بعد أيام قليلة يجتمع البرلمان الجديد، بعد أن يكون قطار الانتخابات (الشق الفردي) والتعيينات (القائمة والتعيين الرئاسي) قد وصل إلى محطته الأخيرة. في هذا الصدد نستكمل ما بدأناه الأسبوع الماضي حول مدى نزاهة تلك الانتخابات.. المزيد
تقارير المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية
فقد رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وغرف المتابعة التابعة لبعض الأحزاب السياسية كالمصري الديمقراطي الاجتماعي والمحافظين والعدل والوعي والجيل الديمقراطي والمؤتمر، وكذلك بعض المرشحين الأفراد، وجود خروقات من إدارة الانتخابات ومن المرشحين وذويهم على السواء، وقد تم إبلاغ الهيئة الوطنية للانتخابات بتلك الانتهاكات، ومن ذلك، طرد عديد مندوبي المرشحين من لجان الاقتراع أثناء مراقبة التصويت، ووجود أكثر من محضر حصر وفرز في اللجنة الواحدة (حالة لجنة الجوسق ببلبيس)، وخرق المرشحين الصمت الانتخابي، ورشوتهم للناخبين من خلال توزيع مواد تموينية في كراتين، ومنح مبالغ نقدية للمقترعين، خاصة للسيدات وكبار السن، كما رصد الرقباء أعمال حشد وتوجيه منظم للناخبين، يتضمن نقل جماعي وتصويت جماعي، وحمل الناخبين أوراق ترشدهم على انتخاب أُناس بعينهم خلف ستائر لجان التصويت، وضم لجان انتخابية في لجنة واحدة بشكل يستحيل معه تصويت كافة المقيدين (بلقينا بالمحلة الكبرى نموذجا). وكان أحدث الخروقات في الانتخابات هو ذلك الذي استخدم في دائرة المطرية بالقاهرة، حيث رصد وجود بطاقات تحمل QR كود لصرف سلع ومواد تموينية لحامله من الناخبين. هكذا كانت أكثر صور التزوير والتلاعب بالنتائج تتم من خلال استغلال عوز الناخبين الاقتصادي والاجتماعي يوم التصويت، وهو أمر لم تستطع إدارة الانتخابات، أن توقفه بشكل كلي. بطبيعة الحال، لم يكن غريبا، رصد رسائل بعض الأحزاب الموالية للسلطة للهيئة الوطنية للانتخابات. هنا يشار إلى بيان لحماة الوطن، يشير فيه إلى “عدم رصد أي تجاوزات مؤثرة على العملية الانتخابية”، وحديث نائب رئيس حزب مستقبل وطن عن سير العملية الانتخابية “بشكل ملتزم خصوصا فيما يتعلق بالدعاية الانتخابية والصمت الانتخابي”!!!
هل نجحت الهيئة الوطنية في تلافي المثالب؟
كل ما سبق من أمور، كان له رد فعل وسلوك من الهيئة الوطنية في إدارة المرحلة الثانية من الانتخابات، إذ أصدر المتحدث باسم الهيئة تعليمات مباشرة لرؤساء لجان الفرز بمنح ممثلي المرشحين صورا من محاضر الفرز العددي فور الانتهاء من الفرز، وكان هذا الأمر استجابة لموقف الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل يوم من إعلان نتائج المرحلة الأولى في 18 نوفمبر 2025، حيث أكد على أهمية “التيقن من حصول مندوب كل مرشح على صورة من كشف حصر الأصوات من اللجنة الفرعية، حتى يأتي أعضاء مجلس النواب ممثلين فعليين عن شعب مصر تحت قبة البرلمان”. وكان هذا الموقف بمثابة سهم في مرمى الوطنية للانتخابات، التي افتضح بيان النادي البحري للنيابة الإدارية- هو الآخر- موقفها عقب المرحلة الأولى، بالإشارة إلى أن الهيئة الوطنية وخلافا لنص المادة 48 من قانون مباشرة الحقوق السياسية، منعتهم من تسليم تلك المحاضر للمرشحين ووكلائهم. وعامة، فإنه رغم جهد الهيئة في الإمساك بزمام المبادرة وإصلاح الأوضاع التي أفسدتها، إلا أن الشكاوى استمرت بين قضاة اللجان من ناحية والمرشحين ووكلائهم في المرحلة الثانية من ناحية أخرى، ما أدى إلى تحويل بعض هؤلاء إلى القضاء؛ بسبب ممارسة هؤلاء لحقهم القانوني في متابعتهم للانتخابات (إحالة مرشح حزب المحافظين بالسويس للقضاء لمتابعته الانتخاب، وذات الأمر حدث بالنسبة لعضوة المجلس الرئاسي لنفس الحزب لمتابعتها انتخابات دائرة الظاهر). من ناحية أخرى، أعلنت الهيئة الوطنية منذ المرحلة الثانية للاقتراع عن أنها تتلقى الشكاوى وتحقق فيها، وبينت أن هناك بالفعل خروقات، وأنها تتعامل معها بجدية، لكن لا يبدو أن هذا الأمر قد تحقق بشكل عام وشامل. إضافة إلى ذلك، قامت قوات الأمن بالتفاعل مع بلاغات الهيئة الوطنية حال وجود خروقات في المرحلة الثانية، على عكس ما كان الوضع في المرحلة الأولى، وقبل إنذار رئيس الجمهورية. هنا رصدت جهات الرقابة على نزاهة الانتخابات بيانات صادرة من وزارة الداخلية بتعقب مثيري الشغب، ومن هم يسعون للتأثير على عمليات التصويت في محيط لجان الاقتراع، من خلال الميكروفونات، أو شراء الأصوات بالمال.
التظلمات والطعون الانتخابية
أما في شأن التظلمات والطعون الانتخابية، وما تلاها من أحكام متعلقة بمسألة إعادة الانتخابات، فمن المهم الإشارة لما قررته إدارة الانتخابات والقضاء المصري، باعتبار (أو اعتبار) تلك الجهات الملاذ الأخير لتحقيق العدالة والحياد ونزاهة وشفافية العملية الانتخابية. هنا يشار إلى أن الهيئة الوطنية للانتخابات قد قررت يوم 18 نوفمبر 2025، وهو الوقت المحدد لإعلان نتيجة الجولة الأولى من المرحلة الأولى، وبعد ساعات من الإنذار المبطن للرئيس السيسي للهيئة، (قررت) قبول تظلم المرشحين، وأعادت الانتخابات في 19 دائرة بشكل كامل، وقد تبع ذلك قرار المحكمة الإدارية العليا يوم 29نوفمبر 2025 بإعادة الانتخابات في 26 دائرة بشكل كامل، وفي 4 دوائر بشكل جزئي، حيث استثنت المحكمة من أُعلن فوزهم في تلك الدوائر الأربع، وهي دوائر الجيزة والمحمودية وأسوان والمنتزه، وأُعيد الانتخاب بين باقي المرشحين لاستكمال ممثلي الدوائر الأربع. من ناحية أخرى، قامت المحكمة الإدارية العليا بإحالة بعض نتائج الانتخابات في بعض الدوائر لمحكمة النقض للفصل في صحة عضوية من أعلنت الهيئة الوطنية انتخابهم. نفس المشهد تقرر في انتخابات المرحلة الثانية، إذ ناقشت المحكمة بداية نحو 300 طعنا على قرار الهيئة الوطنية للانتخابات، وقد رفضت المحكمة في 11 ديسمبر 2025 غالبية تلك الطعون، لكنها أحالت 67 طعنا لمحكمة النقض لتقرير ما تراه في النتائج التي أعلنتها الهيئة الوطنية. هنا لم تغير المحكمة أي شيء متعلق بالنتائج في تلك الطعون الـ300 سوى طعن واحد عن دائرة طلخا، حيث عدلت من أسماء وترتيب المرشحين الذين قررت الهيئة الوطنية إعادة الانتخاب لهم. وعقب جولة الإعادة من المرحلة الثانية في منتصف ديسمبر 2025، وانتخابات الجولة الأولى التي جرت عقب حكم المحكمة الإدارية بإعادة بعض دوائرها في نهاية ديسمبر 2025 والأول من يناير 2026، تقدم الخاسرون بعدة طعون، تم رفض بعضها وأحيل البعض الآخر لمحكمة النقض. هنا من المهم إبداء بعض الملاحظات على تلك الطعون والأحكام بشأنها. فبداية، أنه وفقا للدستور، فإن محكمة النقض هي وحدها من يقرر صحة عضوية من أُعلن فوزهم، وذلك خلال 60 يوما من تقديم الطعن إليها، وهو أمر بلا شك يتباين مع الدستور الذي عُمل به لأربعة عقود إبان عهدي الرئيسين الأسبقين السادات ومبارك، حيث كانت تُعطي الكلمة الأخيرة عقب قرار محكمة النقض للبرلمان نفسه. من ناحية ثانية، فإن المحكمة الإدارية تختص بالنظر في الطعون المتعلقة بإجراءات الاقتراع والفرز، وكافة القرارات السابقة على إعلان النتائج، والمخالفات المؤثرة في نزاهة الانتخابات، وكذلك شطب الهيئة للمرشحين. أما محكمة النقض فتفصل في صحة العضوية، والطعون التي تقدم بعد إعلان نتيجة الانتخاب. وأخيرا، يلاحظ بالنسبة إلى أحكام المحكمة الإدارية العليا التي تلت قرارها بإعادة الانتخابات في 30 دائرة، أنها كانت تحول ما قُبل منها إلى محكمة النقض، وهذا الإجراء على ما يبدو حكمه عدم الرغبة في إعادة الانتخابات مرة ثانية في بعض الدوائر، لأن تلك الإعادة سوف تُفضي إلى تأجيل انعقاد مجلس النواب الجديد، المفترض أن ينعقد جبرا قبل 12 يناير 2025.
لماذا لم تلغ انتخابات القائمة!!
وعامة، فقد أثار الكثيرون بشأن أحكام المحكمة الإدارية العليا سؤالا محوريا هو: إذ كانت المحكمة قد ألغت الانتخابات في نحو 43% من عدد دوائر المرحلة الأولى، وكانت تلك الدوائر مع ما قررته الهيئة الوطنية للانتخابات من إعادات أخرى للانتخابات قد طالت 70% من مجمل دوائر المرحلة الأولى، أليس من باب أولى أن تلغي المحكمة نتائج القائمة الوطنية التي فازت بالتزكية؟ لا شك أن تلك الإجابة تبدو منطقية، لأن الانتخابات على القائمة جرت في نفس اليوم ونفس المكان الذي تم فيه التصويت على المقاعد الفردية، ويستحيل معرفة ما إذا كان الفساد المالي يوم الاقتراع والذي طال الأسلوب الفردي لم يطل القائمة أيضا، خاصة أن القائمة كانت تحتاج للحشد والتعبئة لضمان تصويت 5% من الناخبين لصالحها. كما أن إحصاء الأصوات الذي تم وتضمن عديد الأخطاء التي أقرتها المحكمة- من قبل قضاة الفرز في أغلب دوائر المرحلة الأولى (70%)- من يستطيع أن يقول إن تلك الأخطاء لم تطل حسابا وعددا من أدلوا لصندوق القائمة!!
هل تدخل الرئيس في الانتخابات كان إجراء صحيحا؟
يبقى هنا من الأهمية تقييم تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي في الشأن الانتخابي، وما إذا كان هذا التدخل محمودا أم مذموما من زاوية نزاهة الانتخابات. هناك ثلاثة تقديرات لهذا التدخل. التقدير الأول، اعتبر أن تدخل الرئيس كان مهما، لأنه ساهم في إصلاح الأمور من زاوية سلامة الإجراءات اللاحقة لتدخله، وربما السابقة لها، لأن حديثه عن الانتخابات ساهم في قرار إعادة الانتخابات في بعض الدوائر التي شهدت عوارا غير مسبوق، ناهيك عن أنه غير من سير الإجراءات في المرحلة الثانية لصالح نزاهة العملية الانتخابية، والحد من الخروقات من قبل المرشحين، وإمعان الهيئة الوطنية في المزيد من الدقة، ناهيك أنه منع أحد الجهات التنفيذية من التدخل في الانتخابات رغما عن الإدارة الانتخابية الرسمية. التقدير الثاني، رأى أن الرئيس لم يكن معنيا بنزاهة الانتخابات، بل باستقرار الحكم، والخشية من أن يفضي مشهد الخروقات المتعدد لحالة مشابهة، لما تعرضت له البلاد من عدم استقرار وتدهور شرعية الحكم على النحو الذي جرى عشية انتخابات 2010، والذي أفضى لأحداث 25 يناير 2011. هنا يرى جناح معتبر، ينتمي لهذا الرأي أن ما حدث هو صراع بين أجهزة الدولة الأمنية، التي أرادت أحدها إخضاع الهيئة الوطنية لرغباته، بينما كان الثاني- الذي انحاز إليه الرئيس- يرى أن البلاد ستسير نحو السيناريو الأسوأ. التقدير الثالث، رأى أن الرئيس لم يكن موفقا في تدخله في الانتخابات، وأن هذا التدخل أسفر عن تأكيد أن العملية الانتخابية في مصر لم تكن نزيهة، لا هذا العام ولا الأعوام السابقة، لأن تدخله أكد أن الهيئة الوطنية للانتخابات ليست مستقلة. الرأي الأخير عبرت عنه 10 منظمات مصرية في بيان أصدرته في 22 نوفمبر 2025 عن الانتخابات، فرأت أن “التدخل المباشر من الرئيس السيسي في مجريات العملية الانتخابية، تعكس بشكل واضح الطبيعة الزائفة لهذه العملية، وتبرهن على انعدام استقلالية الهيئة الوطنية للانتخابات.. هذا التدخل الاستثنائي، وما تلاه من امتثال فوري من الهيئة، يكشف مدى خضوع العملية الانتخابية والمجال السياسي برمته لإرادة السيسي”. لكن واقع الأمر يجب النظر إلى التدخل الرئاسي نظرة موضوعية لا شكلية، بمعنى أنه محمودا، ما دام كان متوافقا مع الرغبات الشعبية والحقوقية لمنع التجاوزات.
هكذا جرت الانتخابات، وهكذا تشكل المجلس بحصانات نوابه، مجلس سيكون لنوابه سلوك وأداء داخل المجلس وخارجه. مجلس سيشرع وسيراقب.. لكن يشرع لمن ويراقب لمن (إذا راقب فعلا)؟ ربما تجيب الأيام عن هذا الأسئلة.






