يمثل نشر مصر قوات عسكرية في الصومال، تعزيزا لاستراتيجيتها في مكافحة مصادر التهديد الماثلة والمحتملة بانتهاج وسائل تناسب خطورة ما يلوح من آفاق قد تشي بالوصول للنقاط الحرجة. ترتكن ملامح هذه الاستراتيجية، على تطويق وحصار منابع التهديد التي تلوح بها إثيوبيا، الدولة الحبيسة بريا في منطقة القرن الإفريقي، وهو ما يعد تحولا نوعيا يُظهر اتجاه القاهرة إلى أدوات الردع والضغط العسكرية بعد فترة ممتدة من محاولات الضغط الدبلوماسي.

منذ اندلاع أزمة سد النهضة عام 2011، خاضت القاهرة وأديس أبابا جولات متقطعة من المفاوضات، دون الوصول إلى اتفاق نهائي، يضمن لمصر حقوقها التاريخية مع السودان في مياه النيل.

وبدا مؤخرا، أن القاهرة التي تمسكت بالدبلوماسية لسنوات، اتجهت لتوسيع وجودها العسكري والإقليمي، عبر تعزيز علاقاتها مع الصومال، وإرسال قوات لها لهذا البلد ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار هناك.

رسالة ضغط في ملف سد النهضة

لم يعد الصراع قاصرا على ملف السد، بعدما تجاوزه ليشمل الوجود العسكري والتحالفات الإقليمية، في خطوة تصفها القاهرة، بأنها دعم للاستقرار الصومالي، بينما تراها إثيوبيا محاولة لتطويقها وتهديدا مباشرا لأمنها القومي.

لكن الطابع القومي في مصر وإثيوبيا، للجدل حول مياه النيل، يجعل أي تنازل سياسي مكلفًا داخليا، ما قد يدفعهما إلى مواقف صارمة، ما يطرح سؤالًا جوهريا: هل تتحول الأزمة إلى مواجهة عسكرية، أم أن التفاوض يبقى السيناريو الأرجح تحت وساطة دولية؟.

من دون إعلان رسمي من القاهرة، أعلنت وزارة الدفاع الصومالية انتهاء أول برنامج تدريب من جانب وحدات من الجيش المصري، التي ستنضم قريبًا إلى قوات البعثة الإفريقية، واعتبرت أن هذه الخطوة تؤكد التزام مصر القوي بدعم أمن الصومال وتعزيز قدرات الجيش الصومالي.

لكن مركز القاهرة الدولي لحفظ السلام، أعلن أن اختتام أول تدريب من نوعه قبل الانتشار للقوات المصرية المشاركة في المهمة الجديدة، تم بالشراكة مع وزارة الدفاع المصرية وحكومة اليابان.

ومن المقرر أن ترسل مصر بضع مئات من جنودها في المرحلة الأولى، من اتفاقها مع الصومال لنشر 10 آلاف جندي، نصفهم على الأقل ضمن القوات الإفريقية لحفظ السلام، مقارنةً بنحو 10 آلاف جندي إثيوبي موجودين بالفعل.

وتعبيرا عن قلق إثيوبيا، قال سفيرها في الصومال، سليمان ديديفو، إن بلاده “لا تشعر بالتهديد ولا بالارتياح” إزاء وجود القوات المصرية في الصومال.

وبينما أقرّ بوجود حالة من القلق، شدد على أن أديس أبابا لا تعتبر الوجود المصري تهديدًا مباشرًا، “ما دام أنهم لا يحاولون تحدي قواتنا”، وقال لوسائل إعلام صومالية: “إذا كان المصريون سيقدمون أي فائدة، فسيكون ذلك في دول مجاورة مثل فلسطين، أو ليبيا أو السودان”.

وبعد يوم واحد فقط من هذه التصريحات، بحث جبريل حاجي نائب رئيس الوزراء الصومالي، مع سليمان “سبل تعزيز التعاون والعلاقات بين البلدين”، وفقا لبيان حكومي.

لكن بدا واضحا، وفقا لمصدر صومالي مطلع، أن الاجتماع محاولة لضبط نبرة التوتّر الإثيوبية، وتأكيد “عدم التهديد” مع إبقاء التحفّظات الصومالية.

وسجل علي عبدي سفير الصومال لدى مصر، ترحيبه بانضمام القوات المصرية إلى البعثة الإفريقية، كخطوة تعكس ما وصفه بالتزام مصر الكبير تجاه دعم الصومال، وتنفيذا لاتفاق الدفاع المشترك الذي تم توقيعه مؤخرا، معربا عن ثقته في أن هذه القوات ستمثل إضافة نوعية لقوات حفظ السلام في الصومال.

ومع ذلك، تواجه المقاربة المصرية في الصومال تحديات معقدة، تتمثل في تهديدات حركة الشباب، وهشاشة الداخل الصومالي، والتدخل الإثيوبي المناهض للتقارب بين القاهرة ومقديشو.

عودة بعد ثلاثة عقود

فالصومال اليوم مختلف تماما بعد ثلاثة عقود تقريبًا من انسحاب القوات المصرية التى تواجدت هناك عبر بعثة الأمم المتحدة، عام 1993 بقوة قوامها نحو 1,680 جنديا بين كتائب مشاة ميكانيكية وعناصر دعم، أوكلت إليها مهمة حماية مطار مقديشو وتدريب الشرطة الصومالية، قبل أن تُنهي مهمتها، وتنسحب بشكل منظم في فبراير 1995.

تاريخيا، تعد مصر من أكبر عشر دول مساهمة في قوات حفظ السلام الأممية، حيث شاركت منذ 1960 بأكثر من 30 ألف فرد في 37 بعثة، وتساهم حاليًا بنحو 3000 عنصر، لتكون الأولى عربيًا والثالثة فرانكفونيًا، وقدمت 28 شهيدًا في سبيل هذا الدور.

اليوم تعود مصر إلى الساحة الصومالية مجددا، من بوابة البعثة الإفريقية، استئنافًا لدور قديم، لكنه يأتي هذه المرة في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، يتجاوز البعد الأمني ليشمل حسابات استراتيجية متصلة بملف مياه النيل والقرن الإفريقي.

تأمل إثيوبيا، بحسب مصادر إقليمية، في تفادي أي مواجهة مع القوات المصرية الوافدة، مع تسجيل عدم ارتياحها  لأي تجاوز أو تعرّض لقواتها وعملياتها.

ولم تخف إثيوبيا في السابق، قلقها المتزايد بشأن تواجد مصر عسكريا في الصومال، محذّرة من أن هذه الخطوة قد تُزعزع الاستقرار الإقليمي، وتزيد التوتر القائم بالفعل بين أديس أبابا والقاهرة.

وقال برهانو جولا، رئيس أركان الجيش الإثيوبي، أمام البرلمان: «التهديد» الناجم عن الوجود المصري “حقيقي”، إذ إنه “يثير مخاوف جدية على استقرار إثيوبيا”، مشيرًا إلى الاتفاقية العسكرية الأخيرة بين القاهرة ومقديشو، تشمل أيضًا نشرًا ثنائيا ونقل أسلحة.

لذا، يمكن تفهم تمسك إثيوبيا، بأن الصومال يمثل عمقًا استراتيجيا حيويا، بتواجدها عسكريا أيضا لضمان استمرار نفوذها وتفوقها الإقليمي، ومنع خصومها من استغلال الساحة الصومالية ضدها.

في المقابل، تستهدف مشاركة مصر في القرن الإفريقي ومنابع النيل، تحصين جبهتها الجنوبية، عبر تعزيز الاستقرار للحد من مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية التي تهدد أمنها القومي.

وخلال العام الماضي، سلّمت مصر أول مساعدات عسكرية إلى الصومال، منذ أكثر من أربعة عقود، حيث هبطت طائرتان عسكريتان مصريتان في مطار مقديشو محملتين بالأسلحة والذخيرة، ردا على اتفاق مثير للجدل بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال الانفصالي، لاستئجار أراضٍ ساحلية مقابل احتمال الاعتراف باستقلاله عن الصومال.

وسبق للصومال، أن هدّد بطرد القوات الإثيوبية الموجودة على أراضيه، ضمن بعثة حفظ السلام وبموجب اتفاقات ثنائية لمحاربة حركة الشباب، لكن وساطة تركية عاجلة ساهمت في خفض حدة التوتر، وإبقاء القوات الإثيوبية في مواقعها.

حسابات أديس أبابا: السد كأداة قومية

خلصت وسائل إعلام إثيوبية، إلى اعتبار أن مصر تفرض حصارًا فعليا على إثيوبيا، عبر استراتيجية اقليمية نشطة؛ تهدف إلى تقليص الخيارات الإثيوبية، بتحالفات قوية مع دول الجوار الجغرافي لإثيوبيا؛ لمواجهة توسّعها السياسي والعسكري، فيما يتعلق بسد النهضة والوصول إلى البحر الأحمر.

وفقا لهذه الرؤية، تمد مصر نفوذها العسكري، في دول تحكمها علاقات توتر أو انقطاع مع إثيوبيا، في حصار سياسي واستراتيجي غير عسكري.

في المقابل، يعتقد البعض، أن سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري دائم؛ يهدف إلى تعزيز شعبية آبي أحمد داخليا، وتمكينه من مواجهة التحديات السياسية والأمنية وسط الاضطرابات الداخلية.

وأثار إصرار أحمد على استعادة منفذ على البحر، كمسألة وجودية، القلقَ في جميع أنحاء شرق إفريقيا وخارجها.

وبينما يستبعد كثير من المحللين، سيناريو الحرب، باعتبار أنه سيعزل مصر، يعتقد آخرون، أن الصومال قد يتحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين مصر وإثيوبيا، حيث توظف القاهرة وجودها العسكري؛ للضغط في ملف سد النهضة، فيما تعتبره أديس أبابا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

ومن المؤكد، أن هشاشة الاستقرار الداخلي في إثيوبيا، تجعلها أكثر حساسية لملف سد النهضة، إذ قد تلجأ حكومة آبي أحمد للتشدد في المفاوضات مع مصر لتوظيف السد كـ”مشروع قومي لتوحيد الداخل المفكك”.

لكن تزايد التوترات والحديث عن خطر اشتباكات عسكرية مباشرة أو بالوكالة، يتعارض مع مراهنة معظم الدراسات المتعلقة بحروب المياه، على أن التفاوض يظل هو المسار الغالب، بالنظر الى أن النزاعات المائية تميل للتفاوض والتعاون، وليس الحرب، ما يخفّض احتمال حرب شاملة..

الاحتمال الأكبر أن البلدين سيحلان خلافاتهما حول النيل، دون اللجوء للقوة، مع استمرار الدبلوماسية المائية.

تفاوض أم مواجهة؟

من الناحية العسكرية، استهداف مباشر للسد غير عملي وصعب التنفيذ، إذ ينظر إلى أي هجوم مصري مباشر على السد كأمر غير واقعي منذ مدة، وقد يعزز شعبية آبي أحمد رئيس الحكومة الأثيوبية داخليا.

ومع أن ثمة اعتبارات عسكرية ولوجستية وسياسية، تجعل الضربة العسكرية المباشرة، خيارًا ضعيف الاحتمال عمليا، فان مصر تبقيه على الطاولة جانبا، لكنها لا تستبعده بالمطلق، إذ ينظر إلى الأمن المائي كقضية قومية، لا تحتمل التنازل، ما يجعل الوجود العسكري في الصومال مقبولًا شعبيا.

أما في إثيوبيا، فإن الضغوط الداخلية (حروب عرقية وأزمات اقتصادية) تجعل آبي أحمد أكثر حساسية وتشددًا، حيث يسعى لتوظيف السد للبقاء في السلطة.

وبينما تراهن مصر على الضغط الإقليمي والتحالفات، بالإضافة للتهديد غير المباشر بالقدرات العسكرية، يبقى خيار الحرب الشاملة محدودا، تماما كقدرة التفاوض في هكذا ظروف، لتجنب انفجار إقليمي، يهدد استقرار القرن الإفريقي بأكمله.

هنا تحديدا، يبرز رهان الطرفين على الوساطة الأمريكية، التي تدخلت سابقا لتقريب وجهات النظر، وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مباشرة.