لا يمكننا بحال من الأحوال أن يغيب عن حديثنا أثر حديث رئيس الدولة عقب المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية القائمة حاليا، وما أعقبه من قرار الهيئة العليا للانتخابات من إبطال الانتخابات في تسعة عشر دائرة على مستوى الجمهورية، وهو رقم لو تعلمون عظيم، وهو ما يؤشر بشكل واضح عن غياب الشفافية، بل وتدخل عوامل أخرى، غير ما تعتني به الديمقراطية، وما يتطلبه تفعيلها على هذه الانتخابات، هذا بخلاف ما يلعبه قانون مجلس النواب وقانون تقسيم الدوائر الانتخابية من دور فاعل بشكل رئيس في أعمال الانتخابات النيابية.

وإذا كان الحق في الانتخاب، بحسبه النموذج المفترض للتعبير عن السبيل الديمقراطي، هو ذلك الحق الذي يمكن المواطنين الذين تتوافر فيهم الشروط القانونية من المساهمة في اختيار الحكام، وفقا لما يرونه صالحا لهم، أو وفق ما تمليه عليهم ميولهم أو انتمائهم السياسي وقناعاتهم الفكرية، وذلك الحق هو حق شخصي للمواطنين لتمكينهم من المساهمة في الشؤون العامة للبلاد وإدارتها، وهو حق ذو صلة بالوظائف الاجتماعية للأفراد، يؤكد على دورهم الاجتماعي، وتختلف النظم الاجتماعية ما بين نظام سياسي وآخر، ولكنها جميعها تصب في ضمان حق الانتخاب أو الاقتراع، سواء كان مباشر أو غير مباشر، وسواء كان علنيا أو سريا، أو مقيدا أو عاماً، كما تختلف أساليب الانتخاب ما بين كل واقعة، تقتضي توظيف ذلك الحق، وأهم تلك الأحداث أو المناسبات السياسية التي يُمارس فيها حق الانتخاب، تكون في انتخابات المجالس النيابية، أو انتخابات رئاسة الجمهورية، وهو أيضا يعني مكنة المواطنين الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية من المساهمة في اختيار الحكام، وفقا لما يحقق مصالحهم من كافة النواحي.

إذن فمن المفترض منذ اللحظة الأولى لمسيرة الانتخابات، ألا تتدخل الدولة، بسلطتها التنفيذية، في هذا المسار، ولا يكون لها سوى دور الحارس عليها ومؤمنا على ما ينتجه بغض النظر عن الانتماء للحكومة من عدمه، ولكن للأسف فقد كشفت الانتخابات الأخيرة عن غياب الشفافية في المسار الانتخابي، وغياب المفهوم الحقيقي الضامن لمسار الانتخابات بشكل حر ونزيه، وهذا الأمر قد أبرزه قرار الهيئة الوطنية للانتخابات، فيما ذهب إليه من نتائج، قد لا تكون معبرة بشكل كامل عن كل الخروقات التي نالت من العملية الانتخابية. ذلك بخلاف، أن النظام الانتخابي المصري الحالي قد أفرز نجاح نصف نواب مجلس النواب بالتزكية، فيما تضمنته القائمة الوطنية، بحسب تشكيلها الغالب والمحسوب على السلطة التنفيذية، ذلك أيضًا بخلاف نسبة 5% المخصصة لرئيس الدولة، بحسب نصوص الدستور، وهذا ما ينتج برلمانا في نسبته الغالبة والمتحكمة في المسار التشريعي أو الرقابي تابع بنسب متفاوتة للسلطة التنفيذية.

وإذ أن التاريخ المصري في خلال نصف قرن من الزمن، لم يشاهد وجود تناسب عددي ما بين أعضاء المجلس التشريعي، ولو على مستوى الأحزاب، ولكن دوما تكون الغلبة لصالح الأحزاب الموالية للسلطة التنفيذية، ومع مرور الوقت، يزداد هذا الأمر حدة، بما يضمن أن تكون الكتلة التصويتية لصالح تلك الكتل المهيمنة على التشكيل النيابي، ولا يكون للمعارضة الفعلية صوت مؤثر في العمل النيابي.

وإذا كان الأصل في البرلمان أو مجلس النواب أو مجلس الشعب، أنه هيئة تشريعية تمثل السلطة التشريعية في الدول الدستورية، حيث يكون مختصا بحسب الأصل بجميع ممارسات السلطة التشريعية، وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات، وتمارس البرلمانات عددا من الوظائف، تتراوح في مجالها ونطاقها من دولة إلى أخرى، وذلك حسب الإطار الدستوري السائد وأسلوب توزيعه لاختصاصات الحكومة، وكذلك تبعا لمدى التطور الديمقراطي وقوة البرلمان وقدرات أعضائه. وبوجه عام، هناك نوعان من تلك الوظائف، الأول عام، تمارسه البرلمانات كهيئة ممثلة للشعب، كدورها في صنع السياسات العامة وخطط التنمية، والثاني فني، وهو ما يعرف بالدور التشريعي والرقابي، الذي تقوم به في مواجهة السلطة التنفيذية. كما أنه مما لا شك فيه، أن جدية وقيمة الرقابة البرلمانية تتوقف بشكل أساسي على أعضاء البرلمان أنفسهم، وعلاقاتهم بالسلطة التنفيذية، ومدى استقلالهم، وقدراتهم الشخصية. وتستهدف الرقابة البرلمانية التحقق من مدى مشروعية تصرفات السلطة التنفيذية، وعدم الانحراف عن استهداف الصالح العام، وتمثل الرقابة جانبا ذي أهمية كبيرة من أنشطة البرلمان في الدول الحديثة، لا تقل بحال من الأحوال عن مهمة التشريع ضمانا لالتزام السلطة التنفيذية بمبدأ المشروعية.

ولكننا بعد كل ذلك، إذا ما تتبعنا أعمال مجلس النواب، على أقل تقدير في خلال دورين سابقين، وعلى مدار عشر سنوات كاملة، فإننا نجد أن الأعمال الموكلة للمجلس النيابي، لا تعبر بشكل جدي عن حقيقة الدور الدستوري لعمل مجلس النواب، إذ أن المتابع بشكل يقيني يجد، أن الغلبة في التشريعات التي أُصدرت خلال تلك الفترة، كان معظمها مقدما من السلطة التنفيذية، وهو ما يعني غياب الدور التشريعي الحقيقي لأعضاء مجلس النواب، حتى ولو تطرقنا إلى الأعمال الرقابية، وهي السلطة الثانية المخولة لمجلس النواب، فلا نجد ولو طلب إحاطة واحد مقدم من أعضاء مجلس النواب، وهو الأمر الذي يجعل أعمال المجلس في دورتيه السابقتين، لا يمكن اعتباره سوى، أنه مكمل لأعمال السلطة التنفيذية.

إذن، فهل نأمل في تغيير حقيقي في تكوين مجلس النواب بعد قرار الهيئة الوطنية للانتخابات؟ وهل سيكون له دور مؤثر على انتخابات الإعادة، أو المرحلة الثانية من الانتخابات؟ بمعنى، هل ستشهد تواجدا لوجوه جديدة، تعبر عن المعنى الحقيقي للانتخابات؟ أم أن الأمر سيبقى في دور استئثار الأحزاب الثلاثة الموالية للسلطة التنفيذية، والمتمثلة في حزب مستقبل وطن، وحزب حماة وطن، وحزب الجبهة الوطنية، في الأعداد المتبقية لأعضاء مجلس النواب، كما كانت لها الغلبة في الاستحواذ على القائمة الوطنية. وبمعنى أكثر طموحًا، فهل سنجد مجلس نواب مغايرا في مسيرته الفعلية عن المجلسين السابقين؟ بما يضمن للمواطن المصري، أن يرى قوانين مقدمة فعليا من الأعضاء، أو أن يرى تفعيلا لأدوات الرقابية كاستجواب وسؤال وطلب إحاطة، وغيرها من الأدوات الرقابية، أم سيقف الأمر عند مجرد تغيير في الوجوه والأسماء، وهو الأمر الذي نرى أثره السابق في تشريعات، لا ترقى إلى طموح المواطنين، أو إلى التعبير عن احتياجاتهم الأساسية، أو مدى تماس تلك التشريعات مع الحقوق والحريات بشكل عام.