في صبيحة الثالث من يناير عام 2026، استيقظ العالم على مشهد، لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة، مشهد جسّد تحولاً جذرياً في كيفية ممارسة القوة العظمى لسلطتها. لم تكن عملية “العزم المطلق” (Operation Absolute Resolve) مجرد ضربة عسكرية جراحية عابرة أو محاولة تقليدية لتغيير نظام سياسي في أمريكا اللاتينية، بل كانت الإعلان الرسمي والعملي عن موت “نظام وستفاليا” الذي حكم العالم منذ عام 1648. من خلال القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والسيدة الأولى سيليا فلوريس ونقلهما قسراً إلى الأراضي الأمريكية، لم تكتفِ إدارة دونالد ترامب بإنهاء حقبة سياسية في كاراكاس، بل أرست مدماكاً جديدا في القانون الدولي، يسمى “تجريم السيادة”.
هذا المفهوم الجديد القديم لا يكتفي بتجاوز الحصانات الدبلوماسية المتعارف عليها، بل يعيد صياغة تعريف “الدولة” لتصبح في نظر القوة العظمى مجرد “منظمة إجرامية”. إن هذا التحول يمثل سابقة خطيرة، تستبدل التوافق القانوني الدولي بسلطة التقدير الأحادي القائم على القوة المسلحة، مما يضع النظام العالمي بأسره أمام تساؤلات وجودية حول ماهية السيادة في عصر القطبية المتوحشة، وما إذا كان القانون الدولي قد تحول إلى مجرد أداة في يد الأقوى.
“العزم المطلق” وانهيار الردع التقليدي
كانت العملية العسكرية التي أدت إلى اختطاف مادورو وزوجته تتويجاً لاستراتيجية خنق طويلة الأمد وعابرة للقارات، عُرفت بـ “الرمح الجنوبي”. بدأت ملامح هذه الاستراتيجية قبل أشهر من التنفيذ عبر حشد عسكري بحري وجوي غير مسبوق في منطقة البحر الكاريبي، تضمن اعتراض ناقلات النفط الفنزويلية وتجفيف منابع التمويل تحت مسميات “مكافحة التهريب”. ولكن في تمام الساعة الثانية صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة كاراكاس في ذلك اليوم المشهود، تحول الضغط النفسي والاقتصادي إلى انفجار عسكري شامل ومباغت.
استخدمت الولايات المتحدة في هذه العملية ترسانة تكنولوجية هائلة، تعكس الرغبة في إظهار التفوق المطلق؛ حيث قامت أكثر من 150 طائرة حربية، تتقدمها مقاتلات الجيل الخامس من طراز F-22 Raptor و F-35 Lightning II، بشل حركة الدفاعات الجوية الفنزويلية تماماً. لم تكن الأهداف مجرد منشآت عسكرية عادية مثل “حصن تيونا” الاستراتيجي وقاعدة “لا كارلوتا” الجوية، بل كانت الأهداف الحقيقية هي تحطيم مراكز القيادة والسيطرة وخلق حالة من “الصدمة والترويع”، تتيح لقوات النخبة التحرك في صمت مطبق داخل العاصمة.
تحت ستار انقطاع التيار الكهربائي الشامل الذي لف المدينة، نفذت عناصر “قوات دلتا” (Delta Force) بالتعاون مع فريق إنقاذ الرهائن التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عملية الاقتحام للمجمع الرئاسي. الروايات المسربة من كواليس العملية تشير إلى أن مادورو حاول اللجوء إلى “غرفة آمنة” محصنة، لكن سرعة التنفيذ والتقنيات الأمريكية المستخدمة في اختراق التحصينات، حالت دون إغلاق الأبواب النهائية. وفي غضون ساعات، تم نقل الرئيس وزوجته معصوبي الأعين إلى حاملة الطائرات USS Iwo Jima. إن الصورة التي نشرها الرئيس ترامب لاحقاً على منصة “تروث سوشيال”، والتي تُظهر مادورو ببدلة رياضية رمادية على متن السفينة الحربية، لم تكن مجرد توثيق لنجاح عسكري، بل كانت رسالة رمزية مهينة، تهدف إلى “نزع القدسية” عن منصب رئيس الدولة وتحويله أمام الرأي العام العالمي من “قائد سياسي” إلى مجرد “مطلوب للعدالة” في قضية جنائية. وبحلول المساء، كان مادورو قد وطأت قدماه قاعدة ستيوارت الجوية في نيويورك، ليبدأ فصلاً جديداً من الملاحقة القضائية في المنطقة الجنوبية لنيويورك.
فلسفة “تجريم السيادة” ونزع الشرعية
يمثل مفهوم “تجريم السيادة” الابتكار القانوني الأكثر إثارة للجدل والخطورة في القرن الحادي والعشرين. في الفقه القانوني الدولي التقليدي، تُعتبر السيادة “حقاً قانونياً مطلقاً” يحمي استقلال الدولة، وتُمنح الحصانة الشخصية لرؤساء الدول لضمان قدرة الدول على التفاعل فيما بينها دون خوف من الملاحقات الكيدية. إلا أن إدارة ترامب، بحيل قانونية وسياسية، استغلت ما يمكن تسميته بـ “ثغرة عدم الاعتراف” لنسف هذه الأسس.
منذ عام 2019، بدأت واشنطن تمهد لهذا اليوم عبر تصنيف مادورو ليس كرئيس شرعي، بل كـ “مغتصب للسلطة” و”مواطن عادي هارب”. ومن هنا، تم الانتقال من معاملة فنزويلا كدولة ذات سيادة إلى تعريفها كـ “منظمة إجرامية عابرة للحدود الوطنية”.
- الدولة كواجهة للكارتل
بموجب هذا الإطار الجديد، أعيد تعريف مؤسسات الدولة الفنزويلية؛ لتصبح مجرد أدوات في يد “كارتل الشمس”. هذا التصنيف سمح للمدعين العامين الأمريكيين، وعلى رأسهم المدعية العامة بام بوندي، بالدفع بأن السيادة ليست درعاً، يحمي القادة من العقاب، بل هي “مسئولية”؛ فإذا استخدم القائد سلطات الدولة لتسهيل الجريمة المنظمة أو الإرهاب، فإنه يفقد شرعيته السيادية تلقائياً. لقد تحولت المداهمة العسكرية، في السردية الأمريكية، من فعل حربي إلى مجرد “عملية إنفاذ قانون” لتنفيذ مذكرة توقيف صادرة عن محكمة محلية.
- الكوكايين كسلاح دمار شامل (عقيدة الدفاع عن النفس)
في خطوة هي الأكثر راديكالية وتجاوزاً للمواثيق، أعادت الإدارة الأمريكية تعريف ماهية “الهجوم المسلح”. بدلاً من انتظار هجوم صاروخي أو غزو تقليدي، زعمت الإدارة، أن تصدير مادورو للكوكايين إلى الشوارع الأمريكية يمثل هجوماً بيولوجياً واجتماعياً، يعادل استخدام “أسلحة الدمار الشامل”. هذا التفسير سمح للولايات المتحدة بالاستناد إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مدعية أنها في حالة “دفاع عن النفس”. يرى النقاد، أن هذا الدمج بين صلاحيات الحرب وإنفاذ القانون الجنائي يمثل “هجيناً قانونياً” مشوهاً، يمنح الرئيس الأمريكي سلطات شبه مطلقة لاغتيال أو اختطاف أي زعيم أجنبي، يرى فيه تهديداً “إجرامياً” لمصالح بلاده.
من نورييجا إلى مبدأ “كير- فريزبي”
لم تكن عملية اختطاف مادورو وليدة الصدفة، بل استندت إدارة ترامب إلى إرث قضائي أمريكي مثير للجدل، تم إحياؤه وتطويره. السند الرئيسي كان “سابقة نورييجا” عام 1989، حين قامت القوات الأمريكية بغزو بنما لاعتقال الزعيم مانويل نورييجا بتهم تهريب المخدرات. في تلك القضية الشهيرة (الولايات المتحدة ضد نورييجا)، قضت المحاكم الأمريكية، بأن الطريقة التي يتم بها إحضار المتهم إلى قاعة المحكمة- حتى لو كانت عبر الاختطاف العسكري- لا تبطل اختصاص المحكمة في محاكمته.
هذا المبدأ مدعوم بقاعدة قانونية قديمة، تسمى “مبدأ كير- فريزبي” (Ker-Frisbie Doctrine)، والتي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، وتتلخص في القاعدة اللاتينية: “القبض قد يكون سيئاً أو غير قانوني، لكن الاحتجاز والمحاكمة صحيحان وقانونيان”.
وعلى الرغم من الفوارق الجوهرية بين حالة نورييجا ومادورو- حيث أن الأخير يشغل منصباً منتخباً وله اعتراف دولي أوسع- إلا أن الإدارة الأمريكية تلاعبت بـ”الاعتراف التنفيذي”. فبما أن السلطة التنفيذية في واشنطن تملك الحق الحصري في تقرير من هو الرئيس الشرعي لأي دولة، فإن اعترافها بشخصيات المعارضة وسحبها الاعتراف بمادورو، خلق “فراغاً سيادياً” مكنها من معاملته كمجرم عادي. والأخطر من ذلك، هو السعي الأمريكي لتشكيل حكومة انتقالية في كاراكاس، تقوم بمنح “موافقة رجعية” على العملية، مما يحول فعل الاختطاف قانونياً إلى “تسليم مجرمين تعاوني”، يغطي على الانتهاك الصارخ للسيادة.
مبدأ “دونرو”: الهيمنة الاقتصادية وإعادة استعمار الموارد
خلف الستار الكثيف للتهم الجنائية والدفاع عن حقوق الإنسان، تبرز الدوافع الجيو سياسية والاقتصادية الفجة. أطلق المحللون على سياسة ترامب الجديدة اسم “مبدأ دونرو” (Donroe Doctrine)، وهو مزيج رمزي بين اسم “دونالد ترامب” و”مبدأ مونرو” التاريخي الذي أُعلن في عام 1823.
يؤكد هذا المبدأ المحدث، على أن “الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن تُشكك فيها مرة أخرى”، معتبراً أن الأمريكتين منطقة تخضع للمصالح الأمريكية العليا فوق أي اعتبار للقانون الدولي أو السيادة الوطنية للدول الأخرى. وكان الدافع المحرك والجوهري خلف هذه العملية هو السيطرة المطلقة على صناعة النفط الفنزويلية، حيث تمتلك البلاد أضخم احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم.
صرح ترامب بوضوح، أن الولايات المتحدة لن تكتفي بعزل مادورو، بل ستتولى “إدارة” فنزويلا خلال المرحلة الانتقالية، مع ضمان مشاركة شركات النفط الأمريكية العملاقة في إعادة بناء البنية التحتية المتهالكة لصناعة النفط. تم تقديم هذا الاستحواذ الاقتصادي تحت ذريعة “التعويضات” عن الأصول الأمريكية التي أُممت في عهد هوجو شافيز، وعن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الأمريكي جراء سياسات مادورو. إن هذا الربط المباشر بين “عملية إنفاذ قانون” وبين “الاستحواذ على الموارد الطبيعية” يمثل في نظر الكثيرين، عودة صارخة إلى “الإمبريالية العارية” وأساليب الاستعمار في القرن التاسع عشر، ولكن ببدلة قانونية وقضائية حديثة.
نحو عالم بلا قواعد
1- نهاية مفهوم السيادة
من خلال اتخاذ قرار أحادي الجانب بشأن “شرعية” القادة الأجانب، بناءً على لوائح اتهام جنائية محلية، أرسلت الولايات المتحدة رسالة، مفادها أن السيادة ليست حقاً دولياً، بل هي “امتياز” تمنحه واشنطن، لمن تشاء وتنزعه عمن تشاء. فإذا استطاعت أي دولة قوية عزل زعيم، تتهمه بارتكاب جريمة (حتى لو كانت الجريمة محل خلاف)، فإن مبدأ عدم التدويل يصبح في حكم الميت، ويتحول العالم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية عبر القضاء العسكري.
2- سابقة للعدوان العالمي وشرعنة التوسع
يحذر الخبراء الاستراتيجيون، من أن هذا الفعل الأمريكي يقدم “هدية” للقوى الكبري الأخرى. فقد تستخدم الصين “سابقة مادورو” غداً لتبرير غزو تايوان أو اعتقال قادتها تحت ذريعة “مكافحة الانفصال الإجرامي”. كما قد تجد روسيا في هذه السردية مبرراً كاملاً لاختطاف قادة في أوكرانيا أو دول البلطيق ووصفهم بـ “الإرهابيين”، وكما حذر السيناتور مارك وارنر، فإن كسر القواعد التي تحد من الفوضى العالمية سيؤدي بالضرورة إلى انهيار الأمن الجماعي.
3- تآكل وتهميش المؤسسات الدولية
فشل الولايات المتحدة في السعي للحصول على أي تفويض من الأمم المتحدة، وتجاوزها للكونجرس نفسه في تنفيذ العملية، يضعف المؤسسات متعددة الأطراف بشكل قاتل. وبما أن واشنطن تملك حق النقض (الفيتو)، فإنها تضمن الإفلات من أي عقاب دولي، مما يجعل مجلس الأمن يبدو “عديم القيمة”، ويدفع الدول الصغرى والناشئة إلى البحث عن تحالفات عسكرية خاصة أو امتلاك أسلحة ردع نووية لحماية رؤسائها من الاختطاف.
4- خطر المعاملة بالمثل والارتداد الإمبراطوري
باختطاف زعيم أجنبي، فتحت الولايات المتحدة باباً، لن يغلق بسهولة، وهو “المعاملة بالمثل”. قد تبدأ دول أخرى، رداً على ذلك، في إصدار مذكرات توقيف بحق مسئولين أمريكيين (دبلوماسيين، جنرالات، أو حتى رؤساء سابقين) بتهم ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” أو “انتهاك السيادة الوطنية”. هذا التحول قد يجعل الأفراد الأمريكيين العاملين في الخارج عرضة لعمليات “تسليم انتقامية”، مما يحول الساحة الدولية إلى غابة من الملاحقات القضائية المتبادلة.
5- عدم الاستقرار الإقليمي وحرب العصابات الطويلة
تكتيكياً، نجحت العملية في قطع رأس النظام، لكنها تفتقر إلى رؤية استراتيجية، لما بعد مادورو. لا تزال “الأيديولوجية الشافيزية” متغلغلة في أوساط الجيش والشعب، ونائبة الرئيس ديلسي رودريجيز لا تزال تقود بقايا النظام من مخابئ سرية. هذا الوضع يمهد الطريق لانزلاق فنزويلا إلى حرب عصابات وحرب أهلية طويلة الأمد، تشارك فيها جماعات مسلحة عابرة للحدود، مما سيهدد أمن الطاقة الإقليمي، ويؤدي إلى موجات نزوح بشرية، ستنفجر في وجه القارة بأكملها.
الخلاصة: تحول بنيوي في الحوكمة العالمية
يُعدّ اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته حدثاً تاريخياً بامتياز، ليس لمجرد كونه عملية كوماندوز ناجحة، بل لأنه يفرض واقعاً جديداً في الحوكمة العالمية. لقد نجحت إدارة ترامب في تحويل السيادة من “حالة قانونية ثابتة” إلى “عقد قابل للإلغاء”، إذا ما وُصم القائد بـ”الإجرام” من قِبل القوة المهيمنة.
في هذا العالم الجديد، لم تعد قدسية الحدود وحصانة المكاتب السيادية قيماً مطلقة. لقد انتقل النظام الدولي من مجتمع يحكمه القانون المشترك إلى مشهد مجزأ، تحدده القدرات العسكرية والشهية الاقتصادية. وبينما تباشر الشركات الأمريكية “إدارة” الثروات الفنزويلية، يدرك بقية العالم، أن القانون الحقيقي الوحيد المتبقي هو القانون المدعوم بأقوى سلاح وأكبر حاملة طائرات.
إن “تجريم السيادة” يشبه حياً، يقرر فيه عمدة معين ذاتياً أن “حقوق الملكية” لأحد الجيران باطلة، لمجرد أن هذا الجار مشتبه به في سلوك غير قانوني، وبمجرد أن يقتحم العمدة الباب ويستولي على المنزل ومحتوياته، يدرك كل جار آخر في الحي، أن باب منزله ليس قوياً، بما يكفي لحمايته، وأن أمنه لا يعتمد على صكوك الملكية (القانون الدولي)، بل على مدى رضا العمدة عنه في تلك اللحظة.






