مرت سنوات على رحيل الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني الأسبق، وهو الرجل الذي ربطتني به علاقة طويلة، بدأت من منزله في ود نوباوي بالسودان، وقت أن كان محدد الإقامة بعد انقلاب الجبهة القومية الإسلامية. شهدت هذه العلاقة محطات متعددة، خصوصا بعد خروجه من السودان عام ١٩٩٦ في عملية تهتدون، ولم يكن لها- أي العلاقة – سياق مهني كلاسيكي، بل كان لها طابعا فكريا ممتدا ومتشعبا، كان له أثر مهم في تعميق فهمي لتعقيدات المشهد السوداني من ناحية، كما أزعم أنه كان له أثر في تعميق فهمه بنبض عملية اتخاذ القرار في مصر ومساراتها المحملة بإرث الدولة الموغلة في القدم، والمغايرة لطبيعة وتكوين الدولة في السودان.

لم تخلُ علاقتي بالصادق المهدي من شق إنساني مميز، فقد كان من السياسيين السودانيين القلائل الذي انتبه إلى مواساتي في وفاة ابني الثاني، كما شارك عائلتي أفراح زفاف ابني الوحيد. هذه العلاقة الطويلة التي اختلط فيها السياسي بالإنساني، تجعلني ربما في موقف ليس بالسهل حين أكتب عن رجل مؤثر بعمق في التاريخ السياسي السوداني، كما كان أيضا مؤثر بعمق في النخبة المصرية على تنوعها، من حيث إدراك المشهد السوداني من زوايا متعددة، وهو أيضا رجل مؤثر في السياقات الدولية بطبيعة إسهاماته وتفاعلاته مع العالم الخارجي في أداء نادر، ربما على النخب السياسية السودانية.

 وهكذا لم يكن الصادق المهدي مجرد رئيس وزراء سوداني أسبق، تعاقبت عليه دورات السلطة والانقلابات، بل كان تعبيرا مكثفا عن معضلة الدولة السودانية الحديثة نفسها: دولة تبحث عن توازن بين الإرث الطائفي، والديمقراطية التعددية، والجيش بوصفه فاعلا سياسيا دائم الحضور، والمجتمع الدولي باعتباره ـ في مراحل سابقةـ كان مرآة للشرعية الأخلاقية أكثر منه حكما على الفعالية السياسية. ومن هنا، فإن الكتابة عن الصادق المهدي لا يمكن أن تكون كتابة عن رجل بقدر ما هي كتابة عن نموذج من الزعامة المدنية التي حاولت أن تبقي السياسة في نطاق الأخلاق، في بيئة كانت الأخلاق فيها عبئا على الفاعلين، أكثر مما كانت رصيدا لهم.

في الداخل السوداني، ظل الصادق المهدي شخصية إشكالية بامتياز. يتم النظر إليه لدى قطاع واسع من النخب السياسية والشبابية بوصفه رمزا للتردد، وإهدار اللحظات التاريخية، والإفراط في الرهان على التوافق في لحظات، كان الشارع يطلب فيها الحسم. وفي المقابل، حظي الرجل خارج السودان بمكانة لافتة بوصفه مفكرا سياسيا إسلاميا إصلاحيا، وزعيما مدنيا ملتزما بالوسائل السلمية، وشريكا موثوقا في قضايا الانتقال الديمقراطي في إفريقيا. هذا التناقض الظاهري بين صورته المحلية وصورته الدولية، لا يمكن فهمه إلا بوضع مسيرته في سياق أوسع من تقييمات النجاح والفشل التقليدية.

ينتمي الصادق المهدي إلى جيل ما بعد الاستقلال الذي ورث دولة، لم تحسم فيها أسئلة الشرعية ولا طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ولا حدود دور المؤسسة العسكرية. لكنه، بخلاف كثير من أبناء جيله، لم ينظر إلى هذه الإشكاليات بوصفها صراعات صفرية، بل باعتبارها معضلات قابلة للإدارة عبر التوافق والتدرج. هذه الرؤية، التي بدت في لحظات كثيرة أقرب إلى المثالية السياسية، شكلت جوهر مشروعه الفكري والسياسي، كما شكلت في الوقت نفسه مصدر الانتقادات الموجهة إليه.

الاحتفاء بالصادق المهدي لا يبدأ من كونه تولى رئاسة الوزراء مرتين، بقدر ما يبدأ من كونه من القلائل في النخبة السودانية الذين دافعوا مبكرا وبوضوح عن الدولة المدنية التعددية بوصفها الإطار الوحيد القادر على استيعاب التنوع السوداني. لم يكن هذا الدفاع مجرد شعار سياسي، بل تأسس على اجتهاد فكري، حاول من خلاله إعادة تأويل العلاقة بين الإسلام والدولة الوطنية، بعيدا عن النموذج الثيوقراطي وبعيدا أيضًا عن القطيعة الجذرية مع المرجعية الدينية للمجتمع. في هذا السياق، قدم المهدي نفسه بوصفه مفكرا سياسيا بقدر ما هو زعيم حزبي، وهو ما منحه احتراما في الدوائر الأكاديمية والفكرية خارج السودان، أكثر مما منحه شعبية سياسية في الداخل.

وقد تمسك الصادق المهدي برفض عسكرة السياسة، سواء في مواجهة الأنظمة العسكرية أو في إدارة الصراعات المسلحة في أطراف السودان. هذا الموقف لم يكن بلا كلفة، إذ وصم الرجل مرارا باللين والابتعاد عن الواقعية السياسية. غير أن هذا الخيار نفسه هو الذي جعل منه لاحقا مرجعا أخلاقيا في نظر المنظمات الدولية المعنية بحل النزاعات، ورمزا لتيار يرى أن كلفة العنف المؤجل أقل من كلفة الحسم العسكري العاجل، حتى وإن بدا هذا الرهان خاسرا في المدى القصير.

بعد خروجه من السلطة، لم ينكفئ الصادق المهدي إلى موقع الزعيم التقليدي الذي يكتفي بإدارة حزبه أو الحفاظ على نفوذه الاجتماعي، بل أعاد إنتاج دوره في الفضاء الدولي بوصفه فاعلا فكريا وسياسيا عابرا للحدود. مشاركته في منظمات دولية وإقليمية، وانخراطه في مبادرات الحوار بين الأديان، ومساهماته في النقاشات المتعلقة بالديمقراطية في المجتمعات المسلمة، منحت الرجل رأسمالا رمزيا عالميا، افتقده كثير من معاصريه. في هذا السياق، بدا المهدي أكثر حرصًا على الدفاع عن نموذج معياري للسياسة، حتى وإن جاء ذلك على حساب قدرته على المنافسة في سوق السياسة الداخلية.

الاحتفاء بالمهدي لا يمكن أن يكتمل دون التوقف عند الجدل السوداني العميق حوله. فمنتقدو الصادق المهدي لا يرون فيه مجرد سياسي أخلاقي، خسر معركة القوة، بل يعتبرونه شريكا– ولو بحسن نية– في إعادة إنتاج أزمات الدولة السودانية. تُوجَه إليه تهمة التردد في لحظات مفصلية، والاعتماد المفرط على التسويات، وعدم القدرة على قراءة موازين القوى الحقيقية، خصوصًا في علاقته بالمؤسسة العسكرية. هذه الانتقادات لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، لأنها تعكس فجوة حقيقية بين تصور نخبوي للسياسة وتوقعات مجتمع، أنهكته الحروب والانقلابات.

في علاقته بالجيش، لم يتعامل الصادق المهدي مع المؤسسة العسكرية بوصفها فاعلا طارئا، يمكن إقصاؤه بسهولة، بل بوصفها جزءا من الدولة السودانية الحديثة. هذا الإدراك دفعه إلى البحث عن صيغ للتعايش السياسي معها، بدل الدخول في مواجهة صفرية. غير أن هذا الخيار جعل الرجل عرضة لاتهامات بالتساهل مع الانقلابات أو التقليل من خطورتها. هنا يبرز السؤال الجوهري: هل كان المهدي أسيرا لرؤية إصلاحية، تتطلب زمنا لم يكن متاحا؟ أم أنه أخطأ في تقدير أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تتحول إلى شريك في مشروع ديمقراطي مدني؟

تفاقمت هذه الإشكالية مع اتساع الفجوة بين خطاب المهدي الفكري وبين المزاج السوداني العام، خصوصًا لدى الأجيال الشابة. لغته التحليلية المعقدة، ونزعته إلى التفكيك النظري، بدت لكثيرين منفصلة عن واقع يومي، يطلب حلولا مباشرة لأزمات المعيشة والأمن. هذا الانفصال بين النخبة والجمهور لم يكن خاصًا بالصادق المهدي وحده، لكنه تجسد في تجربته بشكل أوضح، نظرًا لموقعه الرمزي وتاريخه السياسي الطويل.

في المقابل، فإن الموقف العالمي من الصادق المهدي يعكس معايير مختلفة لتقييم الفاعلين السياسيين. فالمجتمع الدولي، بخلاف الشارع المحلي، لا يقيس الزعامة بقدرتها على الحشد أو الفوز بالانتخابات فحسب، بل بقدرتها على إنتاج خطاب سياسي قابل للتداول، وضبط العنف، والحفاظ على قدر من الشرعية الأخلاقية. من هذا المنظور، لم يُنظر إلى المهدي بوصفه سياسيا، فشل في إدارة السلطة، بل بوصفه حاملًا لرؤية أخلاقية للسياسة في سياق إقليمي شديد الاضطراب.

هذا التباين بين الداخل والخارج، يسلط الضوء على إشكالية أعمق، تتجاوز شخص الصادق المهدي، وتتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها وحدود الفعل السياسي المدني فيها. فربما لم يكن إخفاق المهدي إن جاز وصفه بذلك إخفاقا فرديا، بقدر ما كان تعبيرا عن مأزق تواجهه النخب المدنية في دول لم تحسم فيها بعد قواعد اللعبة السياسية. في مثل هذه السياقات، يكافأ من يمتلك أدوات القوة، لا من يتمسك بالقيم المعيارية.

وقد يمكن النظر لتجربة الصادق المهدي، على أنها محاولة جادة للحفاظ على السياسة بوصفها مجالا أخلاقيا، في زمن يتم النظر فيها للأخلاق بوصفها ترفا، كما يمكن النظر لتجربته، باعتبارها تراثا فكريا وسياسيا، يطرح أسئلة لا تزال مفتوحة في عالمنا الإفريقي حول معنى الديمقراطية في مجتمعات منقسمة، وحدود التوفيق بين المرجعية الدينية والدولة الوطنية، وإمكانات العمل السلمي في مواجهة أنظمة تتعدد فيها القوى المسلحة.

وفي لحظة سودانية راهنة تتسم بانهيار شامل لمفهوم الدولة، تعود تجربة الصادق المهدي لتفرض نفسها لا بوصفها نموذجا جاهزا للاستنساخ، بل بوصفها مرآة تعكس كلفة غياب السياسة المدنية، كما تعكس في الوقت نفسه حدودها، حيث تثور أسئلة على شاكلة هل كان الرجل سابقا لعصره في بيئة لم تنضج بعد لاستيعاب مشروعه؟ أم أنه كان آخر تعبير عن نخبة أخلاقية لم تنجح في التكيف مع تحولات القوة الصلبة؟

وهكذا تكمن أهمية الصادق المهدي اليوم في كونه يطرح هذا السؤال، دون أن يقدم إجابة حاسمة. وهو ما يجعل الكتابة عنه ليست مجرد احتفاء بشخصية سودانية مؤثرة، بل مساهمة في نقاش أوسع حول مصير السياسة المدنية في دول الجنوب، وحدود الأخلاق في عالم تحكمه موازين القوة، وربما البلطجة أكثر مما تحكمه القيم والمعايير المستقرة.