لم يكن غض الصوت الإماراتي عن اعتراف بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بإقليم الصومال المنفصل “صوماليلاند” مفاجئا في ظل تقاطع المصالح بينهما، فأبوظبي سبق أن طورت هي الأخرى علاقات مع الإقليم المنشق، وتدير قاعدة عسكرية بمدينة بربرة الساحلية على خليج عدن، واستخدمتها بالفعل في عملياتها باليمن والسودان.
تستهدف الإمارات من تواجدها بالإقليم وضع يدها على مواني الصومال، وتوسيع نطاق نفوذها الاقتصادي بإفريقيا عبر استثماراتٍ بالمواني والمطارات ومشاريع البنية التحتية، ولا تقتصر هذه الاستثمارات على المصالح التجارية فحسب، بل تُعدّ أيضاً خطواتٍ استراتيجيةً لتعزيز نفوذها.
خلال 2016، عقدت الإمارات وحكومة صوماليلاند الانفصالية، غير المعترف بها دوليًا، اتفاقًا بمقتضاه تتولى مواني دبي حق تطوير وإدارة ميناء بربرة. مقابل حصة 65% من عائدات الميناء، ولاحقًا قررت الإمارات ضم إثيوبيا إلى الاتفاق، وأعطتها 19% من عائدات الميناء، ما أثار غضب مقديشو وشعب الصومال، الذي اعتبر الاتفاق انتهاكًا لوحدة وسيادة بلاده.
وأعلنت الحكومة الفيدرالية الشرعية والمعترف بها دوليا، أن الاتفاقية غير قانونية وتمت بشكل أحادي، ولم يتم تمثيل حكومة الصومال الرسمية فيها، ليصوت البرلمان الاتحادي بالأغلبية ببطلان الاتفاقية، ورغم ذلك سيطرت الإمارات على الميناء بمساعدة الحكومة الانفصالية.
“الإمبريالية” بالوكالة والأصالة
يُقدّم إطار مفهوم “شبه الإمبريالية”، الذي طرحه الباحث البرازيلي روي ماورو ماريني، رؤى قيّمة لتحليل استراتيجيات الإمارات وتأثيراتها، ويُبيّن هذا المفهوم كيف يُمكن لدولة الإمارات أن تكون في آنٍ خاضعةً للإمبريالية “السيطرة الأجنبية” وفاعلةً في ممارساتها ضمن نطاق نفوذها.
ويشير المفهوم إلى ظاهرةٍ، تتصرّف فيها دولةٌ، بطرقٍ تتوافق مع مصالح القوى الإمبريالية أو تدعمها، داخل منطقتها، وتتميز هذه الظاهرة بأفعالٍ تُوسّع النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري للدولة على دولٍ أو مناطق أخرى، غالبًا نيابةً عن القوى العالمية المهيمنة أو بالتعاون معها.
تُجسّد دولة الإمارات بوصفها دولةً هامشيةً، تُمارس ممارسات توسعية داخل منطقتها مع بقائها تابعةً لأمريكا، كقوةٌ إمبرياليةٌ مركزية، التحوّل إلى دولةٍ شبه إمبريالية، وهو ما يتشابه بدرجة أو بأخرى مع دور إسرائيل أيضا.
استغلت الإمارات ثروتها وعلاقاتها الاستراتيجية مع القوى الغربية؛ لبسط نفوذهما “أي نفوذها ونفوذ القوى الغربية” في المنطقة. ودعمت فصائل مختلفة، بما في ذلك المرتزقة والمتمردين، لتعزيز مصالحهما وفرض هيمنتهما الإقليمية.
مصالح جيو سياسية
يمكننا استنتاج أن مصالح الإمارات الجيو سياسية والاستراتيجية في إفريقيا تتمحور أساساً حول ثلاثة أهداف، أن تبرز كقوة مؤثرة في إفريقيا وخارجها، وأن تعادي جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من التهديدات الأمنية، بما في ذلك حركة الشباب والحوثيين، وأن تحمي مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في إفريقيا.
ويُعرف على نطاق واسع، أن استراتيجية الإمارات الإقليمية مدفوعة بطموحات الهيمنة الاقتصادية والتوسع السياسي ومواجهة التهديدات المتصورة من الحركات السياسية الإسلامية وإيران، لكن في إفريقيا يحكمها إطار آخر، يتمثل في السيطرة على المواني.
ترسم الإمارات حاليا خرائط مناطق النفوذ، خاصة بمنطقة القرن الإفريقي، إذ تستهدف السيطرة على المضائق والممرات البحرية، فيضمن الوجود الإماراتي في عصب (إريتريا) و(صوماليلاند) السيطرة على حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وخليج عدن، وهما محوران حيويان للتجارة العالمية.
ويمثل شرق إفريقيا محورًا طبيعيًا لتوسع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي عززت وجودها الاقتصادي والسياسي هناك بشكل ملحوظ، عبر الاستثمارات الاستراتيجية كتطوير محطات الطاقة الشمسية وتحديث ميناء مومباسا في كينيا، وتمويل الممرات الصناعية في إثيوبيا (بقيمة 1.2 مليار دولار أمريكي في عام 2024)، ومشاريع الطاقة الحرارية الأرضية في أوغندا وتوقيع الشراكات الاقتصادية كاتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع كينيا في يناير 2025.

أما غرب ووسط إفريقيا فتمثل الحدود الجديدة للنفوذ الإماراتي، وتعمل عليها باستثمارات في استغلال الكوبالت والنحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية (3.5 مليارات دولار مُخطط لها بحلول عام 2026)، والبنية التحتية للمواني في السنغال، والاستثمار الزراعي بالاستحواذ على أراضٍ في نيجيريا وغانا وناميبيا لضمان الأمن الغذائي للإمارات.
السيطرة بالاستثمار والأموال

على مدى العقود الماضية، استثمرت الإمارات، ما يقارب 60 مليار دولار أمريكي بالدول الإفريقية، ما يجعلها رابع أكبر مستثمر أجنبي مباشر في القارة، بعد الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وفي العامين الماضيين فقط، تعهدت الإمارات باستثمار 97 مليار دولار أمريكي في إفريقيا، أي ثلاثة أضعاف التزامات الصين.
يتمحور جوهر استراتيجية الإمارات الجيو سياسية حول التركيز على الاستحواذ على امتيازات المواني التي تُحيط بالقارة الإفريقية، وتتوسع مواني دبي العالمية (التي تدير عملياتها في 40 دولة) بقوة في جميع أنحاء إفريقيا، وتفتخر باستثماراتها في مصر والجزائر وجيبوتي ورواندا وأرض الصومال وموزمبيق والسنغال وكينيا، واستحوذت شركة تابعة لها على حصة مسيطرة في شركة AFMCG النيجيرية.
إضافةً إلى المواني الساحلية، استثمرت الإمارات العربية المتحدة في مواني جافة ومراكز حاويات في المناطق الداخلية الإفريقية، مع وجود مراكز رئيسية في المغرب ونيجيريا ورواندا وجنوب إفريقيا وتنزانيا.
تؤدي هذه المواني إلى جانب أكثر من 70 مركزًا لوجستيًا في جميع أنحاء القارة الإفريقية، أدوارًا متعددة في استراتيجية الإمارات التوسعية. فهي مصممة ليس فقط لتسهيل الاستحواذ على الأراضي واستخراج الموارد في إفريقيا، بل أيضًا لخدمة طموحات الإمارات العسكرية.
برزت الإمارات كمستثمر عالمي بارز في مجال الأراضي مع تركيزها بشكل أساسي على دول إفريقيا. في السنوات الأخيرة، كثّفت الدولة استحواذها على الأراضي في العديد من الدول الإفريقية لإنتاج الغذاء ومشاريع تعويض انبعاثات الكربون.
الاستحواذ على الاراض الزراعية

استحوذت الإمارات على أراضٍ زراعية بمصر وإثيوبيا وكينيا ومدغشقر والمغرب وناميبيا وسيراليون والسودان وأوغندا وتنزانيا. ونتج عن هذه الاستثمارات، التي غالبًا ما تكون ذات طبيعة استخراجية، آثارا بالغة على السكان المحليين والنظم البيئية. وفي كثير من الحالات، تُزرع محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، مثل البرسيم، لإطعام الماشية في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مما يُبيّن أن هذه الأنشطة لا تُعدّ استيلاءً على الأراضي فحسب، بل على المياه أيضًا.
يؤدي الإنتاج الواسع النطاق للمحاصيل والفواكه والخضراوات والماشية في كثير من الأحيان إلى استنزاف الموارد المحلية، مما يُفضي إلى انعدام الأمن الغذائي وتدهور البيئة في الدول المضيفة. علاوة على ذلك، تُعالَج المواد الخام المستوردة إلى الإمارات العربية المتحدة أحيانًا، ثم تُباع مرة أخرى إلى الدول الإفريقية بأسعار أعلى بكثير.
وفي بعض الحالات، كان لتأثير الإمارات في تأمين الإمدادات الغذائية عواقب اجتماعية وبيئية أوسع نطاقًا، خاصة على النزاعات بين المزارعين والرعاة في السودان والصومال، ما سهّل تصدير الماشية على نطاق واسع على حساب الدولة.
بحسب “ذا أوبزرفر”، فإن الإمارات تتوسع ايضًا في مجال التقنية بإفريقيا، بعدما وقعت شراكات قائمة مع أربع حكومات إفريقية، تشمل استثمارًا بقيمة 90 مليون دولار في مركز بيانات وحوسبة سحابية في أنجولا، ومركزًا للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي بقيمة مليار دولار في أكرا، غانا، كما تعهّدت الإمارات بعقد 20 شراكة أخرى مع حكومات من بينها رواندا والسنغال وزيمبابوي.
تمثل شركة بريسايت إيه آي الإماراتية لتحليلات البيانات الضخمة، ذراع أبوظبي الذي يعمل الفعل في ثماني دول إفريقية، تستفيد من “رأس مال بريسايت، وبنيتها التحتية الحاسوبية، وخبرتها التقنية العميقة”، لكن ذلك التدخل لا يخلو من مآرب أخرى، تلك المآرب يمكن الكشف عنها بسهولة، فبمجرد أن تبني دولة ما بنيتها التحتية للبيانات بالاعتماد على مزود إماراتي، يصعب استبداله، وبالتالي يُمكّن الاستثمار في الخارج أبوظبي من ترسيخ مكانتها في مجال الذكاء الاصطناعي الناشئ كشريك يتعين على الدول الأخرى التعاون معه وعدم استبداله.
استراتيجية الانفصال الإماراتية
في صحيفة لوموند الفرنسية، يقول البروفيسور جان بيير فيليو، الخبير في شؤون الشرق الأوسط وأستاذ العلاقات الدولية في تحليل بعنوان “استراتيجية الانفصال الإماراتية”، إن الإمارات انتهجت على مدى أكثر من عقد من الزمان استراتيجية “تغذية النزعات الانفصالية” داخل الدول العربية، وتهدف هذه السياسة إلى تقويض أي مشروع سياسي، يعكس الإرادة الشعبية أو يعزز الوحدة الوطنية.
إلى جانب مشاركتها العسكرية في التحالف ضد الحوثيين، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي بالأسلحة والتمويل للسيطرة على أجزاء واسعة من جنوب اليمن، ولا يهدف دعم أبوظبي إلى تعزيز الشرعية، بل إلى تفتيت اليمن إلى فصائل متنافسة موالية لمصالحها عبر وكلاء محليين.
تلعب الإمارات دورًا محوريًا في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع في السودان بقيادة حميدتي، بما في ذلك نشر طائرات مسيرة ضد المدنيين، ويمتد نفوذها من الخرطوم إلى دارفور والمواني السودانية الرئيسية، وتسعى أبوظبي إلى تقسيم السودان جغرافيًا؛ لتحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية استراتيجية.
بحسب صحيفة لوموند، فإن الإمارات رغم أنها تروج لصورتها كمنارة للاستقرار والتحديث، هو في الواقع العقل المدبر وراء واحدة من أخطر أجندات التفتيت في العالم العربي، ويشمل ذلك تقويض الثورات، وإطالة أمد الحروب الأهلية، وتحويل الدول إلى كيانات تابعة صغيرة تدور حول أبوظبي.
يخلص مقال صحيفة “لوموند”، إلى أن هدف الإمارات ليس الاستقرار الإقليمي- كما تدعي من خلال دعمها “للأنظمة القوية”، بل هندسة عالم عربي ممزق، وتسعى من خلال السيطرة على جيوب الانفصاليين، إلى تحقيق هيمنة جيو سياسية مستدامة تحت ستار الأمن والتنمية الاقتصادية.






