مع الاعتذار للكاتب الكبير خالد محمد خالد صاحب هذا العنوان، الكتاب صدر في الخمسينيات من القرن الماضي.. وأما الطوفان، فهو ما لا نتمناه، فلطوفان مصر آثار تدميرية لا تُحْمَد عواقبها… وأما اسم الإشارة (هذا)، فهو موضوعنا، وهو تصور لحل مشكلتنا الاقتصادية الطاحنة..
وقد دفعني إلى كتابة هذا المقال، تصريح الدكتور محمود محيي الدين النائب الأول لرئيس البنك الدولي والمبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل خطة عام 2030 للتنمية المستدامة، والمدير التنفيذي السابق بصندوق النقد الدولي 2020 – 2024، ووزير الاستثمار الأسبق، قائلًا “إنه قد حان الوقت للابتعاد عن نصائح صندوق النقد الدولي” . بل إنه ذكر، أنه”قد حان الوقت لنتمرد على هذه السياسات، ونتبنى نهجًا مختلفًا تمامًا، عما كان عليه الوضع”.
ورغم أنه ذكر “أن النمو الاقتصادي قد توقف تماما خلال العشر سنوات الماضية، منذ بدء تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي عام 2016″، إلا أنه أعطى العذر لتطبيقه من أجل معالجة اختلالات مالية ونقدية، فيما كان هذا البرنامج نفسه، هو السبب في توقف نمو الاقتصاد القومي في حقيقة الأمر، فقد تسبب في ارتفاع تكلفة الاستثمار وتكاليف المعيشة على نحو غير مسبوق.
وفي الحقيقة، ليست هذه هي المرة الأولى، التي تلجأ الحكومة المصرية إلى برنامج صندوق النقد الدولي. فبسبب اتباع مصر عام 1974، ما أُطلِق عليه “سياسة الانفتاح الاقتصادي”، كما خطط له هنري كيسنجر في أول لقاء له مع الرئيس أنور السادات في 7 نوفمبر عام 1973 لفك الاشتباك، تبعته زيارة لروبرت ماكنمارا مدير البنك الدولي، تلتها زيارة لبعثة صندوق النقد الدولي في يناير وفبراير عام 1974، تبعها إقرار مجلس الشعب لقانون استثمار رأس المال العربي والأجنبي في مايو 1974. وهي سياسة لم تكن تعني في حقيقة الأمر سوى فتح الباب للواردات بلا ضوابط، مع إدخال نحو 2000 وكالة تجارية، مما أدى إلى توسع غير مسبوق في الواردات، وعجز كبير في الميزان التجاري، والسقوط في فخ الدين.
وفي عام 1976، كانت متأخرات الدين قد تزايدت، فاضطر الدكتور عبد المنعم القيسوني وزير الاقتصاد للذهاب لأول مرة إلى صندوق النقد الدولي؛ طلبًا للمساعدة، فقدم له الصندوق بدوره عددًا من النصائح، على رأسها تخفيض الدعم ورفع الأسعار، وهي سياسات جديدة للصندوق، شرع في تطبيقها على دول العالم الثالث، (وهي تختلف تمامًا عن السياسات السابقة القائمة على تثبيت سعر الصرف عام 1944، التي نشأ من أجلها لمساعدة أوروبا واليابان)، فانفجرت الجماهير المصرية في انتفاضة 18 و19 يناير 1977 في جميع أنحاء البلاد، مما أدى لتراجع الحكومة عن تطبيقها.
في عام 1989 صاغ الاقتصادي الأمريكي جون ويليامسون مصطلح إجماع واشنطن (Washington Consensus) ، وهو مجموعة من السياسات الاقتصادية الليبرالية ، التي وُضعت في أواخر الثمانينيات، واعتُبرت وصفة معيارية للإصلاح الاقتصادي في الدول النامية ، خاصة تلك التي كانت تمر بأزمات ديون أو تسعى للحصول على قروض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي ، لوصف السياسات التي كانت تُفضّلها المؤسسات الاقتصادية الدولية الكبرى، ومقرها في واشنطن ، وهي: صندوق النقد الدولي – البنك الدولي – وزارة الخزانة الأمريكية .
وتتضمن هذه السياسات: ضبط العجز في الموازنة العامة- التخلص من دعم الغذاء والطاقة- توسيع القاعدة الضريبية- تحرير أسعار الفائدة، وليست خاضعة للدولة- سعر صرف تنافسي لتشجيع الصادرات والحد من الواردات- تحرير التجارة وخفض التعريفات الجمركية وفتح الأسواق- تحرير تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر- الخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام للقطاع الخاص- إلغاء القيود على الأعمال وتقليل البيروقراطية والقوانين التي تعوق الاستثمار- ضمان حقوق الملكية الخاصة لتشجيع المستثمرين.
وبنهاية الثمانينيات، أصبحت مصر غارقة في أزمة ديون خارجية خانقة، فاضطرت الحكومة عام 1987 للذهاب إلى نادي باريس واللجوء لصندوق النقد الدولي، لإعادة جدولة ديونها. فتم إخضاعها لبرنامج “إصلاح اقتصادي وهيكلي” عام 1991، بإشراف صندوق النقد والبنك الدولي، وفق “إجماع واشنطن”.
فتم بيع المئات من شركات القطاع العام، للقطاع الخاص المحلي أو الأجنبي، مثل شركات الغزل والنسيج، الأسمنت، النقل، الكيماويات. وتم ذلك غالبًا بأسعار زهيدة، مع غياب للرقابة الشعبية، وتم تسريح عشرات الآلاف من العمال. وبذلك تمت تصفية الطبقة العاملة، وتركيز الثروة في يد فئة قليلة، وفقدان الدولة السيطرة على قطاعات استراتيجية. كما بدأ تقليص دعم السلع الأساسية (الخبز، الوقود، الكهرباء تدريجيًا) ، فتضاعفت أسعار الوقود والكهرباء مع الوقت، خاصة بعد عام 2014، ومن ثم تأثرت الطبقات المتوسطة والفقيرة بشدة؛ بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة، وزادت نسب الفقر.
في عام 2016، ومقابل قرض جديد من صندوق النقد الدولي، تم التعويم الكامل للجنيه، ورفع الدعم عن الطاقة، فتضاعفت الأسعار وانخفضت القوة الشرائية، وزادت الديون الخارجية، ودخول الأموال قصيرة الأجل (الأموال الساخنة)، التي لا تخلق وظائف مستدامة، وتقييد دور الدولة وانسحابها من كثير من القطاعات الخدمية والإنتاجية، كما تم تقليص التعيينات في الحكومة والقطاع العام، وتراجع التعليم والصحة والخدمات العامة.
كل هذا أدى إلى عدم قدرة الدولة على السيطرة على الأسعار، أو دعم الفقراء بشكل فعال. فوصل مؤشر نسبة الفقر من أقل من 25% قبل 1991، إلى أكثر من 30% ما بعد 1991 (وفق الإحصاءات الرسمية)، والدين الخارجي من حوالي 30 مليار دولار عام 2011، إلى أكثر من 160 مليار دولار في 2024، وتراجعت الصناعة المحلية لصالح الاستيراد، وتزايدت البطالة خاصة بين الشباب والخريجين.
لقد شهد الاقتصاد المصري خلال العقود الأخيرة تحولًا تدريجيًا نحو السياسات النيو ليبرالية، التي انطلقت من “إجماع واشنطن“، ما أدى إلى تقليص دور الدولة في الإنتاج والخدمات، وفتح السوق أمام القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية دون ضوابط كافية. ورغم بعض مؤشرات النمو، إلا أنها لم تُترجم هذه السياسات إلى تنمية مستدامة أو عدالة اجتماعية، بل أدت إلى اتساع الفجوة الطبقية، وضعف القاعدة الإنتاجية، وزيادة التبعية المالية.
الخلاصة، أدت سياسات (إجماع واشنطن) في مصر، إلى تحقيق بعض الاستقرار المالي والنقدي، لكنها أضعفت البنية الإنتاجية، إن لم تكن قضت عليها، وزادت الفقر والتفاوت الاجتماعي. أصبحت مصر أكثر تبعية للدين الخارجي، والأسواق العالمية، ورأس المال المالي الدولي.
المقارنة بين سياسات إجماع واشنطن، وسياسات النموذج الصيني (أي رأسمالية الدولة)، لم تعد إيديولوجية أو سياسية، بل علمية وعملية. وتوضح طريقين مختلفين تمامًا في التعامل مع الاقتصاد، والدولة، والأسواق.
كانت السمات الرئيسية لإجماع واشنطن (الرأسمالية الليبرالية المالية): تقليص دور الدولة في الاقتصاد- الاعتماد على الأسواق الحرة و”قوى السوق”- الخصخصة الكاملة للمؤسسات العامة- جذب رأس المال الأجنبي بأي ثمن- تحرير التجارة والعملة والخدمات- تقشف مالي وتقليص الدعم الاجتماعي. والهدف المعلن: زيادة الكفاءة والنمو من خلال تقليل تدخل الدولة، والنتائج في دول مثل مصر، الأرجنتين، البرازيل (سابقًا)، فقر، تهميش اجتماعي، اعتماد على الخارج، أزمات مالية متكررة.
وهذا ينبغي أن يدفعنا إلى النظر في النموذج الصيني (رأسمالية الدولة/ اقتصاد السوق الموجه)، سماته الرئيسية: دولة مركزية وموجهة للاقتصاد- السماح بالقطاع الخاص، ولكن تحت رقابة صارمة- الشركات الكبرى (البنوك، الطاقة، النقل، التكنولوجيا) مملوكة للدولة أو تابعة لها- الاستثمار الأجنبي مرغوب فيه، ولكن بشروط صارمة (نقل تكنولوجيا، شراكات محلية)- التخطيط الاقتصادي بعيد المدى (خطط خمسية)- دعم قوي للتعلي ، والبنية التحتية، والصناعات الاستراتيجية. الهدف الأساسي: السيطرة على التنمية الوطنية وتوجيهها لصالح الدولة والشعب. والنتائج في الصين (منذ 1980): نمو سنوي مرتفع ومتواصل- انخفاض الفقر من 80% إلى أقل من 1%- احتفاظ الدولة بالسيادة الاقتصادية الكاملة. تكوين طبقة وسطى واسعة- مع قوة تصديرية ضخمة.
وكثير من الدول (مثل: فيتنام، الهند، إثيوبيا سابقًا، وماليزيا بدرجة ما)، بدأت تقترب من النموذج الصيني بعيدًا عن الليبرالية المطلقة. فالنموذج الفيتنامي: بعد تجربة اشتراكية صارمة وفاشلة، أطلقت القيادة الشيوعية إصلاحات تحت شعار “Đổi Mới” (التجديد) عام 1986، قررت التحول إلى اقتصاد السوق الموجه- أي سوق حر، لكن تحت قيادة الحزب والدولة.
ملامح النموذج الفيتنامي: لم تتخل الدولة عن دورها، بل احتفظت بالملكية في القطاعات الاستراتيجية (الاتصالات، الطاقة، النقل)- الاستثمار الأجنبي جذب مباشر للاستثمارات الصناعية، خاصة من اليابان، كوريا، الصين، عبر المناطق الصناعية- التركيز على العمالة والتصنيع في الصناعات كثيفة العمالة (ملابس، إلكترونيات)- وتوفير عمالة رخيصة ومنضبطة- السيادة الاقتصادية، الحزب يخطط للقطاعات الكبرى، الموازنة بين الاستثمار الأجنبي والمصلحة الوطنية- في التعليم والصحة الدولة، حافظت على سيطرتها على الخدمات الاجتماعية الأساسية. والنتائج: متوسط نمو 6- 7% سنويًا منذ التسعينات- انخفاض الفقر من أكثر من 60% إلى أقل من 10%، صعود سريع كمركز صناعي عالمي، مع الحفاظ على الاستقرار السياسي. أما التحديات فكانت: عدم تكافؤ التنمية بين المدن والريف- ضعف الحريات السياسية- اعتماد كبير على السوق الأمريكي والأوروبي في التصدير. كل هذا يجعله النموذج الأنسب لمصر، ولدعوة الدكتور محمود محي الدين، للتمرد على الصندوق وسياساته.
الخلاصة، إجماع واشنطن يعطي القيادة للأسواق ورأس المال المالي، ويضع الدولة في موقع المراقب- بينما النموذج الصيني يُبقي الدولة في موقع القائد والموجه، ويستخدم السوق كأداة وليس كغاية.
والسؤال… ما إمكانية تبني نموذج “رأسمالية الدولة” في مصر؟ هل يمكن لمصر تبني نموذج رأسمالية الدولة؟.. وما هي الشروط والتحديات ؟… هو: “نموذج اقتصاد مختلط”: دولة قوية تقود التنمية+ قطاع خاص وطني منتج+ انفتاح خارجي منضبط”. تحقق تحرر نسبي من شروط المؤسسات المالية الدولية، وإعادة بناء الدور الاقتصادي للدولة على أساس إنتاجي وتنموي- لا ريعي أو أمني- مع إصلاح إداري وإصلاح مؤسسي جذري يضمن الكفاءة والشفافية؟
الأسباب التي تجعل تبني نموذج “رأسمالية الدولة” هو خيارًا ممكنًا وضروريًا لمصر
- السوابق التاريخية تؤكد القابلية: الدولة المصرية منذ محمد علي، ومرورًا بعهد عبد الناصر، عرفت نموذجًا إنتاجيًا تقوده الدولة، ما يثبت القابلية البنيوية لهذا النموذج.
- وجود أدوات حالية للدولة: مثل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الهيئة الهندسية، قطاع الأعمال العام، البنوك الكبرى– كلها أدوات جاهزة، يمكن تفعيلها لإنتاج السلع والخدمات، لا مجرد السيطرة.
- فشل تجربة النموذج النيو ليبرالي خلال العقود الأربعة الماضية، القائمة على الخصخصة، والتقشف، والاعتماد على الخارج. فلم تحقق تنمية شاملة، ولا عدالة اجتماعية، بل عمّقت التفاوت والتبعية.
- الطلب الشعبي على العدالة والكرامة الاقتصادية، يجعل من تبني نموذج يُعيد الدولة إلى مركز الفعل الاقتصادي، ضرورة سياسية واجتماعية، لا مجرد خيار.
- ما العمل لتجنب العواقب الوخيمة؟!
أولًا: ورؤية وخطة صناعية وطنية طويلة المدى لتوجيه الاستثمار العام والخاص إلى قطاعات استراتيجية (مثل الغذاء، الدواء، الطاقة، الإلكترونيات، السيارات). وتطوير بدائل تمويل محلية وإقليمية، دولية، مع تقليل الاعتماد على قروض صندوق النقد والبنك الدولي، التي تفرض سياسات مضادة لرأسمالية الدولة. ووقف الخصخصة والبيع العشوائي للأصول العامة، واستعادة ما أمكن من القطاعات الحيوية. البنية المؤسسية إصلاح إداري شامل، ومكافحة الفساد، وتمكين الكفاءات الوطنية. التكنولوجيا والبحث العلمي دعم جامعات ومراكز أبحاث مرتبطة بالصناعة الوطنية. العدالة الاجتماعية دعم ذكي للفئات الفقيرة، تحقيق حماية للطبقات الفقيرة والمتوسطة من خلال دعم ذكي، وتوفير فرص عمل منتجة وتوفير فرص عمل حقيقية من خلال مشاريع إنتاجية.
لا إقصاء للقطاع الخاص، بل شراكة مشروطة. وتوجيه الاستثمار الأجنبي لخدمة التنمية الوطنية، وليس فقط لتحقيق أرباح سريعة للمستثمرين الأجانب.
ثانيًا: تغيير السياسة الاقتصادية القائمة على الاستثمار العقاري العشوائي، كبديل للاقتصاد الحقيقي، من “بناء مدن للإسكان والبيع” إلى التخطيط العمراني القائم على “القطاعات الإنتاجية” و”بناء مدن للإنتاج والمعرفة”. وتغيير فلسفة العمران في مصر القائم، إلى إنشاء مدن حول مصانع، تخفف الضغط عن المدن الكبرى. والتحول من التوسع العمراني العقاري الاستهلاكي (مدن سكنية بلا هوية اقتصادية)، إلى تخطيط عمراني إنتاجي، يربط السكن بالعمل والتعليم والابتكار. فلا يصبح العمران مجرد عقارات للبيع، بل أداة لإنتاج الثروة وتنمية الموارد البشرية. ويمكن تصور التحول عبر عدة مستويات. بإعادة تعريف وظيفة المدن الجديدة، (العاصمة الإدارية، العلمين، المنصورة الجديدة…إلخ)، التي غالبًا ما ركّزت على السكن والأنشطة الخدمية، بأن تُبنى حول أقطاب إنتاجية، مثل مدينة صناعية، حاضنات تكنولوجية، مراكز أبحاث. مثل “مدينة للأدوية”، مدينة مرتبطة بصناعات دوائية، يجب أن تضم كلية صيدلة، معامل بحثية، “مدينة للسيارات الكهربائية”، مدينة مرتبطة بالسيارات الكهربائية- جامعة للهندسة المتخصصة، مراكز تدريب، مصانع تجميع وشركات موردة. مدن صناعية- تجمع بين مصانع خفيفة، إسكان للعمال، خدمات صحية وتعليمية، “مدينة للغذاء الزراعي ( ترتبط بالمزارع الحديثة، + التصنيع الغذائي+ التخزين+ التصدير+ البحث العلمي).
ثالثًا: اهتمام استثنائي بتأهيله القوى العاملة على مستوى الثورة الصناعية الرابعة، فهي المورد الأهم في مصر، اقتصاديًا وحضاريًا.. ويقدر حجم القوى العاملة بنحو 30 مليون فرد، وهو من أكبر أحجام القوى العاملة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. في قطاعات الزراعة (24%)، والصناعة (22%)، والخدمات (54%). مع وجود نسبة تبلغ نحو 37% الاقتصاد غير الرسمي، وتقدر بنحو 11 مليون فرد. كما تبلغ تقديرات نسبة العاملين في الخارج نحو 8% من قوة العمل المصري، أغلبهم يعملون في دول الخليج، وتصل تحويلاتهم إلى نحو 30 مليار دولار سنويًا.
وأهم التحديات الراهنة هي ضعف الربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل- ضعف التدريب المهني- هشاشة القطاع التكنولوجي وقصور المؤسسات التقنية عن مواكبة التطور الصناعي.
والثورة الصناعية الرابعة تقوم على الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، الروبوتات، الطباعة ثلاثية الأبعاد، الاقتصاد الأخضر، وتحليل البيانات الضخمة. ولتمكين القوى العاملة المصرية من الانخراط فيها، فذلك يتطلب إصلاح منظومة التعليم بالتركيز على (العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات) وربطها بالقطاعات الإنتاجية. وبناء منظومة وطنية للتدريب، بإتاحة فرص التعلم مدى الحياة عبر منصات رقمية، ومراكز تدريب صناعي، وتشجيع ريادة الأعمال على دعم الشركات الناشئة في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي- تعزيز البحث والتطوير: إنشاء حاضنات تكنولوجية ومراكز ابتكار مرتبطة بالجامعات والصناعة.
من ناحية أخرى، مصر لديها بالفعل تخمة من خريجي التخصصات النظرية (حقوق– تجارة) تفوق احتياجات سوق العمل، بينما هناك فجوة في المجالات التقنية والإنتاجية. لذا فإعادة تأهيل هؤلاء الخريجين، يمكن أن يتم عبر برامج انتقالية قصيرة، ومركزة تفتح لهم أبواب سوق المستقبل. توظيف التكنولوجيا في الخدمات القانونية Legal Tech (دورات، برامج، منصات، تطبيقات في الذكاء الاصطناعي في القانون، التحكيم الإلكتروني، توثيق العقود الذكي، قواعد البيانات). وكذلك في الخدمات المالية FinTech (إدارة الأعمال/ التجارة- برامج مكثفة في التحول الرقمي ، علوم البيانات ، تحليل السلوك الاستهلاكي ، التسويق الإلكتروني ، التجارة الإلكترونية، التمويل الرقمي (… وإنشاء دبلومات مهنية معتمدة يمكن لخريجي الكليات النظرية الالتحاق بها مثل: دبلوم برمجة- دبلوم الأمن السيبراني- دبلوم الطاقة المتجددة- دبلوم إدارة سلاسل الإمداد واللوجستيات.
رابعا: وأخيرًا يأتي السؤال الأهم، هل مصر قادرة على تبنّي نموذج رأسمالية الدولة بصورة واقعية وفعّالة؟
نعم، مصر تستطيع تبني رأسمالية الدولة، ففي سياق دولي متغيّر يتيح التحرر النسبي، في ظل تراجع هيمنة الغرب، وصعود الصين وروسيا والهند. حيث تستطيع مصر تنويع شراكاتها والتفاوض على سيادتها الاقتصادية. خصوصًا مع موقع جغرافي استراتيجي مهم، ونفوذ جيو ثقافي، في ضوء التحديات الاقتصادية والاجتماعية القائمة، وتراجع فاعلية النموذج النيوليبرالي.
هذا لا يعني أن الانتقال سهل، أو خالٍ من التضحيات والصراعات. بل على العكس، فالانتقال نحو رأسمالية الدولة في مصر، يتطلب مواجهة شبكات المصالح المرتبطة بالنيو ليبرالية، وضغوط خارجية من الدائنين والمؤسسات المالية، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية وإعادة بناء الثقة في الدولة. وتغيير ثقافة الإدارة الاقتصادية، ومعالجة ضعف القدرات البيروقراطية وغياب الكفاءة الإدارية. فالفساد الإداري يعطل أي تدخل فعال للدولة. والحاجة إلى خطاب سياسي مقنع يربط السيادة الاقتصادية بالاستقلال الوطني.
- كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي






