نهاية شهر ديسمبر، وقعت إسرائيل واليونان وقبرص خطة عمل للتعاون العسكري لعام 2026، في خطوة تُسوَّق بوصفها تعزيزًا للاستقرار في شرق البحر المتوسط. تأتي هذه الخطوة بعد مشاورات حول تشكيل قوة تدخل سريع مشتركة، قوامها نحو 2500 جندي، تُعد رافعة للتعاون بين الدول الثلاث.
هذا التطور لا يقتصر على ترتيبات دفاعية، بل يساهم في إعادة تشكيل توازنات شرق المتوسط، عبر فرض نمط من الردع غير المعلن تجاه تركيا، وتقييد هامش مناورتها، إلى جانب رسم خطوط جديدة للتقارب بين ثلاث دول، تنخرط في تحالفات الطاقة.
في هذا التقرير، قراءة لآثار هذا التعاون على إدارة التوازنات الإقليمية، وموقفي مصر وتركيا، وانعكاس ذلك على المشهد في شرق المتوسط.
ماذا تعني خطة العمل؟
لم يعد السؤال في شرق المتوسط هو: من يتحالف مع من؟ بل كيف تبدو القوة دون أن تُعلن؟
خلال السنوات الأخيرة، تشكّل في حوض المتوسط، نمط جديد لإدارة التوازنات، لا يقوم على معاهدات دفاع جماعي صريحة ولا على تكتلات عسكرية صاخبة، بل على تعاون دفاعي، يتوسّع بهدوء ودقة، ويُعيد رسم حدود الحركة، كما يرفع تكلفة التصعيد دون رفع راية تحالف بالضرورة.
في هذا السياق، يبرز التعاون الدفاعي بين إسرائيل واليونان وقبرص، بوصفه تعبيرًا عن هذا التحول، فهو لا يعمل كتحالف عسكري مكتمل الأركان، لكنه يُنتج أثر التحالف فعليًا، عبر فرض معادلة ردع تغير سلوك الأطراف، وتضبط التوازنات، دون تعهد أطرافه بالتزامات دفاعية مفتوحة.
إلى جانب ذلك، لا يستهدف إعلان مواجهة صريحة، ولا يسعى إلى بناء محور مغلق، بل يهدف إلى إدارة مساحة متوترة، تتداخل فيها الطاقة مع الأمن والنفوذ البحري، في لحظة كاشفة لتقاطع ما هو سياسي مع ما هو اقتصادي وأمني بجدارة.
إعادة توزيع الأدوار في البحر المتوسط
مع تحول منشآت الغاز وخطوط الملاحة من أصول اقتصادية إلى عناصر حساسة في حسابات الأمن، بات من الصعب الفصل بين التعاون الدفاعي وضبط التوازنات الإقليمية.
لكن هذا الترتيب لا يتحرك في فراغ، فوجود تركيا كقوة بحرية فاعلة، ووجود مصر كفاعل مركزي في معادلة الطاقة والاستقرار البحري، يفرضان على أي تعاون دفاعي في المتوسط معادلة دقيقة: كيف تُبنى القدرة على الردع، دون أن تنقلب إلى عسكرة مفتوحة؟ وكيف يجري ضبط التعاون، دون أن يُقرأ كتكتل عدائي؟
بهذا المعنى، لا تصبح خطة التعاون الدفاعي موضوعًا تقنيًا بين ثلاث دول، بل أداة لإعادة توزيع الأدوار في البحر المتوسط، وهي تستهدف إعادة رسم حدود الحركة دون منعها.
على جانب آخر، تزيد من تكلفة المغامرة من أي طرف، ذلك دون إغلاق باب المناورة، ما يخلق توازنًا، يعتمد على الغموض بقدر ما يعتمد على القوة.
ما أهداف التعاون الأساسية؟
يعمل هذا التعاون وفق منطق الوظيفة لا النص أي لا توجد معاهدة دفاع جماعي، ولا بند دفاع تلقائي، ولا قيادة عسكرية موحدة.
ومع ذلك، فإن ما يجري على الأرض يتجاوز بكثير حدود التنسيق الرمزي، ويعتمد على ثلاث طبقات إن جاز الوصف.
الطبقة الأولى، خلق الجاهزية المشتركة، والتي تتحقق عبر مناورات متكررة، وتدريبات متخصصة، وتكامل في استخدام المجالين الجوي والبحري.
لكن هذه الجاهزية لا تُقدَّم كاستعداد للحرب، لكنها توجه رسالة مفادها، أن الأطراف الثلاثة قادرة على العمل معًا بسرعة، إذا لزم الأمر.
الطبقة الثانية، تتعلق بحماية الأصول الحيوية، وهي تتضمن منشآت الغاز، وخطوط الربط البحرية، والممرات القريبة من مناطق التنقيب، والتي لم تعد تُعامل كملفات اقتصادية بحتة، بل كأصول سيادية، تتطلب مظلة أمنية، وتصبح حماية الطاقة مبررًا مشروعًا لتوسيع التنسيق الدفاعي دون تعريفه كتحالف عسكري.
مفهوم الردع هنا شديد الأهمية؛ لأنه يقدم لحماية المصالح في الممرات البحرية، وتنتهجه إسرائيل بوضوح لا كسياسة بحرية، بل تقاطعا بين الأمن والطاقة.
أما الطبقة الثالثة، فهي الغموض المتعمد، لا خطوط حمراء معلنة، ولا سيناريوهات محددة، لكن الغموض نفسه يتحول إلى أداة ردع. كل طرف خارجي يعلم أن القدرة موجودة، لكنه لا يعرف متى أو كيف ستُستخدم.
هذا الشكل يمنح التعاون قوة مزدوجة: يعزّز الأمن دون كلفة سياسية عالية.
ماذا تغيّر في توازنات شرق المتوسط؟
التغيير الأهم لا يتعلق بميزان القوة وحسب، بل بميزان الحركة أيضا، فشرق المتوسط لم يتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة، لكنه لم يعد بحرًا مفتوحًا بلا ضوابط، وحرية الحركة لم تعد مجانية، وأن أي تحرك بات يقاس مسبقا بكلفته السياسية والأمنية.
ومن هذا المنطلق، لم يكن التحرك الإسرائيلي وليد لحظة طارئة، بل استباقا محسوبا، فرضته سوابق، تؤكد أن الممرات البحرية لم تعد محايدة، وأن تركها بلا ردع يعني بالنسبة لتل أبيب، انتظار الأزمة لا منعها.
على جانب آخر، هذا التحول لم يُلغِ التنافس، لكنه محاولة لضبطه. بدل الصدام المباشر، وخطة التعاون تقول إننا أمام تنافس مرتب، له حدوده، وتبدو فيه رسائل الردع واضحة، دون تحويلها إلى أزمات مفتوحة.
أي أن التعاون الدفاعي لا يحسم الصراع، لكنه ثبّت توازنًا هشًا، يقوم على منع المفاجآت.
تركيا وخطة التعاون الثلاثي احتواء لا مواجهة
تبدو تركيا الطرف الأكثر تأثرًا، لا لأنها مستهدفة مباشرة، بل لأن هامش المناورة الذي اعتادت عليه بات أضيق. أنقرة لم تُطرد من المتوسط، لكنها باتت تتحرك في بحر، تُحسب فيه الخطوات وتراقب فيه الكلفة، ولم تعد لديها حرية الحركة السابقة.
وهي تقرأ هذا التعاون بوصفه محاولة لضبط الحركة لا لإقصائها، لذا جاء ردّها محسوبًا، يختبر دون أن يصطدم، وتدرك أن ما تغيّر، هو سقف المناورة.
اختارت أنقرة مسار الاحتواء، عبر الحضور البحري دون تصعيد، وتكثيف المسار القانوني والسياسي، والأهم توسيع هامش المناورة.
وعودة قنوات التواصل مع مصر لا تعكس فقط تحسنًا ثنائيًا، بل محاولة لمنع انغلاق المتوسط عليها في معادلة اصطفاف وتكتل بين دوله.
تركيا، حتى الآن، تتعايش مع “الردع بلا إعلان” ما دام بقي مرنًا وغير مُعلن. لكن هذا التعايش يظل مشروطًا: أي انتقال من الردع الصامت إلى الاصطفاف الصريح ضدها قد يغيّر الحسابات.
مصر: إدارة الأمان ومنع انغلاق المحاور
في المقابل، لم يكن هذا التوازن قابلًا للاستمرار دون عامل كابح، يمنع تحوله إلى اصطفاف.
هنا يبرز الدور المصري. فالقاهرة التي لم تنخرط في الترتيب الدفاعي، بقيت حاضرة في نتائجه. موقعها كمركز طاقة وعقدة بحرية أساسية منح التوازن طابعًا أقل حدّة، ومنع تحوله إلى محور صلب.
تتعامل مصر مع التعاون الدفاعي الإسرائيلي مع اليونان وقبرص، من زاوية أوسع من حدود شرق المتوسط وحده، حيث لا ترى القاهرة المتوسط ساحة منفصلة، بل جزءًا من مسرح بحري ممتد يتصل بالبحر الأحمر، حيث تتداخل الملاحة العالمية وأمن الطاقة وحسابات الردع الإقليمي.
من هذا المنظور، لا يُقرأ التعاون الدفاعي بوصفه تهديدًا مباشرًا، لكنه أيضًا لا يُنظر إليه كترتيب محايد بلا تبعات وإلا صار تهوينا من قدر التحالف.
لا تنخرط القاهرة في ترتيبات دفاعية موجّهة، لكنها حاضرة بقوة في نتائجها، بحكم ثقلها الطاقي والبحري وموقعها كعقدة ملاحة لا يمكن تجاوزها. هذا الموقع يمنحها دورًا مختلفًا؛ ضبط سقف التوازن لا إعادة رسمه بالقوة.
تزداد أهمية هذا الدور مع تغيّر البيئة الأمنية في البحر الأحمر. فتصاعد التحركات الإسرائيلية هناك فرض على إسرائيل إعادة توزيع انتباهها البحري، والنظر إلى المتوسط والبحر الأحمر كساحتين متصلتين، وهذا الترابط يجعل إسرائيل أقل ميلًا لتحويل تعاون شرق المتوسط إلى التزام دفاعي صلب، وأكثر حرصًا على إبقائه مرنًا، لا يضيف أعباء جديدة في لحظة توسّع فيها دوائر الاشتباك، ولهذا، لا تقوم القاهرة بدور الوسيط، ولا تنخرط فيه كطرف، بل بدور كاسر الاصطفاف.
فكلما اتجهت الترتيبات نحو الانغلاق، أعادت مصر فتح الطريق، لا عبر التصعيد، بل عبر إعادة توزيع الوزن بين المسار الطاقي والمسار الأمني.
ويُطرح هنا تساؤل: هل سعي مصر إلى تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، ثم وصولها لاحقًا إلى اتفاق ثنائي مع إسرائيل، يُمثّل نقطة ضعف في ظل التعاون الدفاعي الإسرائيلي– اليوناني– القبرصي؟
الواقع، أن العكس هو الصحيح. فالمنتدى لم يكن إطارًا للتكتّل، بقدر ما كان أداة لإعادة مركزية مصر في معادلة الغاز، وتحويلها إلى العقدة التشغيلية التي تمر عبرها المصالح. والاتفاق مع إسرائيل لم يأتِ خارج هذا الإطار، بل بوصفه ثمرة له.
كما تفاوضت فيه القاهرة من موقع المركز لا من موقع الطرف، في وقت ظل فيه التعاون الدفاعي الثلاثي منفصلًا عن معادلة الجدوى الاقتصادية التي ما زالت مصر تمسك بمفاتيحها.
بهذا المعنى، لا تُعارض مصر التعاون الدفاعي، ولا تلتحق به، بل تُعيد تعريف حدوده. شرق المتوسط يمكن أن يُدار بالردع، لكنه لا يحتمل أن يُدار بمحاور مغلقة، لأن ارتداد ذلك لن يتوقف عند حدوده.
عسكرة شرق المتوسط: الخطر الكامن
الخطر لا يكمن في التحالفات المعلنة، بل في تحوّل الردع إلى مناخ دائم. عسكرة المتوسط، لا تأتي بقرار واحد، بل بالتراكم: مناورات، وجود بحري، حماية منشآت، ثم يصبح الوجود العسكري هو القاعدة.
الأخطر أن العسكرة لا تقتصر على ما فوق السطح. فالمتوسط بات حافلًا بطبقة غير مرئية من عسكرة الغواصات وقدرات الرصد والضرب في العمق، ما يخلق معادلات ردع مغلقة، تزيد من هشاشة الاستقرار حتى في لحظات الهدوء.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا التحفظ في توصيف التعاون الدفاعي بوصفه تقليلًا من وزنه، بل توصيفًا دقيقًا لقوته الحقيقية؛ فخطورة هذا الترتيب لا تكمن في صلابته المُعلنة، بل في قدرته على تغيير السلوك الإقليمي في لحظة، بمعنى أدق قوة هذا الترتيب ظهرت حين استطاع تقييد خيارات خصومه، دون أن يُطلق رصاصة واحدة أو يوقّع معاهدة دفاع ملزمة.
خاتمة
لا يعتبر التعاون الدفاعي الإسرائيلي– اليوناني- القبرصي تحالف حرب، لكنه في نفس الوقت ليس بلا تبعات.
ويمكن توصيفه، بأنه محاولة لإدارة التوازن في بحر مزدحم، باستخدام الردع والغموض بدل الإعلان والحسم. نجاحه مرهون ببقائه في المنطقة الرمادية، وبوجود كوابح تمنع تحوّله إلى محور مغلق.
في ذات الوقت، شرق المتوسط يقف عند مفترق طرق، إما ردع بلا إعلان يُدار بعناية ويمنع الانفجار، وإما عسكرة تتراكم حتى تُجبر أطراف على المواجهة لحظة ما شبيهة بما يحدث الآن في البحر الأحمر.
والفارق بين المسارين لا تصنعه القوة وحدها، بل من يملك شجاعة ضبطها، قبل أن تتحول هي إلى من يدير السياسة.






