يمثل تصاعد الانفتاح التركي على شرق ليبيا، نقلة نوعية في موازين القوى الإقليمية بالنسبة لمصر واليونان، المنشغلتين بما سيترتب على ترسيم الحدود البحرية الليبية التركية وقبول الأطراف المحلية لها، بعد عداء استمر لسنوات.
إذ عكس الاجتماع النادر الذي عقده إبراهيم كالن رئيس الاستخبارات التركية مع المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني مؤخرا في بنغازى بشرق ليبيا، تحولًا في نهج تركيا نحو الانخراط مع جميع الأطراف الليبية، بما في ذلك قوى الشرق التي كانت تقليديًا بعيدة عن دائرة نفوذها، وعبر عن استعداد أنقرة للتعامل مع حفتر كفاعل شرعي، بعدما كان الأمر كله مستبعدًا قبل سنوات..

وجاء اللقاء تتويجا لوتيرة تقدم تشهده علاقات أنقرة مع بنغازي، خاصة بعد زيارة الطراد البحري التركي “تي سي جي قناليادا” لميناء بنغازي، وعقد محادثات عسكرية، حضرها الفريق صدام نجل حفتر، ونائبه ورئيس القوات البرية.
في الذكرى السادسة لهجوم قوات حفتر على طرابلس في 2019، الذي أفشلته تركيا بدعمها لحكومة الوفاق السابقة، قام نجل حفتر بزيارة رسمية لتركيا، ما يشير إلى تحول برجماتي في سياسة تركيا وتعزيز النفوذ، مع الحفاظ على مصالحها مع حكومة طرابلس.
وعبر مراسم رفيعة المستوى في مقر القوات البرية التركية بأنقرة، حل نجل حفتر، تمهيدا على ما يبدو لزيارة متوقعة، قد يقوم بها حفتر نفسه إلى تركيا لاحقا، معلنا نهاية حقبة عدائه لها.
حفتر الذي رفض في الماضي الغزو العسكري التركي لليبيا، ورفع شعار “لن ندفع الميري”، في إشارة إلى الجزية أو الضرائب التي كانت تفرضها تركيا، تاريخيًا على ليبيا، بدأ الآن في مناقشة تعزيز التعاون العسكري وشراء معدات عسكرية.
انعكس التقارب الذي بدأ بين مصر وتركيا في مايو 2023، بدعم من وسطاء إقليميين مثل السعودية والإمارات وقطر، والولايات المتحدة، على تخفيف الصراع الإقليمي في ليبيا.
بموجب التفاهمات التي جرت بين القاهرة وأنقرة، تبادل الطرفان مساعي التواصل بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة في ليبيا، ما سمح للقاهرة بالانفتاح على حكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من العاصمة الليبية طرابلس مقرا لها، مقابل انفتاح تركيا على ثلاثي الشرق الليبي، حيث حفتر قائد الجيش المتمركز هناك، ومجلس النواب الداعم لحكومة الاستقرار الموازية، غير المعترف بها دوليا، برئاسة أسامة حماد.
تبادل النفوذ
تم تبادل المواقع بين مصر وتركيا، لكن الأخيرة وبمعطيات التطورات الأخيرة، يمكن القول، إنها كانت الأكثر استفادة مقارنة بمصر.
فبينما لا زالت العلاقات بين القاهرة وحكومة طرابلس تراوح مكانها، دون تنفيذ اتفاقيات ثنائية بالجملة، نجحت تركيا في تمديد نفوذها في بنغازي، عبر زيارات متبادلة مع أطرافها، على نحو دفع حفتر والبرلمان وحكومة حماد لتغيير مواقفهم المعترضة على اتفاقية مثيرة للجدل، أبرمتها تركيا مع الدبيبة لترسيم الحدود البحرية.

وهكذا غيرت بعض الأطراف التي كانت تعارض بشدة في السابق موقفها، بافتراض أن المكاسب الاقتصادية المحتملة قد تفوق التفاهمات السياسية السابقة.
مؤخرا، برزت محاولة جديدة من اليونان لكسر الجمود في ملف ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، عبر استئناف حوار فني، رُبَّما يؤدي إلى إعادة النظر في الخلافات البحرية القديمة، في ظل تعقيدات جيو سياسية متعاظمة وتداخل مصالح تركية وليبية.
وجهت اليونان دعوة مفتوحة لليبيا، لاستئناف محادثات ترسيم الحدود البحرية المتوقفة منذ 2010، حيث سيعقد أول اجتماع للجنة فنية مشتركة بحلول أكتوبر المقبل.
ملف ترسيم الحدود البحرية
وتعود الخلافات الليبية اليونانية حول ترسيم الحدود البحرية إلى العام 2004، عندما بدأت مفاوضات البلدين لترسيم الحدود، والتي فشلت بعد اكتشاف احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي جنوب جزيرة كريت.
وتعمقت الخلافات، بعد أن وقع الدبيبة اتفاقيات جديدة مع تركيا، تسمح لها بالتنقيب عن النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط، واجهت رفضًا واسعًا من مصر واليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، باعتبارها مخالفة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتعديًا على مطالبات مشروعة لدول الجوار.
في 12 يونيو الماضي، أعلنت السلطات اليونانية في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي عن إطلاق مناقصة دولية لاستكشاف واستغلال النفط والغاز في مناطق بحرية متنازع عليها، تقع جنوب وجنوب غربي جزيرة كريت، على أن تُستكمل الترتيبات والمصادقة البرلمانية قبل نهاية العام.
المناقصة تشمل منطقتي 1 و2 جنوب كريت، وهي مناطق خاضعة لاختصاص اليونان، استنادًا لقوانينها الخاصة بهيدروكربونات البحر المتوسط.
استدعت هذه التطورات قلق طرابلس، التي اعتبرت بعض المناطق المتضمّنة، تقع ضمن مناطق بحرية محل نزاع، كما طالبت فى احتجاجً رسمي إلى الأمم المتحدة، بحماية الاستقرار في شرق المتوسط.
واستدعت حكومة أسامة حماد، القنصل اليوناني، وأبلغته احتجاجًا رسميًا على هذه الخطط، مؤكدة رفضها لأي إجراءات أحادية.
ورفضت اليونان، عبر مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، هذه الادعاءات، وشدّدت على أن هذه القطع البحرية، وفقاً لقانون البحار، تقع ضمن الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان، وبالتالي، فهي تخضع للولاية القضائية اليونانية، كما أوضحت أن ترسيمها تم بناءً على خط الوسط بين اليونان وليبيا، بما يتسق مع اتفاق ترسيم جزئي للمنطقة الاقتصادية الخالصة بين اليونان ومصر.
تغير التحالفات
ورغم أن مجلس النواب عارض مذكرة التفاهم المتعلقة بترسيم الحدود البحرية مع تركيا، قبل خمس سنوات، واعتبرها خرقًا للاتفاقيات الليبية الأساسية لجهة غياب التفويض التشريعي، فقد كسر المجلس الحاجز النفسي، بإعلانه مؤخرا أنه بصدد تمرير هذه الاتفاقية.
شهد ملف ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا تحوّلاً لافتًا في الأشهر الأخيرة، وتبدل المشهد هذا الصيف، بعدما أبرمت مؤسسة النفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية؛ لإجراء مسوحات جيولوجية وفيزيوجرافية في أربع مناطق بحرية ليبية، في تحول عملي يعكس تقاربًا اقتصاديًا مع أنقرة، وفر بالتالي غطاءً لإعادة فتح النقاش البرلماني حول الاتفاق البحري.
تبرز الضغوط الاقتصادية، والحاجة الملحة لزيادة الإيرادات من موارد الطاقة البحرية، بعد سنوات من التعثر، في مقدمة أسباب هذا التحول، بالإضافة إلى رغبة شرق ليبيا في استخدام التقارب مع تركيا كورقة لتعزيز موقعها في التوازنات الداخلية أمام طرابلس.
في المقابل، تكرس أنقرة نفوذها في شرق المتوسط عبر الجمع بين المتناقضات لتقليص هامش الاعتراضات الإقليمية.
يضع هذا التطور، مصر واليونان أمام مواجهة تمدد النفوذ التركي في ليبيا، بالتزامن مع زخم محادثات الترسيم المتعثرة مع طرابلس وبنغازي.
وبينما تستثمر أنقرة الانقسام الليبي لتثبيت موقعها، يستخدم حفتر والبرلمان ورقة التقارب معها لانتزاع مكاسب اقتصادية وسياسية في مواجهة حكومة طرابلس.
تركيا التي تخوض بالفعل نزاعاً مع اليونان وقبرص بشأن استغلال احتياطيات النفط والغاز جنوب قبرص، خاضت في السابق في حقبة الإمبراطورية العثمانية نزاعات قرون طويلة حول السيطرة الإقليمية في المنطقة، كان آخرها تقسيم قبرص عام 1974، والخلاف المستمر حول الجزر والمناطق البحرية في بحر إيجه.
وهكذا، ساهمت البرجماتية الاقتصادية مع استمرار الانقسام وغياب موارد كافية، في دفع حفتر وحلفائه للبحث عن شركاء جدد في مجال الطاقة والاستثمار، بعد فشل مشروعه للسيطرة الكاملة على طرابلس عام 2020، إذ أعاد حفتر وشركاؤه حساباتهم، مقابل ثبات النفوذ التركي في الغرب، حيث بدا خيار “الانفتاح” وسيلة لتقليل الخسائر.
تبدو مصر هنا، وفي تلك اللحظة، كضابط إيقاع، فباعتبارها الحليف الأقرب لحفتر والشرق، تراهن على تحالفها الاستراتيجي مع اليونان وقبرص في مواجهة الاتفاقية التركية– الليبية، ومخاوفها من أن تؤدي المقاطعة الكاملة لتركيا في ليبيا إلى خسارة النفوذ.
وبهدف تجنب العزلة الإقليمية وضمان استغلال الموارد دون تصعيد كبير، سمحت القاهرة بهامش من الانفتاح بين الشرق الليبي وأنقرة، وحافظت على تنسيق قوي مع أثينا في ملف ترسيم الحدود البحرية، واستخدمته كوزن مضاد لأي تقارب تركي– ليبي.






