإعداد قائمة في القطاعات/ الدوائر الأربع، وهي القاهرة، وجنوب ووسط الدلتا، وشمال ووسط وجنوب الصعيد، وشرق الدلتا، وغرب الدلتا. وستضُم تلك القائمة إجمالا 284 مرشحا أساسيا وآخر احتياطيا. وفي التفاصيل، سيكون هناك قائمتان كبيرتان في القطاعين الأول والثاني بكل منهما 100 اسم أساسي وآخر احتياطي، وقائمتان صغيرتان في القطاعين الثالث والرابع بكل منهما 42 اسما أساسيا وآخر احتياطيا.

الإجراء الذي اتخذه حزب الجيل، يتسم بالأهمية الكبيرة، وبه يجب أن تحذو أحزاب أخرى كثيرة حذوه، كي يُعِد كل منها قوائم على مستوى القطاعات/ الدوائر الأربع، إذ من المهم أن تشارك في الانتخابات العديد والعديد من الأحزاب والمستقلين في تلك الانتخابات في شق القوائم المطلقة. فالأحزاب المصرية اليوم عددها كثير، إذ يبلغ نحو 104 حزبا، والانتخابات هي أحد أهم أعمالها، وبها يُفرقها الناس- بتلك المشاركة الانتخابية- عن مؤسسات المجتمع المدني، التي لا علاقة لها مباشرة بالانتخابات.

المهم، إن “تجربة الجيل” يقابلها اليوم إعلان ما يسمى بتحالف الأحزاب المصرية المؤلف من 42 حزبا، لخوض الانتخابات على الشق الفردي فقط. هذه التجربة التي تثبت فشل هذه الأحزاب، تجعل المواطن نفسه، يُبغِض النظام الحزبي بأسره، خاصة بعدما سيدرك أن قادة “تحالف الأحزاب المصرية” سيركضون غدا نحو “مستقبل وطن”؛ كي يتكرم عليهم بمقعد أو أكثر فيما يسمى بـ”القائمة الوطنية”. بعبارة أخرى، أن من يقود خوض انتخابات التحالف عبر الشق الفردي فقط، هو ذاته من يُساهم في تخريب الانتخابات القادمة، والسير على هوى السلطة وتابعها “مستقبل وطن”.  

دور قوي منتظر للمستقلين في القوائم

وللمستقلون دور جوهري، يجب الاطلاع به في إعداد القوائم، على الرغم من أن تلك القوائم تتسم باتساع حجم الدوائر، ما يجعلها، تبدو صعبة المنال عليهم. المعروف انتخابيا أن بيت وحجر زاوية مشاركة المستقلين هو الدوائر الفردية، لصغر حجمها. لكن ما هو مهم اليوم، وقد يكون خافيا على بعض الأحزاب والمستقلين، هو أنه يتحتم على الأحزاب، وخاصة غير المدللة أو غير المرتبطة بالدولة كمستقبل وطن وحماة الوطن، أن تستعين بالمستقلين في إعداد القوائم المطلقة. المستقلون من خلال شعبيتهم بين العشائر والقبائل في الصعيد، والعائلات الكبيرة في الوجه البحري والمناطق الحضرية، هم ما يمكن أن يُطلق عليهم “عمود الخيمة”، لأنهم هم القادرون وحدهم على جذب الأصوات، والاقتراع على أسس شخصية، ومن ثم، فإن اختيار الأحزاب المؤتلفة لأسماء مستقلين ذات وزن من المحافظات التي تتبع بشكل مباشر القطاعات/ الدوائر الانتخابية الأربع، هو الكفيل بجذب مئات الآلاف من الأصوات المرتبطة بالفصيل أو الأسرة أو القبيلة.

تعدد القوائم مهمة ضرورية للهيئة الوطنية للانتخابات

يكمل كل ماسبق، وحتى يصبح المشهد مقبولا، أن تلعب الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات دورا حيويا في تمرير الاستحقاق الانتخابي، بجعله بالفعل مشهدا تنافسيا بين ثُلة من المرشحين الأقوياء. الهيئة الوطنية تتألف من قضاة بحكم مناصبهم، وهي تقوم بعمل إداري خالص، لا علاقة له مباشرة أو غير مباشرة بالعمل القضائي، لكنها تردد دوما أنها تتصرف بعقلية القاضي النزية والمحايد الذي يعمل بشفافية والوقوف على مسافة واحدة بين المشاركين في العملية الانتخابية، لتؤكد أنها مستقلة، لا تأتمر بأوامر أي سلطة أو جهة أمنية. من هنا يُصبح دور الهيئة كبير، في قبولها لكافة القوائم المتقدمة، دون أن تقف متحجرة الذهن والفكر على إجراء بسيط أو وثيقة أو شهادة لم تقدم، ويمكن أن يلتزم مقدموها بتقديمها، إن تأخرت لساعات أو كشف طبي تأخرت نتيجته، أو خلافه. بعبارة أخرى، لا يجب أن تدير الهيئة مرة أخرى أية انتخابات، تكون علامة أو دلالة على إعمال أسلوب التزكية أو التعيين المقنع، لأسماء انضمت إلى قائمة واحدة فقط، تخوض الانتخابات، هنأ الكثيرون منهم بعضهم البعض لمجرد وضع الاسم في القائمة، وقبل أسابيع من التصويت!!.

أعمال يجب أن تتنزه عنها الهيئة الوطنية

إن أي انتخابات من الأهمية بمكان إلا تُعرف نتائجها قبل التصويت، وإذا عُرفت نتائجها يقينا ودون أي شك، لن تكون انتخابات، بل مهزلة وسخرية من الناخبين، إذ ستكون مجرد عمل تافه لذر الرماد في العيون والإيحاء للمصريين ولبلدان العالم المختلفة، أن هناك انتخابات. من هنا لا يجب أن تكون الهيئة الوطنية للانتخابات مشاركة في تلك النقيصة والخطيئة الكبرى، فتعمل على- بل وتشجع- تعدد القوائم المتنافسة، ويكفيها أنها تدير انتخابات وفق نظام القوائم المطلقة التي تُعبر بكل جدية وصراحة وبالقانون عن تزوير فاضح لإرادة الناخبين، بنقل أصوات 49% منهم للقائمة التي حصلت على 50%+ 1؛ كي تستولي ظلما وعدوانا وسرقة على كافة المقاعد المخصصة لشق القوائم. وبذات قدر سعيها لتعدد القوائم المتنافسة، يجب على الهيئة أن تبذل مزيدا من الجهد في أعمال الفرز، كي تُحصي وتُعلن عن كافة الأصوات الصحيحة والباطلة والتي حصل عليها المتنافسون على مستوى اللجان الفرعية، وليس فقط اللجان العامة ذات النتائج المضللة والمجمعةـ، وهو ما فعلته الهيئة بكفاءة في انتخابات النواب والشيوخ 2020، ولم تفعله-درءًا للشبهات- في انتخابات الشيوخ الأخيرة ومن قبلها انتخابات الرئاسة 2024.    

إلى متى تستجدي الأحزاب حزب مستقبل وطن

سيئ جدا أن تنتظر الأحزاب السياسية المتوسطة أو الصغيرة أي حزب كبير لتنال رضاه، فيمنحها مقعدا أو أكثر في القائمة الواحدة. إلى متى تجثو الأحزاب خلف “مستقبل وطن”، وهذا الأخير يجثو خلف من أسسه وضَمِن بقاءه، لكن تنال فُتات المقاعد بلا أدنى كرامة أو شرف، لماذا تقبل أن تلعق حذاء الآخرين؟ وتأبى أن تعمل رافعة الهامة، حتى لو كُتب لها هذه المرة الفشل. مهم أن تخوض تلك الأحزاب التجربة، وإذا فشلت تلك المرة، فلربما تنجح في المرة التالية التي تأمل الغالبية، أن تكون بقوائم نسبية، حيث الشفافية والحياد الكامل دون نهب لمقاعد غايته التحكم في عضوية برلمان، ما فتئ لعقود مضت، أن يوصف بأنه برلمان تمريري. هناك الكثير من الأحزاب كالعدل أو المصري الديمقراطي الاجتماعي أو الوفد أو التجمع أو الإصلاح والتنمية أو النور أو الجبهة الوطنية، تقول إنها لها شعبية كبيرة في الدوائر، إن كانت تلك الأحزاب بالفعل صادقة، فعليها أن تخوض تجربة حزب الجيل، سواء معه أو منافسة له ولمستقبل وطن.

منافسو الفردي مهمون لإنجاح ذواتهم ودعم قوائمهم

هنا فقط من الممكن، أن تقوم للأحزاب المصرية قائمة، بدلا من أن تقف على باب هذا الحزب أو ذاك تستجدي وضع مرشحيها معه… وكما قال شاعرنا أحمد شوقي: “ما نيل المطالب بالتمني، لكن تؤخذ الدنيا غلابا”. وبطبيعة الحال، هذا لا يجب أن يحول دون قيام هؤلاء المنافسين الجدد بالنزول بقوة في المقاعد الفردية أيضا، لحث الناس على التصويت لهم، والتصويت للقوائم المنافسة لمستقبل وطن. لذلك فهذه الترشيحات من الممكن، أن تكون مساعدا مهما للقوائم، ناهيك عن أن صغر حجم الدائرة الفردية يعطي للمرشحين المستقلين والحزبيين الداعمين للقوائم المتنافسة الفرصة للفوز.