بدأت عملية الاقتراع في انتخابات مجلس النواب يوم 7 نوفمبر 2025، وستستمر حتى إعلان آخر النتائج يوم 28 ديسمبر 2025، عقبها سيكون لدينا مجلس جديد، يخلُف المجلس الذي ستنتهي مدته يوم 10 يناير 2026.
ومن واقع ما دار خلال الأسابيع الماضية، يمكن ملاحظة أن تلك الانتخابات اتسمت هذه المرة بسمات مميزة، بعضها جديد، وبعضها يتسم بالبروز والظهور بشكل أكثر وضوحا، مقارنة بما كان عليه الأمر في الانتخابات السابقة.
فشل الهيئة الوطنية وتدخل رئاسي إيجابي
أبرز الظواهر الانتخابية هذه المرة هو، فشل الهيئة الوطنية للانتخابات في إدارة الانتخابات. إذ لأول مرة تظهر عديد النواكب التي ساهمت فيها الهيئة أو التي وقفت مكتوفة الأيدي، لا تستطيع فعل شيء، كرد فعل لما يحدث من الأحزاب المدللة من قبل الأمن. وهو أمر لم يقل عن نواكب الانتخابات التي كانت تنظمها وزارة الداخلية في النصف الأول من عهد الرئيس السابق مبارك.
أبرز مناحي فشل الهيئة هو عدم إنفاذ القانون بمنح المرشحين صورة من محاضر الفرز فورا، ما يثير في النفوس من شك من وجود عبث، لمسه البعض إبان انتخابات الرئاسة 2024، عندما لم تثبت الهيئة حتى اليوم للناس وبالأرقام على مستوى كل لجنة، كيف خرج 44 مليون ناخب للتصويت. اليوم تعبر الهيئة عن فشلها في أمور كثيرة، سنوردها لاحقا. كل ذلك استدعى الرئيس السيسي، أن يتدخل إيجابيا ليعلن “فيتو” على ما يحدث، خشية من تكرار مهازل انتخابات 2010 وتداعياتها. تدخل الرئيس شكل حدثا في حد ذاته، لأنه للمرة الأولى يتدخل رئيس مصر بهذا الشكل في الانتخابات، منذ أن تدخل مبارك عام 1984، بأن قلص العتبة الانتخابية من 10% إلى 8% في نظام القوائم النسبية الذي جرت به الانتخابات وقتئذ.
التنافس على نصف المقاعد المنتخبة فقط
قامت الهيئة الوطنية للانتخابات بتكرار ما حدث في الانتخابين الماضيين، وكأنها قد اعتادت على أمر لن تريد تغييره، برفضها أن تجرى انتخابات تنافسية بين القائمة الوطنية وقوائم أخرى، أو على الأقل بين مكونات القائمة الوطنية ذاتها. سجنت الدولة ذاتها في مقرها، وراحت ترفض قوائم منافسة بحجة نقص ورقة كشف طبي أو ورقة تجنيد أو شهادة مؤهل، ودون أن تمهل المرشحين فرصة لساعات إضافية لتعديل الأوضاع. وجود انتخابات غير تنافسية أمر استغله الإخوان، وكان فضيحة لمصر في الخارج، أن تجرى انتخابات على 45 % من عدد مقاعد البرلمان.
بيع المقاعد بشكل علني ودون خجل
في الانتخابات الحالية، أصبح الحديث عن حصول الحزب على المال نظير دخول أسماء من غير أعضائه، ضمن حصة الحزب العددية في القائمة المطلقة المضمون فوزها، ليس لكونها قائمة ترعاها الدولة فقط، بل لكونها قائمة وحيدة تحتاج للتزكية، (أصبح الحديث هذا) جهارا نهارا، ويُبرر من قبل قيادات حزبية، على أنه دعم للحزب، وليس مقابل مباشر للنزول في القائمة. هنا يصبح السؤال الجوهري: هل الشخص الذي دفع كل هذه الأموال التي تردد أنها بعشرات الملايين سيكون ممثلا أو مشرعا نزيها في البرلمان؟ وهل هذا الأسلوب يقود لنظام حزبي جيد؟
انخفاض عدد المرشحين
طالما كانت الأدبيات البرلمانية تعتبر أن نسبة المشاركة في الاقتراع هي دليل ومؤشر مهم على مدى الثقة في الانتخابات، لكن جديد الانتخابات المصرية ربما يُضيف أن المشاركة في الترشيح هي الأخرى دليل مهم على تلك الثقة. هنا من المهم الإشارة، إلى أن انتخابات مجلس النواب الحالي جرت بمشاركة 2882 مرشحا، منهم 2598 مرشحا بالأسلوب الفردي، و284 مرشحا بأسلوب القائمة المطلقة (الإجمالي محسوب من موفع الهيئة ودون القوائم الاحتياطية)، وكلا النظامين ينتميان لعائلة النظام الانتخابي الأغلبي، أو ما يعرف لدى البعض بنظام 50 % +1. في هذا الصدد وبالعودة إلى عدد المرشحين في الانتخابات المصرية السابقة، نجد أن عدد المرشحين بها كان أكبر، ولربما أكبر بكثير من عدد مرشحي انتخابات اليوم. ففي انتخابات 2000 (نظام أغلبي فردي خالص مع كوتة عمال وفلاحين لبرلمان عدده 444 منتخبا) كان عدد المرشحين 3957. وفي برلمان 2005 (نفس النظام السابق ونفس العدد) كان عدد المرشحين 5177. وفي برلمان 2010 (نظام أغلبي فردي خالص مع كوتة عمال وفلاحين وكوتة تمثيل للمرأة وعدده 508 منتخبا) كان عدد المرشحين 5411. وفي برلمان 11 /2012 (نظام نسبي لثلثي المقاعد وأغلبي بأسلوب فردي للثلث وكوتة ترشيح للمرأة وعدده 498 منتخبا) هو 10251. وفي برلمان 15/ 2016 (21 % قائمة مطلقة والباقي أغلبي بأسلوب فردي مع وجود 6 كوتات وعدده 540 منتخبا) هو 5441 دون القوائم الاحتياطية. وفي برلمان 2020 (50 % قوائم مطلقة، و50 % فردي، وستة كوتات، وعدده 568 منتخبا) فهو دون الأسماء الاحتياطية 4248. هذا النقص يدل على انخفاض الثقة في البرلمان، وإدراك أن تكرار الذهاب للصناديق لم يُساهم في حل المشكلات العامة، خاصة تلك التي تتعلق بالاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية.
توريث مقاعد البرلمان بكثرة
كان التوريث هو واحد من أبرز الأمور التي لوحظت في برلمان 2020، وقد زاد هذا الأسلوب انتشارا في مجلس الشيوخ أيضا، بمعنى أنه كان من السهولة أن يجد المرء أقارب في هذا المجلس وذاك. وعلى الرغم من أن البعض يعتبر ظاهرة توريث المقاعد بالبرلمان ظاهرة قديمة، إلا أن المؤكد أنها ليست كذلك، لأن ما كان يحدث في البرلمان المصري منذ عقود من وجود عائلات ممثلة في البرلمان يختلف عن المشهد الحالي كلية. فقديما كان الأمر يرتبط باتفاقات بين العائلات والقبائل على وجود شخص يمثلهم في المجلس، ويتم هذا الأمر بالتدوير والتراضي والتوافق العام بين شخصيات ذات خبرة. اليوم لا يتعلق الأمر بالعائلات أو القبائل قدر ما يتصل بالمجاملات بين الأخوة وبعضهم، أو بين الأبناء والأبناء. هنا تجب الإشارة إلى أنه من يطلع على الموقع الإلكتروني للهيئة الوطنية للانتخابات، ويقرأ قوائم القائمة الوطنية الموحدة، ويركض وراء اسم كل عائلة، سيجد العديد والعديد من مظاهر التوريث للمقعد البرلماني، حتى بين رؤساء وقيادات الأحزاب المشاركة في الانتخابات. وعلى أية حال، وعودا إلى الظاهرة البرلمانية، فإن مسألة التوريث تُخلف مشكلة كبيرة حال إسقاط أو فقدان أي عضو نيابته أو وفاته، لأنه سيحل محله من هم غير ذوي الخبرة أو الكفاءة. وهو أمر سيؤثر بشكل سلبي على العملية البرلمانية بشقي التشريع والرقابة.
استخدام المال الفاسد بكثافة
حددت الهيئة الوطنية للانتخابات سقفا ماليا للدعاية الانتخابية بالنسبة للمرشحين الفرديين ومرشحي القوائم المطلقة. وقد اتبع المرشحون أساليب كثيرة للهروب من المسئولية، كأن يتجنبوا الصرف من حساباتهم المالية الموضوعة تحت يد الهيئة الوطنية للانتخابات، أو أن يكتب على البانرز الضخمة والمكلفة في الدعاية بالشوارع والميادين، أنها تبرع من فلان، تجنبا للمحاسبة من الهيئة الوطنية، لو كانت من مال المرشح الخاصة. وقد بينت وسائل التواصل الاجتماعي صورا لعديد مقرات الانتخاب في الدوائر الانتخابية، والناس يتقاسمون الأموال وكراتين المواد التموينية، بلا أدنى حرج أو خجل، خاصة في محافظات المرحلة الأولى، وقد استدعت ملاحظة الرئيس إنذار الهيئة لبعض الأحزاب المدللة لرفع دعايتها من الشارع، وكأنها كانت تنتظر كلمة الرئيس لتعلن ذلك الإنذار.
اختفاء الزخم الإعلامي الانتخابي التقليدي لصالح الرقمي
ما من شك، أن أي متابع للانتخابات البرلمانية التي بدأت منذ أيام، وستستمر لأيام أخرى، سيستشعر بأن الزخم الإعلامي التقليدي ممثلا في محطات التلفزيون قد اختفى تقريبا لصالح المتابعة الرقمية والنتية. ففي الأعوام الماضية، كان المرء يستطيع بسهولة، أن تكون برامج التوك شو والاستديوهات التحليلية في القنوات الفضائية المصرية سبيلا لتوعيته، وتكوين فكره عن العملية الانتخابية وأجوائها وبيئتها عامة، ومعرفة مرشحيه وكيفية المنافسة بينهم خاصة. اليوم انطفأ كل ذلك لصالح تطبيقات الموبيل، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية. واحد من أهم أسباب هذا الفتور هو هيمنة الصوت الواحد على العملية الإعلامية، من خلال سيطرة هيئة واحدة على معظم المحطات الفضائية المصرية، وهو أمر لا شك، أنه سلبي، ويزيد من ترويج الشائعات.
كل هذه الأمور هي ظواهر جديدة أو مستفحلة في الانتخابات، وهي كما يُرى ظواهر سلبية للغاية. لكن يمكن الخروج من أغلبها وأكثرها انتشارا، وهو المال الانتخابي وظاهر العنف والعصبيات، بالعودة للنظام الانتخابي الذي كان متبعا في انتخابات 1984، وهو النظام الحزبي النسبي المغلق، عندئذ تنتعش الحياة الحزبية، ويصبح المال الانتخابي أسهل في الرقابة، بما لا يقارن مع الوضع اليوم، ويمتنع الإخوان عن الوثوب للانتخابات، ويصبح أداء البرلمان عاما، وليس مخصصا لخدمة الدوائر الضيقة.






