في أحد أحياء القاهرة المزدحمة، يضبط ‘أحمد’ منبه هاتفه لعام 2026. ورغم أنه يقرأ أخبار التضخم وتذبذب الأسعار، إلا أنه يمسك بقلم وورقة؛ ليدوّن أهدافه الصحية والمهنية. هذا المشهد يختصر حال 82% من المصريين اليوم؛ إنهم لا ينتظرون أن يتحسن واقعهم ليصبحوا بخير، بل يقررون أن يكونوا بخير- رغم سوء الأحوال. إنها قصة شعب يواجه تقلبات الاقتصاد بـ’أجندة’ شخصية مليئة بالأحلام، وإيمان راسخ بأن مفتاح التغيير يبدأ من الذات، حتى لو كانت الرياح الخارجية عاتية.
فمع شروق شمس عام 2026، يقف الشعب المصري على مفترق طرق، يتطلع إلى مستقبل، يتسم بتناقض لافت بين تفاؤل شخصي متزايد وقلق اقتصادي مبرر. ووفقًا لدراسة “توقعات 2026: النسخة المصرية”، يدخل الشعب المصري العام الجديد بإيمان راسخ بالتقدم الشخصي، حتى مع تغير الأوضاع العالمية والمحلية من حوله.
من شوارع القاهرة الصاخبة إلى المراكز الحضرية الجديدة بالساحل الشمالي، يتضح الشعور جلياً: 82% من المصريين متفائلون، بأن عام 2026 سيكون عاماً أفضل بالنسبة لهم من عام 2025. إن هذا الأمل ليس مجرد شعور غامض، بل هو نظرة محسوبة، تتخلل كل قطاع من قطاعات الحياة، من ملعب كرة القدم إلى أروقة الدبلوماسية.
بالطبع هناك تحفظات على هذه النتائج؛ إذ يستند هذا التقرير إلى استطلاع رأي، شمل 500 مستجيب فقط من مختلف أنحاء مصر، يمثلون السكان من حيث الجنس والعمر (18 عامًا فأكثر) والمنطقة والطبقة الاجتماعية والاقتصادية. وعلى الرغم من ذلك، إلا إنه يعطي لنا بعض المؤشرات على واقع المصريين.
حقبة جديدة من الرفاهية الشخصية والحلول
إن أبرز ما يلفت الانتباه مع اقتراب عام 2026 هو التركيز العميق على الذات. لم يعد المصريون ينتظرون التغيير الخارجي فحسب، بل يخططون له. إذ يعتزم 79% من السكان وضع أهداف شخصية محددة؛ لتحقيق غاياتهم في العام المقبل، وهو ارتفاع كبير مقارنةً بنسبة 41% ممن أفادوا بوضع أهداف لعام 2025.
تنبع هذه “الثورة في اتخاذ القرارات” من رغبة في تحسين شامل. وقد تصدرت الصحة النفسية الأولويات، حيث يعتقد 79% من المشاركين في الاستطلاع، أن صحتهم النفسية ستتحسن في عام 2026. وتأتي الصحة البدنية في المرتبة الثانية، حيث يتوقع 78% عاماً أكثر صحة في المستقبل. وعند سؤال المصريين عن الطبيعة المحددة لأهدافهم لعام 2026، ذكروا مجموعة متنوعة من الطموحات:
• الأهداف المالية تتصدر المشهد بنسبة 35%.
• الطموحات المهنية تمثل أولوية لـ28%.
• لا يزال تحسين الذات (19%) والصحة البدنية (18%) من الركائز الأساسية للنفسية الوطنية.
• كما تبرز الأهداف التي تركز على الأسرة (16%) وأوقات الفراغ (13%) بشكل ملحوظ.
والجدير بالذكر، أن الجيل الأصغر سناً (الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً) هو الأكثر استباقية، حيث يخطط 88% منهم لوضع قرارات، مقارنة بـ64%، ممن تبلغ أعمارهم 45 عاماً فأكثر.
القوة الدبلوماسية: مكانة مصر العالمية
على الصعيد الدولي، ينظر الشعب المصري إلى بلاده كركيزة أساسية للاستقرار. ومع استمرار الصراعات الإقليمية في التأثير سلبًا على الرأي العام، يعتقد 78% من المصريين أن بلادهم ستلعب دورًا محوريًا في الوساطة في محادثات السلام في الشرق الأوسط عام 2026.
وتأتي هذه الثقة في وقت يعتقد فيه 61% من السكان، أن العالم سيصبح عموماً مكاناً أكثر أماناً، فهناك شعور ملموس بـ”الأمل الحذر”، فيما يتعلق بالقرارات الإقليمية:
• يعتقد 55% أن الحروب الحالية في الشرق الأوسط ستنتهي في عام 2026.
• يتوقع 71% إجراء محادثات سلام رسمية في الشرق الأوسط سعياً لتحقيق سلام دائم.
• يتوقع 70% أن تبدأ جهود إعادة الإعمار الرئيسية في غزة أخيراً بدعم دولي.
• يعتقد 60% أن المزيد من القوى الغربية الكبرى ستعترف رسمياً بدولة فلسطين المستقلة.
الاقتصاد: صورة معقدة
وعلى الرغم من ارتفاع مستوى التفاؤل الشخصي، فإن التوقعات الاقتصادية لعام 2026 تُقدم صورة معقدة للأوضاع الاقتصادية. فمن جهة، هناك ثقة كبيرة في الاقتصاد الكلي: إذ يتوقع 79% من المصريين أن يكون الاقتصاد الوطني أقوى في عام 2026 منه في عام 2025. ويتغذى هذا التفاؤل على توقعات زيادة الاستثمار الدولي (76%)، والارتفاع المتوقع في قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي (58%).
ومع ذلك، لا يزال الواقع المعيشي للأسر المتوسطة مصدر قلق بالغ. تكشف البيانات عن شريحة سكانية، تستعد لـ”فجوة بين الأسعار والدخل”:
• يتوقع 77% أن يكون التضخم أعلى في عام 2026.
• 72% يخشون أن ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو دخل الأفراد.
• يتوقع 76% ارتفاع أسعار الفائدة.
• يعتقد 66% أن الاضطرابات المستمرة في الشحن في البحر الأحمر ستستمر في رفع تكلفة السلع المستوردة.
واستجابةً لهذه الضغوط، يلجأ الكثيرون إلى “الملاذات الآمنة” التقليدية. ويتوقع 78% من المصريين أن تصل أسعار الذهب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في عام 2026. وعلى الرغم من هذه العقبات، لا يزال الدافع نحو التملك قائماً: إذ يخطط ما يقرب من نصف المصريين (49%) لإجراء عملية شراء كبيرة، مثل منزل أو سيارة، خلال العام، حتى مع توقع 79% منهم ارتفاع تكلفة شراء أو استئجار منزل.
المواهب في حركة مستمرة
يبدو أن سوق العمل في عام 2026 يمثل نقطة خلاف. إذ يعتقد ثلثا الجمهور (66%)، أنه سيكون من الصعب إيجاد وظيفة في مصر مقارنة بالعام السابق. ويتجلى هذا الشعور بقوة، خاصة بين الشباب، حيث يتوقع 71% من الفئة العمرية 18-24 عامًا و72% من الفئة العمرية 25- 34 عامًا صعوبة في البحث عن وظيفة.
لعلّ أكثر ما يُثير القلق بشأن نموّ البلاد على المدى الطويل، هو ما يُتوقّع من “هجرة العقول”. إذ يتوقّع ثلاثة من كل أربعة مصريين (75%) أن ينتقل عدد كبير من المهنيين المهرة إلى الخارج؛ بحثاً عن فرص أفضل في عام 2026. ويبرز هذا الاتجاه بشكل خاص بين الفئة العمرية الأصغر، حيث يرى 82% منهم أن الهجرة مسار محتمل.
علاوة على ذلك، قد يكون عصر المرونة الذي فرضته الجائحة في طريقه إلى الزوال. إذ يتوقع نحو 63% من السكان أن تصبح الشركات في مصر أقل مرونة، فيما يتعلق بترتيبات العمل عن بُعد بحلول عام 2026.
المساواة بين الجنسين: كسر السقف الزجاجي
اجتماعياً، يُنظر إلى مصر على أنها تسير على طريق تحقيق مزيد من المساواة. ويُعدّ التفاؤل بشأن تقدّم المرأة اتجاهاً رئيسياً لعام 2026، حيث يتوقع 77% من السكان زيادة مشاركة المرأة في السياسة والمناصب القيادية. وتزداد هذه التوقعات بين شريحة “الدخل المرتفع”، حيث يرى 95% منهم أن هذا التحول أمر مرجح.
وتكتسب الجهود المبذولة لتحقيق العدالة الاقتصادية زخماً متزايداً. ويعتقد 68% من المصريين، أن عام 2026 سيكون العام الذي تتقاضى فيه النساء أجوراً مساوية لأجور الرجال مقابل العمل نفسه. ومن المثير للاهتمام، أن هذا الاعتقاد يتشاركه الجنسان بالتساوي تقريبًا، حيث يتفق 67% من الرجال و68% من النساء على احتمالية تحقيق المساواة في الأجور.
نهضة السياحة وتأثير “المتحف الكبير”
لا تزال السياحة نقطة مضيئة في التوقعات الوطنية. ومن المتوقع أن يُحدث افتتاح المتحف الكبير، الذي طال انتظاره، نقلة نوعية، حيث يعتقد 87% من الجمهور، أنه سيعزز مكانة مصر كإحدى أهم الوجهات السياحية في العالم.
من المتوقع، أن تشهد السياحة العامة ازدهاراً كبيراً، حيث توقع 82% من المشاركين في الاستطلاع، أن عدد السياح الذين سيدخلون البلاد في عام 2026 سيفوق عددهم في عام 2025. يُنظر إلى هذا التدفق على أنه عنصر حيوي في التفاؤل بنسبة 79% بشأن النمو الوطني الذي سبق ذكره.
البيئة: مناخ مثير للقلق
انتقلت القضايا البيئية من الهامش إلى صميم اهتمامات المصريين. وبات الجمهور أكثر وعياً بالآثار المحلية لتغير المناخ:
• يتوقع 70% حدوث المزيد من الظواهر الجوية المتطرفة في مصر خلال عام 2026.
• يعتقد 67% أن التغيرات الكبيرة في مستويات مياه نهر النيل ستؤثر على الزراعة والحياة اليومية.
• يتوقع 65% ارتفاعاً في متوسط درجات الحرارة العالمية.
وهناك ترقب قوي لتدخل الحكومة، حيث يعتقد 64% أن الحكومة المصرية ستضع أهدافاً أكثر صرامة لخفض انبعاثات الكربون. وعلى الرغم من التفاؤل بشأن تدخل الحكومة في القضايا البيئية؛ فلا يزال هناك تشكيك بشأن البنية التحتية؛ إذ يتوقع 55% أن يتفاقم الازدحام المروري، مما يجعل السفر أطول بكثير.
وعلى الرغم من هذه المخاوف، هناك نزعة “تفاؤلية تكنولوجية”: إذ يأمل 56% من المصريين في التوصل إلى تقنية رائدة قادرة على وقف تغير المناخ بشكل كامل.
الذكاء الاصطناعي وفجوة الثقة في وسائل التواصل الاجتماعي
يُنظر إلى التكنولوجيا في عام 2026، على أنها “سلاح ذو حدين”. فبينما يتوقع 79% من السكان قضاء وقت أطول في التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت مقارنةً بالتواصل الشخصي، فإن الثقة في هذه المساحات الرقمية تتراجع بشكل حاد. يعتقد 68% من المصريين، أن منصات التواصل الاجتماعي ستصبح مصدراً “أقل موثوقية” للأخبار والمعلومات.
ويُقابل صعود الذكاء الاصطناعي (AI) بمزيج متساوٍ من الحماس والخوف:
• خلق الوظائف مقابل فقدانها: يعتقد 70% أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى فقدان العديد من الوظائف القائمة، بينما يعتقد 69% أنه سيؤدي إلى خلق العديد من الوظائف الجديدة.
• الخداع: يتوقع 77% من الجمهور، أنهم سيواجهون صعوبة في التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي.
• الخصوصية: يخشى 77% من أن الذكاء الاصطناعي سيزيد من خطر كشف البيانات الشخصية أو تسريبها.
واستجابةً لهذه المخاوف الرقمية، يتوقع 73% من المصريين أن تفرض الحكومة قواعد جديدة صارمة على شركات التكنولوجيا الكبرى.
الرياضة: أمة موحدة بالملعب
وأخيرًا، لا تكتمل أي نظرة على عام 2026 دون كأس العالم. فما زالت كرة القدم هي العامل الجامع الأسمى للمصريين. وتحظى المنتخبات الوطنية بثقة عالية جدًا، حيث يعتقد 71% من المستطلعين أن مصر ستقدم أداءً قويًا وتتأهل إلى الأدوار المتقدمة من البطولة.
هذا التفاؤل مرتفع بشكل خاص بين النساء (76٪) والجيل الأصغر سناً (76٪ ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً). وإلى جانب منتخبهم الوطني، يتوقع المصريون تحولاً في نظام كرة القدم العالمي؛ إذ يعتقد 64% منهم أن عام 2026 سيشهد فوز فريقهم بكأس العالم لأول مرة في التاريخ.
الخلاصة: عام من الواقعية المتفائلة
مصر 2026، هي أمةٌ من المخططين الفرديين، إذ تشير البيانات، إلى أنه على الرغم من إدراك المصريين التام للتحديات الاقتصادية ومخاطر العالم الرقمي، إلا أنهم يختارون مواجهة هذه التحديات بإرادةٍ شخصية. فمع إيمان 82% منهم بعامٍ أفضل، ووضع 79% منهم أهدافًا لتحقيق ذلك، يُتوقع أن يكون عام 2026 عامًا انتقاليًا.
تؤكد أرقام تقرير “توقعات 2026″، أننا أمام حالة يمكن تسميتها بـ”الواقعية المتفائلة”. فالمصري اليوم لم يعد غافلًا عن تعقيدات المشهد؛ هو يدرك تمامًا تحديات التضخم (77%)، وضغوط سوق العمل، وتقلبات التكنولوجيا… ومع ذلك، يختار 82% من المصريين التفاؤل، ليس كنوع من التمني السلبي، بل كـاستراتيجية بقاء.
يمكن تلخيص دلالات هذه الأرقام في ثلاث نقاط جوهرية:
1. خصخصة الأمل: هناك تحول جذري من “انتظار الحلول الكلية” إلى “الحلول الفردية”. القفزة الهائلة في وضع الأهداف الشخصية (من 41% إلى 79%) تشير إلى أن المصريين قرروا بناء جزرهم الخاصة من النجاح (صحياً ومالياً) بمعزل عن تقلبات الاقتصاد الكلي.
2. المواطنة العالمية والريادة الإقليمية: رغم القلق الداخلي، لا يزال المصريون ينظرون لبلدهم كـ”صمام أمان” إقليمي (78%). هذا المزيج بين الإحباط الاقتصادي والاعتزاز بالدور السياسي والسياحي، يخلق توازناً نفسياً، يحمي النسيج الوطني من التشاؤم المطلق والعدمية.
3. فجوة الأجيال التكنولوجية: التحذير الأبرز يكمن في “هجرة العقول” (75%) ومخاوف الذكاء الاصطناعي. إنها رسالة، بأن الجيل الشاب (18- 24 عاماً) هو الأكثر حماساً للتطوير، لكنه أيضاً الأكثر استعداداً للرحيل، إذا لم يجد بيئة تحتضن طموحه.
ختاماً، إن مصر 2026، وفقاً لهذه المؤشرات، ليست مجرد دولة مأزومة، بل هي مجتمع، يعيد تعريف مفهوم “النجاح”. هو مجتمع يدرك أن العالم يتغير، وأن الأسعار ترتفع، لكنه يؤمن بشدة أن “الاستثمار في الذات” هو حصن الأمان.






