جاءتني فكرةُ هذا المقال من كتابات شاب، يحكي عن مشاعره لحظة خروجه إلى الحياة الطبيعية بعد أكثر من عشر سنوات من الحياة داخل السجن، الفكرة التي استوقفتني هي مدى القطيعة والانفصال التام بين الحياتين، انقطاع تام بينهما، ومن ثم يشعر الإنسان، بعد أن استرد حريته، أنه أمام تحديات جديدة تفوق طاقته التي تعود عليها في حياة السجن، يشعر أنه غير قادر على ولوج الحياة الطبيعية دفعةً واحدة، عندما ينفتح له باب السجن ويُقال له: اذهب فأنت حر طليق. ثم يفتحُ عينيه، ويمُدُّ بصرَه في الأفق، فيرى نفسه غريباً في دنيا باتت غريبة عليه من طول ما انعزل عنها في غيابات السجن. تساءلتُ مع نفسي: هل من حل لهذه المشكلة؟ هل من المُمكن في إطار القانون، أن تكون هناك فترة معقولة قبل الإفراج، يتم فيها مساعدة النزلاء الذين هم على وشك إنهاء العقوبة واسترداد الحرية، أن يجري لهم تأهيل روحي وعقلي ونفسي وعصبي للعودة للحياة الطبيعية، بعد أن انقطعوا عنها سنوات طوال؟ وهل ممكن في هذا التأهيل، أن تجري مُساعدتهم على التحرر من الميراث النفسي للحياة فترات طويلة داخل السجن؟ باختصار: هل ممكن مساعد المحكوم عليه؛ لأن يستقبل حياته الطبيعية ويستأنف شخصيته الحرة، ويألف الناس والشوارع والأحداث وكافة ما تموجُ به الحياة العادية من زحام؟ هذه عن فكرة المقال من أين جئتُ بها، مع ضرورة ملاحظة أنها فكرة عبر عنها صاحبها منشورةً على السوشيال ميديا، وكنت قرأت ما كتبه قبل عدة سنوات زميل صحفي قضى في السجن عاماً أو بعض عام وقال: السجن يُطفئ روح الإنسان.

أما عنوان المقال “النظام الأيرلندي” فقد اقتبستُه من كتاب “دروس في مبادئ علم العقاب”، وهو من تأليف الدكتور هشام شحاتة إمام مدرس القانون الجنائي في كلية الحقوق بجامعة القاهرة.

وفكرة النظام الأيرلندي هي منظومة سجون، عُرِفت بهذا الاسم؛ لأنها طُبِقَت بنجاح في إيرلندا ثم في عموم بريطانيا منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفي هذا النظام التدريجي يوضع السجين في زنزانة انفرادية في المرحلة الأولى، ثم يُنقَلُ إلى النظام المختلط في المرحلة الثانية، ثم يحصل على الإفراج الشرطي في المرحلة الثالثة والأخيرة.

النظام التدريجي الذي هو كما يقول المؤلف: من أفضل نُظُم السجون المعمول بها حالياً، يقوم على أساس تقسيم فترة السجن إلى عدة مراحل مختلفة، كل مرحلة لها نظام خاص في التعامل مع السجين. المرحلة الأولى تمتاز بالشدة والصرامة لهذا يكون السجنُ انفرادياً، ثم تخف الشدة بالتدريج، كل مرحلة جديدة تكون أطيب وألطف من التي قبلها، حتى إذا وصل السجين إلى الفترة الأخيرة من حياته داخل السجن، ينعم بمعاملة تكاد تخلو تماماً من كافة مظاهر الشدة والقسوة، ويتم تمكينه أن يعيش فترة كافية داخل السجن في نمط حياة قريب جداً من نمط الحياة الطبيعية خارج السجن. أما معيار الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التي بعدها، فهو ما يُبديه السجين من روح طيبة وحسن تصرف، بما يؤشر على تجاوبه العملي مع ما يقدمه السجن- كمؤسسة عقابية تهدف للإصلاح وليس لتدمير شخصية السجين- من برامج للتأهيل الذهني والنفسي والروحي، بحيث تنمو شخصية السجين للأفضل ولا يموت ما فيها من خير ولا تنطفئ فيه روح الحياة.

يقول المؤلف: “هذا النظام التدريجي يتفادى مساوئ الانتقال المفاجئ من التقييد الكامل للحرية إلى الحرية التامة”. وهذا شيء طبيعي، فالسجين الذي يقضي داخل السجن سنوات طوالاً مسلوب الحريات كافة، عندما ينتقل بصورة مفاجئة إلى وضع جديد، يسترد فيه دفعة واحدة كافة الحريات؛ فإنه يجد نفسه في ملعب غير مؤهل وغير مدرب على نزوله؛ لأنه يفتقد كامل اللياقة الذهنية والنفسية والروحية سواء لاستيعابه أو فهمه أو التعامل معه، فاسترداد القدرة على الحياة الطبيعية يحتاج إلى تأهيل عملي مدروس، حتى لا يخرج السجين من إطار بات يعلمه جيداً، وهو السجن إلى متاهة بات يخشى التوهان فيها، كما يخشى ولوجها كما يعجز عن التعرف عليها بعد طول انقطاع عنها، وهي الحياة الطبيعية. ثم في أي مجتمع نابض في الحياة، فإن غياباً في السجن لفترة عشر سنوات يعود بعده الغائب ليرى كل شيء تغير، فلو ترك طفلته في سن العاشرة، فسوف يعود ليراها عروسة ناضجة، ولو ترك طفله في الرابع الابتدائي، فسوف يعود ليجده طالباً جامعياً، ناهيك عن تغير ملامح كل من يعرف من البشر والشوارع والمدن والقرى.. إلخ.

ومع النظام التدريجي وُجدت ولا تزال توجد أنظمة ثلاثة: النظام الجمعي، النظام الانفرادي، النظام المختلط. وهي تتفاوت فيما بينها، في مقدار ما تسمح به من تواصل بين نزلاء السجون. وفيما يلي شرح موجز لها مأخوذ عن المؤلف الدكتور هشام شحاتة إمام.

1 – النظام الجمعي: هو أقدمُها، وهو أبسطُها، وغرضُه هو التحفظ على السجناء داخل أسواره، ثم منعهم من الهرب خارجه، وكان هو النظام الوحيد المعمول به حتى نهاية القرن الثامن عشر. وهو يقوم على أساس الجمع بين المسجونين في مكان واحد، يختلطون أثناء النهار، كما يختلطون أثناء الليل، وعند الطعام، وفي العمل، وعند الراحة، وعند النوم، ومسموح لهم بالحديث مع بعضهم، كل ذلك بلا قيود سواء على النشاط أو التواصل أو الكلام. الفصل الوحيد هو الفصل بين الرجال في مكان، بينما النساء في مكان آخر والأطفال في مكان مخصوص بهم. هذا النظام الجمعي كان هو الأقرب للطبيعة الإنسانية، كما هو الأقرب للحياة خارج السجون، ومن ثم لم تكن هناك مشكلة في إعادة تكيف المحكوم عليه مع الحياة بعد الإفراج عنه، لكن كان يعيب هذا النظام: شيوع العلاقات الجنسية المثلية، انتقال فنون الإجرام من العتاة إلى المبتدئين، بل وصل إلى تشكيل عصابات داخل السجن، تمارس عملها بعد الخروج منه، كما كان يحدث أن يتكتل السجناء ضد إدارة السجن.

2 – النظام الانفرادي أو النظام البنسلفاني نسبة إلى ولاية بنسلفانيا الأمريكية التي شهدت ميلاد هذا النظام الذي جاء كفكرة من الكنيسة، مُفاد هذه الفكرة، أن السجن الانفرادي يسمح للإنسان بمرحلة عزلة يعود فيها إلى ضميره ويناجي فيها ربه ويعترف فيها بأخطائه، وتنعقد لديه النية على التوبة وتنشأ لديه الإرادة على استئناف مسيرة صالحة في الحياة بعد الخروج من السجن، هذه هي أصل نشأة عقوبة السجن الانفرادي وغايتها التأهيلية والتهذيبية والإصلاحية للنفس الإنسانية. السجن الانفرادي يجمع بين السلب الكامل للحرية مع العزل الكامل عن الغير، ويُعرَفُ بأنه أعلى درجات التفريد العقابي. وهو يتفادى عيوب الاختلاط في النظام الجمعي. لكنه ضد الطبع الإنساني إذ الإنسان مدني بالطبع واجتماعي بالطبع، والعزلة الكاملة لفترات طويلة تنال من إنسانيته، وتترك فيه أثراً سلبياً، ربما يدمر صحته البدنية وسكينته النفسية وسلامه العقلي، ثم وهذا هو الأخطر يباعد بين السجين والقدرة على إعادة التكيف مع الحياة الطبيعية بعد الخروج من السجن.

3 – النظام المختلط، وفيه يختلط السجناء بالنهار، ثم يتم عزلهم بالليل، ففي النهار يختلطون في أنشطة السجن، والطعام، ودروس التأهيل، وبرامج التهذيب والإصلاح، لكن غير مسموح لهم بالحديث مع بعضهم، فالقاعدة فيما يخص الحديث فيما بينهم هي “قاعدة الصمت المُطلَق”. حتى إذا أقبل الليل يتم عزل بعضهم عن بعض عزلاً تاماً، إذ يبيت كل سجين في زنزانة انفرادية. وهو نظام وسط، ما فيه من اختلاط بالنهار يسمح بمزاولة قدر جيد من الحياة الطبيعية، وعزلهم في الزنازين الانفرادية بالليل فيه شكل العقاب، أما أن الحديث بينهم ممنوع رغم الاختلاط بالنهار، فهي قاعدة صعبة التطبيق عملياً وتسبب مشقة نفسية، إذ الأصل إن الإنسان حين يلتقي إنساناً آخر، فإن أول شيء يفعلانه هو الكلام والسلام.