لعل القراء يتذكرون أني كتبت هنا عن سقوط وهم اللحظة الخليجية لقيادة الإقليم. وذلك بسبب الغارة الإسرائيلية على قطر في شهر سبتمبر الماضي.
في ذلك الوقت لم يتوقع أحد، أنه بعد ثلاثة أشهر من تلك الغارة سيحدث زلزال، يحطم ما اعتُقِد أنه النواة الصلبة لتلك القيادة الخليجية المزعومة، وذلك بتحطم التحالف السعودي الإماراتي على جبال وسواحل اليمن الجنوبي، إذ جاء القرار السعودي الرافض بالمطلق- وبخشونة واضحة-لسياسة ووجود دولة الإمارات العربية في اليمن، والمصحوب بعمليات عسكرية ضد الحلفاء الإماراتيين؛ ليجهز تماما ونهائيا على تلك العقيدة أو النظرية، المسماة باللحظة الخليجية، ويحذفها ليس فقط من الرهانات الدولية والإقليمية، ولكن من أذهان الذين صدقوها، منذ ترددت همسا في أعقاب تحرير الكويت من الغزو العراقي عام ١٩٩١، وتسببت في فشل إعلان دمشق للأمن والتعاون بين كل من مصر وسوريا وبين دول مجلس التعاون الخليجي الست، كما كنا قد ذكرنا في سلسلة مقالاتنا المشار إليها في بداية هذه السطور.
كان مؤدّى تلك النظرية أن ملأ الفراغ الاستراتيجي وحفظ الأمن وتوازن القوى في الخليج والشرق الأوسط هو مسئولية مشتركة بين دول الخليج فقط، وبين الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها القوة العظمى الوحيدة، وبوصفها صاحبة المصالح الاقتصادية والاهتمامات الاستراتيجية الأكبر في الإقليم، كما في كل مكان في العالم تقريبا، ومن ثم، فلا حاجة بعد الآن لدور مصري أو سوري، أو لكليهما، وكما نعرف فقد آلت قيادة مجلس التعاون الخليجي في نهاية المطاف إلى التحالف السعودي الإماراتي الذي انهار رسميا منذ أيام على جبال وسواحل اليمن، كما سبق القول.
وقد جاء هذا الانهيار بعد بضعة أسابيع فقط من صدور تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي الذي رشح السعودية والإمارات وتركيا لقيادة الشرق الأوسط، مع إسرائيل بالطبع، واستبعد مصر لأول مرة في تاريخ الفكر الاستراتيجي الأمريكي، وكذلك جاء انهيار التحالف السعودي الإماراتي والسقوط النهائي لمقولة اللحظة الخليجية بعد وقت قصير أيضا من إعلان وثيقة الأمن القومي الأمريكي الرسمية، والتي كانت بدورها قد حددت ذلك التحالف الخليجي كوكيل استراتيجي للولايات المتحدة، بالتعاون طبعا مع إسرائيل، وذلك عندما يكتمل تطبيع العلاقات بينها وبين السعودية!!
وإذن فليست اللحظة الخليجية لقيادة الإقليم هي وحدها التي تحطمت على في اليمن، ولكن أيضا تحطم الرهان الأمريكي على انفراد الخليجيين بقيادة الشرق الأوسط كله بالوكالة، وعلى قرب تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية ،ومن ثم انضمام إسرائيل رسميا لنظام إقليمي للأمن والتعاون، ضد إيران، وضد تعاونها الاستراتيجي مع كل من الصين وروسيا، بما يترتب على ذلك من أدوار ثانوية لبقية دول الإقليم.
وإذن أيضا فإن سقوط تلك الحسبة كلها بشقيها الخليجي والأمريكي وملحقها الإسرائيلي، يعيد أو يمهد لإعادة اكتشاف الحقائق الأساسية في جيوبولتيكا الإقليم التي اعتقد البعض أنه يمكن تجاهلها أو القفز فوقها، حيث الدول المحورية هي مصر والسعودية وتركيا، وحيث تبقى إسرائيل معزولة أو شبه معزولة، حتى التسوية العادلة للقضية الفلسطينية، وحيث الأثقال الاستراتيجية للدول لا تصنعها الفوائض المالية، المجردة من الثقل السكاني، والعمق التاريخيّ ومخزون الخبرة، والمصداقية الأدبية والأخلاقية لدى الشعوب. وهذه كلها تتوافر للدول الثلاث المذكورة أكثر بكثير من غيرها في الإقليم.
من المفارقات، أنني عندما كتبت في غير هذا المكان أقول، إن اللحظة المناسبة لاستئناف التنسيق الاستراتيجي المصري السعودي للقيادة الإقليمية، قد جاءت، فإني تلقيت رسائل (مصرية) كثيرة، تتشكك في إمكانية حدوث ذلك، إما بسبب الصعوبات الاقتصادية، وخاصة مشكلة الديون بالنسبة لمصر، وإما بسبب ما يقال عن نزعة سعودية للانفراد بدور القيادة، وعن منافسة تاريخية بينها وبين مصر.
وفي رأيي أن هذه الشكوك ليس لها ما يبررها، ذلك أن مصر تبقى مهمة ومؤثرة، بما تمتلكه من عناصر قوة معنوية ومادية ظاهرة وكامنة، ومن وعي بمصالحها الاستراتيجية، على نحو ما يظهر من رفضها القاطع للخطة الأمريكية الإسرائيلية لتهجير مواطني غزة إليها جماعيا، وكذلك من رفضها المشاركة في عملية عاصفة الحزم السعودية الإماراتية البحرينية في اليمن، وكذلك على نحو ما يظهر من الإجماع الوطني على أن إسرائيل تبقى خطرا، أو على الأقل تبقى منافسا استراتيجيا، حتى في ظل العلاقات السلمية معها.
وأما ما يقال عن النزعة السعودية للانفراد بالقيادة، والمنافسة التاريخية بينها وبين مصر، فليس للسعودية، وخاصة ليس لولي العهد مصلحة في تحمل مسئولية كل سلبيات الأوضاع العربية وحده أمام شعبه، وأمام المنطقة والعالم والتاريخ، فضلا عن أن ذلك غير ممكن عمليا، وفيما يتعلق بمقولة التنافس التاريخي مع مصر، فإن فترات التفاهم والتعاون بين البلدين أطول كثيرا من فترات التنافس أو الفتور بينهما، وفضلا عن ذلك، يكفي تحدي مشروع إسرائيل الكبرى، وهيمنتها الحالية في المشرق، والمصلحة المشتركة في إعادة تأهيل الدولة في كل من سوريا ولبنان والعراق إلى حد ما.… كل ذلك يكفي لاستبعاد أي تنافس محتمل بين البلدين من أجل التصدي المشترك لهذه المسئوليات الجسيمة.
على أية حال، إذا لم يكن هذا هو ما سيكون، فهو ما يجب أن يكون.






