تُظهر أدبيات الجماعات السياسية الإسلامية وخطاباتها وتصريحات قادتها والمخولين بالحديث نيابة عنها، أنها تدرك أن صراعها لا يقتصر على نظم الحكم الداخلية، في كل بلد عربي أو إسلامي على حدة، إنما أيضًا العالم بأسره، الذي تراه يتآمر عليها، ضمن ما تراها مؤامرة عامة على الإسلام نفسه. وقد رأينا هذا واضحا لدى تقسيم تنظيم الجهاد العالم إلى فساطين، حسب تعبير أسامة بن لادن، وتقسيم ما تراهم خصومها إلى “العدو القريب” و”العدو البعيد”.. المزيد

ويختلف الأمر بالطبع لدى الجماعات المحلية التي يقتصر عملها داخل الدولة، وليس لديها نية ولا عزم، على أن تمد عينيها خارج الحدود مثل “الجماعة الإسلامية” في مصر، عنها لدى جماعات لها فروع في دول عديدة مثل “جماعة الإخوان” التي أنشأت منذ عام 1958 تنظيمًا دوليًا، يقول بعض الباحثين إنه منتشر في سبعين دولة عبر العالم.

وقد رأينا كيف تراعي جماعة الإخوان، فيما تصدره من بيانات، وما تتخذه من قرارات، هذا الحضور العالمي لها، وكيف تقيس أحيانًا موازين القوى على المستوى الدولي، وكيف تتعامل أحيانًا في كل هذا بنوع من المجاراة أو المسايرة التي تبدو خلالها جماعة برجماتية، تزن الأمور أحيانًا بمعايير لا تتطابق بالضرورة، مع ما تؤمن به، وقد تبلغ بها هذه البرجماتية حد عدم التقيد الصارم بما يفرضه الشرع الإسلامي.

ويمكن تحليل هذه المسألة في ظل تصور كيفية تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة محورًا رئيسًا في دراسة النظم الاجتماعية والسياسية في أزمنة متعاقبة، وسياقات مختلفة، وكيف تعززت هذه العلاقة، وازدادت تعقيدًا في السياق العربي في العصر الحديث، لا سيما منذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وفي ظل السيطرة الاستعمارية الأوروبية على معظم دول المنطقة، والتي ساهمت دون شك” في ظهور ما تسمى بـ”الصحوة الإسلامية”؛ بحثًا عن هوية وخصوصية، أو جدار حماية وملاذ، أو فرصة لتعبئة وحشد عقول ونفوس وسواعد للمواجهة، اعتمادًا على الإسلام، كطاقة معرفية وروحية، وقوة دافعة ومحركة للراغبين الآن وهنا في التحدي والتصدي.

ولا يمكن فهم العلاقة بين ما يسمي كثير من الباحثين “الإسلام السياسي” وعملية صنع القرار في المنطقة العربية من منظور أيديولوجي صرف، بل يجب النظر إليها عبر الهدف الرئيسي للنظم السياسية، وهو ضمان استقرارها واستمرارها، الذي يكاد يكون هو “الاستراتيجية” الوحيدة أو الأساسية لديها، ما دفعها إلى انتهاج عدة أساليب في التعامل مع جماعات “الصحوة الإسلامية” أو “الإحياء الإسلامي”، حسب ما تورده بعض الأدبيات، بدءًا من التحايل والمسايرة والاستيعاب، وصولًا إلى المواجهة السافرة عبر الخطاب أو النزعة الأمنية المفرطة “الأمننة”، مرورًا بإبرام الصفقات وإجراء التفاهمات، وحتى استعمال هذه الجماعات كفزاعة للداخل والخارج، بما أطلق يد هذه الأنظمة في تعويق التطور الديمقراطي، بالإبقاء على القوانين والتدابير الاستثنائية، وتوسيع دائرة الاشتباه أيام المواجهات العنيفة، وتبني خطاب دعائي، وتكتيل القوى الاجتماعية المتخوفة أو المناوئة لـ”التيار الإسلامي” لتلتف حول السلطة، وتطعيم الخطاب الرسمي بنزعة دينية؛ لقطع الطريق على هذه الجماعات والتنظيمات في ادعائها احتكار الإسلام، وكل هذا أثر سلبًا على خطاب القوى المدنية.

وما يلفت الانتباه حقًا، أن “صانع القرار لا يتخذ موقفًا ثابتًا من الإسلام السياسي كأيديولوجيا، بل يتبنى مواقف مرنة، تتراوح بين الاستيعاب والإبعاد، والملاينة والقمع، تبعًا لمدى ما تمثله هذه التيارات أو غيرها من تهديد محتمل لبنية النظام واستقراره”، إذ أن الجماعات السياسية الإسلامية هي التي تشكل خطرًا مستمرًا على نظم الحكم، لأنها صاحبة تنظيمات مُحكَمة، تضمن لها الاستفادة من قوة التنظيم ومنها البقاء على قيد الحياة الاجتماعية والسياسية وقتًا أطول من غيرها، كما أن خطابها يعتمد على الدين، الذي يمثل عند الأغلبية الكاسحة جوهرًا حياتيًا، وفيه من الوعد ما يسعون إليه، ومن الوعيد ما يتخوفون منه، كما أن لبعضها أجنحة أو أذرع عسكرية بوسعها إلحاق أذى بالدولة والمجتمع، ومن ثم إيقاع السلطة الحاكمة في حرج، أو تحت ضغط مستمر، لا سيما حال استهداف بعض رجال الحكم.

وهذا التهديد، أو حتى مجرد شعور السلطة به، طالما قادها إلى اتخاذ قرارات لمنع التهديد، أو التخفيف من آثاره، لم تقتصر على أعضاء هذه الجماعات، إنما امتدت إلى غيرهم، فعلى سبيل المثال، تم التوسع في تعريف الكيانات الإرهابية وتمويلاتها ووسائلها في التعبئة والتحريض، خلال تعديلات قانون العقوبات في مصر، لتشمل أطرافًا وحركات وشخصيات أخرى خارج الحركة السياسية الإسلامية، فضلًا عن إصدار قوانين أخرى، تخص الإرهاب نفسه.

ولأن الأنظمة الحاكمة تدرك أن الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية تنافسها، بل تصارعها أحيانًا في المجال العام، وعلى الجمهور أو الشعب، قادها هذا إلى اتخاذ قرارات من شأنها حرمان هذه الجماعات من القدرة على جذب الناس إليها، أو تجنيد كوادر منهم، وفي الوقت نفسه وعبر اتجاه مضاد، إلى محاولة استرضاء الناس وجذبهم إلى السلطة، مثلما رأينا في مشروع “تكافل وكرامة” الذي سلكته السلطة في مصر بعد إزاحة حكم جماعة الإخوان المسلمين؛ لتعويض الفقراء عما فقدوه من أعطيات في شكل صدقات أو تكافل، كانت تقدمه هذه الجماعة وغيرها، في إطار سعيها لبناء شبكة من المتعاطفين، ضمن تكوينها مجتمعًا عميقًا في وجه الدولة العميقة.

لكن ما لا يمكن إهماله في هذا المقام، أن الحركات السياسية الإٍسلامية حين وصلت إلى السلطة، لم تختلف ممارساتها عن تلك التي كانت تعاني منها، وقت أن كانت في المعارضة أو الاستبعاد من مراكز صناعة القرار. فقد رأينا كيف عملت وعمدت هذه الحركات على إقصاء المختلفين معها سياسيًا وفكريًا، مستخدمة في هذا كل وسائل العنف المادي واللفظي والرمزي، وكل ما تقتضيه البرجماتية السياسية على مستوى الخطاب والممارسات، علاوة على أساليب ظاهرة للتغلغل السريع داخل مؤسسات الدولة، متصرفة على أن ما حازته من مكاسب هو حق مؤجل لها، وتعويض عما لحق بها على مدار سنوات الاستبعاد والتهميش والملاحقة، وأن أتباعها أو أعضاءها هم أولى بالعناية والرعاية من سائر طوائف الشعب ونخبه.

ولم تعبأ جماعة الإخوان، حين صارت لها الغلبة في البرلمان بغرفتيه، وآلت إليها رئاسة الجمهورية، بمرجعياتها السابقة التي حوت عددا من المبادئ السياسية أبرزها: “مشاركة لا مغالبة”، و”نريد أن نُحكم بالإسلام ولا نَحكم به”، و”نحمل الخير لكل الناس”، وكلها تندرج تحت اللافتة العريضة التي رفعتها منذ ثمانينيات القرن العشرين، وتقول: “الإسلام هو الحل”. ولم تعن في كل هذا التنصل من المرجعية بأثرها السلبي على صورة التصور السياسي الإسلامي، أو المسنود إليه، والمنسوب له، ولا بتأثير قراراتها على حاضر المواطنين ومستقبلهم.

وليس من الصعب البرهنة على هذا المسلك حال استخدام منهج تحليل النظم، من خلال تتبع تفاعل المدخلات والمخرجات، وآليات التكيف وإعادة التوازن داخل النظام السياسي عبر التغذية الاسترجاعية، وهي الطريقة نفسها التي تفسر سلوك السلطة الحاكمة غير المنتمية إلى الجماعات السياسية الإسلامية في التعامل مع مقدرات الدولة وحقوق الشعب، باعتباره صاحب الأرض والمال والسيادة والشرعية.

لقد وجدنا في الحالتين، أن من يكون في مواقع السلطة، يتحلل من الأيديولوجية، ثقيلة كانت أو خفيفة، دينية أو مدنية، ويخرج عن الإطار العام للدولة الذي يمثله الدستور والقوانين المنبثقة عنه، لينعدم أو تقل إلى الحد الأدنى الاستجابة للمطالب الشعبية، رغم أن الجماهير الغفيرة ظلت هي محور الصراع والتنافس والتجاذب بين الفريقين.

مثل هذا الوضع قد يدفع بطرح عدة توصيات، يمكن تقديمها إلى صناع القرار ومتخذيه في سبيل تحقيق أي قدر من “الرشد السياسي”، يساعدنا في الخروج من هذا النفق المظلم، أو حصر اختيار الشعوب بين اختيارين كلاهما مر، فإما الرضا بالأنظمة المستبدة، التي تتذرع بمواجهة ما يسمى “الإسلام السياسي” في تبرير نزعتها إلى التحكم الصارم في القرار، وإغلاق المجال العام، والإفراط في المسلك الأمني، وإما طرح الجماعات السياسية الإسلامية كبديل دائم لأنظمة الحكم، في ظل التضييق المستمر والمنظم على التيار المدني، الذي ينادي بتداول السلطة، والتعددية السياسية والفكرية، واحترام الحريات العامة، وإعلاء مبادئ المواطنة، وجعل الأمة هي مصدر السلطات.

وهنا نكون في حاجة ماسة إلى إصدار قوانين وتشريعات ووضع لوائح ومدونات سلوك تعزز مدنية الدولة، وتوقف طرح أنظمة الحكم نفسها، على أنها هي حائط الصد أمام التطرف الديني، وتمنع هذا الخلط الدائم بين المدني والديني في المجال السياسي، لا سيما شقه المرتبط بالسلطة العليا، وإنهاء الانقسام الديني والطائفي والمذهبي الذي يخلق احتقانًا اجتماعيًا، يصعد ويهبط، ويتسع وينحسر، ويفيض ويغيض، دون أن يخمد أو ينقطع.

ونحتاج في هذا كله إلى تطوير نظم التعليم، في شكلها وأساليبها وفي محتواها ومضمونها، بما يعزز مبادئ المواطنة، ويوسع الصدور والعقول لتقبل الآخر وتفهمه، ويخلق تيارًا اجتماعيًا رئيسيًا عريضًا، يجنح إلى السلم والاعتدال والتسامح، ويكون هو الحافظ الحقيقي للدولة، الساهر على قوتها وتمكنها، الحريص على منعتها وتماسكها.

ولا يولد هذا التيار الحافظ أو الحمائي للدولة والمجتمع، دون فك قيود التيارات السياسية والفكرية المدنية، التي تنشغل في الغالب الأعم بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والكفاية والاستقلال، بحيث تكون قادرة على منافسة الجماعات السياسية الإسلامية، وإعادتها إلى حجمها الاجتماعي والسياسي والثقافي الحقيقي. فالتضييق على المدنيين، والذي صار سمة ظاهرة لتصرفات السلطة السياسية وخطابها، كان أحد أسباب تمدد وتعزز تيارات الإسلام السياسي، التي راحت في كنف الأنظمة الحاكمة، تفرض وجودها، وتقوي شوكتها، معتمدة على العمل السري تارة، والعلني تارة، ومستخدمة الدين كنقطة جذب قوية في صناعة دوائر اجتماعية تتحلق حولها، وكذلك استخدام ما تحوزه من قدرات مالية، وشبه عسكرية، لا تمتلكها التيارات المدنية.

ومن الضروري في هذا المقام، أن يكون للدولة استراتيجية أو خطة تنمية شاملة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، تعمل، بلا كلل ولا ملل، في سبيل القضاء على الفقر والجهل والمرض والخوف، الأمر الذي من شأنه الحد من فرص تيارات “الإسلام السياسي” في استغلال الأزمات الناجمة عن هذه الآفات الكبرى الأربع، لجذب الناس إليها، أو إثارة حنقهم على أنظمة الحكم القائمة، ما يبقي من احتمالات حدوث اضطراب اجتماعي. ولن يتم كل هذا بالطبع دون وضع سياسات توزان، وبنسب مضبوطة، بين الأمن والتنمية، بحيث لا يطغى الأول على الثاني، مثلما هو قائم في واقعنا المعيش.

في كل الأحوال، نجد أنفسنا في حاجة ماسة إلى إرساء آلية مؤسسية متماسكة لصنع القرار، على اختلاف نطاقاته، تضمن مشاركة أوسع من الهيئات التشريعية، والجهات الرقابية، وقوى المجتمع المدني، بما ينتج سياسات عامة أكثر انحيازًا إلى سُلَّم أولويات المواطنين، تجعل من رضاهم هدفها، ومن مصالحهم مقصدها، وتضمن عدم الانحراف عنها تحت أي حجة أو ذريعة.

إن النظر الدقيق إلى الطريقة التي تصنع بها الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية قرارها، وكذلك القرار الذي تتخذه السلطات الحاكمة في العالم العربي حيالها، يبين ضرورة حدوث أمرين متزامنين أو متعاقبين، سيان، فالمهم هو تنفيذهما في الواقع، ربما يخفف هذا من ورطة مجتمعنا حيال ما يسمى بـ “الإسلام السياسي”، سواء بفعل ما تقوم به جماعاته من تصرفات، أو ما تتخذ الحكومات حيالها من إجراءات قسرية، تنعكس على المجال العام كله، والأخطر هو قطع الطريق على من يريدون الديمقراطية.

هذا الأمران، أولهما: إصلاح القرار داخل الحركات الإٍسلامية، بما يقود إلى تجديد خطابها، وترشيد مسارها، الأمر الذي لا يجعل النظام السياسي أو القوى المدنية، تشعر بأنها مصدر تهديد. ويجب أن يجري هذا على سبيل المراجعة الجذرية، والتحول الاستراتيجي، وليس من باب التقية أو التحايل أو التكتيك. وثانيها، هو إصلاح القرار داخل أنظمة الحكم، مما يجعلها مؤمنة بأهمية التعددية، ومدركة أن السياسة في جوهرها هي إدارة الاختلاف، وأن مرونة السلطة السياسية مصدر قوة، وليس تعبيرًا عن ضعف، وأن عملها على الاستيعاب، وليس الاستبعاد، من صميم اختصاصها.

إن أي قرار يتخذ هو نتيجة عناصر كثيرة، ساهمت في صناعته، ولذا يعد أحد الاقترابات المهمة لفهم طبيعة الأحزاب والجماعات والمؤسسات والقيادات العاملة في حقل السياسية، وما أدركناه من مطالعة هذه الرسالة الجامعية، أن القرار عند هؤلاء جميعًا هو في شكله ومضمونه النهائي عرض لمرض، نتطلع إلى الشفاء منه.