ما حدث في فنزويلا، ليس حدثا محليا بعيدا أو تطورا سياسيا في بلد بعيد جغرافيا تفصله آلاف الأميال عن الشرق الأوسط.
الحقيقية، أن طريقة إدارة المشهد وتوقيته واللغة التي أحاطت به وسبقته، تجعل من الصعب التعامل معه كواقعة لاتينية خالصة لا تتكرر.
تتبدى أحداث فنزويلا للمتابع أقرب إلى رسالة سياسية مشفرة لا إلى مجرد ملف من ملفات السياسة الأمريكية العابرة.
رسالة لا تقول صراحة، إن الشرق الأوسط هو الهدف التالي، لكنها أيضا تعيد تعريف الاحتمالات في التعامل معه، وما هو مسموح، وما لم يعد يحتاج إعلانا؛ كي يتم فهمه.
في نهاية عام 2025، كتبنا أنه عام إعلان القوة في العالم كأسلوب، وها هو عام 2026 يبدأ بتعريف استخدامها وفقا للقواعد الدولية الجديدة التي لم تعلن، ولكنها باتت واضحة.
هل فنزويلا حدث محلي صعب التكرار؟
أهمية فنزويلا في هذه اللحظة لا تنبع فقط من كونها دولة لاتينية مضطربة سياسيًا، بل من كونها دولة ذات أهمية كبيرة من حيث الموارد، نفط وذهب، وثروات طبيعية، جرى التعامل معها بأدوات غير تقليدية من أجل النفاذ إليها.
لم نشهد غزوًا عسكريًا، ولا أُعلن عن مسار تفاوضي للوصول لنتائج على مدى قصير أو طويل، ولا حتى خطابًا أمريكيًا كلاسيكيًا عن “نشر الديمقراطية”.
ما جرى أقرب إلى عملية اختبار إحداث تغيير فعلي في ميزان الحكم دون الدخول في كلفة الاحتلال، ودون تحمّل مسئولية ما بعد الفعل.
وهذا ما يجعل فنزويلا تتحول لنموذج قابل للتكرار.
النجاح هنا لا يُقاس باستقرار الدولة لاحقًا، بل بقدرة الفاعل الخارجي على تحقيق هدفه الأساسي، تعطيل الخصم، وتغيير الوقائع، ثم الانسحاب خطوة إلى الخلف وتحقيق أقصى مكاسب ممكنة من الموقف.
من هذه الزاوية، لا تبدو فنزويلا “نقطة نهاية”، بل نقطة اختبار لمدى تقبّل المجتمع الدولي لاستخدام القوة دون إعلان، واختبار لقدرة واشنطن على فرض أمر واقع، دون أن تُسأل إدارة ترامب عن اليوم التالي، أو عن البديل.
وهنا تكمن الدلالة الأخطر بالنسبة للشرق الأوسط، ليس لأن السيناريو سيتكرر حرفيًا، بل لأن منطقه بات مطروحًا على الطاولة وبشدة.
منطق يقول إن تغيير الوقائع لم يعد يحتاج حربًا شاملة، بل إدارة ذكية للغموض، وتوقيتًا مناسبًا، وترك الآخرين يتعاملون مع التداعيات بكل ما فيها من فوضى.
حين تتقدّم اللغة القوة
الولايات المتحدة لم تلجأ إلى أدواتها الكلاسيكية التي اعتاد العالم رؤيتها في تدخلات سابقة.
وهذا التحول في الشكل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل يعكس تغييرًا في فلسفة استخدام القوة وإدارة الدولة.
في العراق عام 2003، كان الهدف إسقاط النظام وإدارة الدولة، في ليبيا عام 2011 كان الهدف إسقاط النظام وترك الفوضى تتكفل بالباقي، أما في فنزويلا، فالصورة مختلفة
لا احتلال، ولا إدارة انتقالية، ولا حتى خطاب ديمقراطي تقليدي. مجرد فراغ محسوب تترك تداعياته للتصاعد، بينما يحتفظ الفاعل الخارجي بكل المكاسب.
الضربة لم تبدأ بالقوة، بل باللغة التي تمهد له الطريق، بدأ ترامب، ثم استكملها تصريح كاري ليك، المسئولة عن الإعلام الخارجي الأمريكي، في تمهيد مدروس، يعني أن التحرك لم يبدأ بعد، وأن الهدف ليس شرح ما جرى، بل تهيئة الوعي لما سيحدث.
بالنسبة للشرق الأوسط، تكمن الدلالة هنا في قابلية هذا النموذج للتطبيق.
الإقليم مليء بدول تعاني أصلًا هشاشة داخلية، وتوازنات دقيقة، وتعدد فاعلين. في مثل هذه البيئات، يصبح “التعطيل دون الاحتلال” أكثر جاذبية من أي حرب شاملة، وأقل كلفة من إدارة دولة بعد إسقاطها، وأكثر مرونة في التعامل مع التداعيات.
التحول إذن في اقتصاد استخدام القوة الذي لم يعد يعني السيطرة، بل يكفي أن يعني الإرباك. ولم يعد الهدف إدارة الدولة، بل منعها من العمل كدولة كاملة السيادة.
الرسائل الضمنية إلى الشرق الأوسط
لا تُرسل الولايات المتحدة رسائلها الكبرى عبر البيانات الرسمية، بل عبر السوابق. ما حدث على الأرض في فنزويلا، لا يحمل أسماء دول في الشرق الأوسط، ولا يتضمن تهديدات مباشرة، لكنه يعمل بمنطق أكثر فاعلية، ومن هنا تبدأ قراءة الرسائل، لا بوصفها نوايا، بل بوصفها حدودًا جديدة للحركة.
الرسالة الأولى الردع القادم بلا حرب مكلفة
السابقة الفنزويلية تقول، إن الردع لم يعد مشروطًا بحرب شاملة أو اجتياح طويل، بل يمكن إحداث تغيير فعلي في ميزان القوة عبر ضربة سريعة، محدودة البصمة، تُربك الداخل، وتترك الدولة في حالة شلل سياسي، دون أن تتحمّل واشنطن كلفة إدارة المشهد لاحقًا. بالنسبة للشرق الأوسط، حيث أي حرب مفتوحة تعني انفجارًا إقليميًا واسعًا، فإن هذا النموذج يقدّم بديلًا أقل خطورة على الفاعل الخارجي، وأكثر إيلامًا للخصم وتحقيقا للهدف.
الرسالة الثانية تعطيل الدول
في النموذج الجديد، لا يهم إن استقرّت الدولة أو غرقت في الفوضى. المهم أن تخرج من معادلة الفعل الإقليمي.
هذا تحوّل جوهري في التفكير الأمريكي: من إسقاط الأنظمة إلى تعطيل الدول، ومن البحث عن “اليوم التالي” إلى تجاهله تمامًا.
هذه الرسالة شديدة الحساسية، في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية، حيث يكفي إضعاف المركز لإطلاق سلسلة من التداعيات، لا يمكن احتواؤها بسهولة.
الرسالة الثالثة الشرعية لا مكان لها
ما سبق الضربة في فنزويلا، لا يقل أهمية عما تلاها. حين تُعاد صياغة الدولة كـ“سجّان لشعبه”، يصبح أي فعل ضدها قابلًا للتبرير أخلاقيًا.
هذه الآلية ليست جديدة، لكنها باتت أكثر اقتصادًا وأسرع تفعيلًا في الشرق الأوسط، حيث تُستخدم ملفات حقوق الإنسان والعقوبات والضغط الإعلامي بكثافة، تصبح هذه الرسالة تذكير بأن نزع الشرعية هو المرحلة الأولى من أي تدخل محتمل.
الرسالة الرابعة حدود الحماية الدولية غير موجودة
ردود الفعل المحدودة من موسكو وبكين— حتى الآن— تحمل دلالة لا تقل أهمية، ليست لأنهما غير معنيتين، بل لأن حساباتهما لم تجد في فنزويلا سببًا للتصعيد. هذا يبعث برسالة غير مريحة لدول عديدة: المظلة الدولية، أن الحماية مرتبطة بتقاطع المصالح لا بالمبادئ في الشرق الأوسط، حيث يتقاطع النفوذ الروسي والصيني والأمريكي بشكل معقّد، تصبح هذه الرسالة تذكيرا بأن الاعتماد على توازنات كبرى قد لا يصمد في لحظة اختبار حقيقية.
الرسالة الخامسة خفض عتبة المخاطرة
أخطر ما في السابقة الفنزويلية، أنها تُخفض عتبة المخاطرة السياسية على الدول الكبرى، إذا تم تمريرّ هذا النموذج دون كلفة دولية واضحة، فإن التفكير في تكراره يصبح أسهل.
ليس بالضرورة بنفس الشكل أو في نفس السياق، لكن بنفس المنطق: ضربة، إرباك، انسحاب خطوة للخلف، وترك الإقليم يتعامل مع النتائج والأغلب سيتم تكراره في الفترة القادمة أسرع من الحسابات التي يعتقدها البعض.
لماذا هذا أخطر على الشرق الأوسط تحديدًا؟.. الفوضى المُصمَمة بعناية
لأن المنطقة تعيش أصلًا حالة “توازن هش”. دول بحدود مفتوحة على أزمات، أنظمة محاصرة اقتصاديًا، مجتمعات منقسمة، وفاعلون غير جاهزون لملء أي فراغ.
في مثل هذا السياق، لا تحتاج الصدمات، إلى أن تكون كبرى؛ كي تحدث الأثر المطلوب، بل يكفي التعطيل المدروس لكيان الدولة.
وهنا لا يعود السؤال: هل الشرق الأوسط هو الهدف التالي؟
بل السؤال الأدق: هل بات من المقبول دوليًا اختبار هذا النموذج فيه، إذا اقتضت اللحظة؟
هذا هو جوهر الرسالة التي تحملها فنزويلا إلى الإقليم: ليست تهديدًا مباشرًا، لكنها إعادة رسم لحدود اللعب، ومن لا يقرأ هذه الحدود مبكرًا، قد يجد نفسه يومًا داخل نموذج، لم يُصمَّم أصلًا ليقدّم إجابات، بل ليترك الأسئلة معلّقة وسط الفوضى، مُعلقا في الفراغ المصمم له بعناية.






