في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها السودان، برز في شرق البلاد تطور لافت، تمثل في إعلان خمسة فصائل مسلحة تجديد تحالفها تحت مسمى ميثاق «شرق السودان»، في خطوة تعكس سعيًا لإعادة تنظيم المشهدين السياسي والعسكري في الإقليم. جاء هذا الإعلان خلال فعاليات سياسية واجتماعية في ولاية كسلا ليؤشر على بروز فاعل جديد، يطرح نفسه بوصفه قوة محلية لحماية الإقليم الشرقي مع اتخاذ موقف معلن بعدم الانخراط في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ويضم التحالف قوى متعددة من بينها، حزب مؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد، وحركة تحرير شرق السودان بقيادة إبراهيم دنيا إلى جانب الحركة الوطنية للعدالة والتنمية والجبهة الوطنية لشرق السودان وجماعة “الأسود الحرة” بقيادة محمد صالح عابد، ما يمنحه وزنًا سياسيًا وعسكريًا متناميًا في شرق السودان.

ويعد إبراهيم دنيا المهندس المحلي الأبرز لهذا التحالف، إذ لعب دورًا مركزيًا في تنسيق الفصائل وإعادة هيكلة وجودها على الأرض، مستندًا إلى خطاب يقوم على الحماية المحلية والدفاع عن حقوق مجتمعات الشرق بعيدًا عن استقطابات الحرب الراهنة. وفي هذا السياق، أعلن التحالف بوضوح موقفه من الحرب الدائرة في السودان، مؤكدًا أنه لن ينخرط في القتال إلى جانب أي من طرفي الصراع، باعتبار أن شرق السودان لم يكن طرفًا في إشعال الحرب ورافضًا تحويل الإقليم إلى ساحة صراع أو مورد بشري لها. وعلى المستوى الأمني تبنّى التحالف مبدأ الدفاع الذاتي عبر تنسيق أمني مشترك بين فصائله مع التركيز على حماية المدن والمواني والطرق القومية، ولا سيما بورتسودان وكسلا والقضارف ورفض أي وجود مسلح “غريب” أو محاولات لجر الإقليم إلى الفوضى.

وفي المقابل، لا توجد حتى الآن تصريحات رسمية مباشرة من الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة تتناول تحالف حركات شرق السودان بشكل محدد، غير أن خطابه العام يشي باتجاه يركّز على أولوية الحرب ضد قوات الدعم السريع والتشديد على القضاء عليها واستعادة سيطرة الدولة عبر الجيش مع رفض أي مسار تفاوضي معها قبل تسليم سلاحها. وفي هذا الإطار يعتمد البرهان على تنظيمات وفصائل مسلحة موالية، ويعمل على دمجها رسميًا تحت قيادة الجيش ضمن عمليات إعادة التنظيم العسكري الجارية.

وكان إبراهيم دنيا قد أطلق حركة تحرير شرق السودان بعد اندلاع الحرب في عامي 2023 و2024، ككيان مسلح أعلن انخراطه في تجنيد وتدريب مقاتلين للدفاع عن إقليم الشرق، خاصة من قبيلتي بني عامر والحباب. ووفق تقارير محلية، عمل دنيا سابقًا في صفوف الشرطة السودانية قبل أن يهاجر إلى دولة قطر، ويعمل في الشرطة القطرية، ثم عاد إلى السودان عقب اندلاع الحرب. كما برز اسمه خلال عامي 2021 و2022 على خلفية التوترات التي شهدتها المنطقة بين قبائل البجا وقبائل بني عامر الممتدة بين السودان وإريتريا، وهو ما أسهم في تكريس حضوره بوصفه فاعلًا مؤثرًا في معادلات شرق السودان.

شرق السودان في ميزان أسمرا

انتشرت التسريبات الأولى عن وجود معسكرات تدريب لحركات مسلحة سودانية داخل الأراضي الإريترية بعد شهر من سيطرة قوات الدعم السريع على عاصمة ولاية الجزيرة، وانسحاب الجيش ووصول قواتها إلى تخوم ولاية القضارف في أواخر ديسمبر 2023. هذه التطورات الميدانية شكّلت لحظة مفصلية في حسابات دول الجوار، خصوصًا إريتريا التي تنظر إلى شرق السودان، باعتباره مجالًا حيويًا متصلًا مباشرة بأمنها القومي، لا مجرد شريط حدودي قابل للعزل. وقد أشارت التسريبات إلى تأسيس معسكرات تدريب عسكري لحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي والجبهة الشعبية للتحرير والعدالة بشرق السودان بقيادة الأمين داؤود داخل الأراضي الإريترية بدعم غير مباشر من القوات المسلحة السودانية، غير أن المعطيات الأعمق تكشف أن المقاربة الإريترية تجاوزت حدود التنسيق الظرفي مع الخرطوم، واتجهت نحو بناء أدوات نفوذ مستقلة وأكثر قابلية للتحكم.

في هذا السياق، لم يكن اهتمام أسمرا منصبًا على دعم الحركات المسلحة التقليدية، بقدر ما ركّز على تسليح وتنظيم البنى القبلية ذات الامتدادات العابرة للحدود وعلى رأسها قبيلتا البني عامر والحباب، باعتبارهما رافعة اجتماعية وأمنية مزدوجة التأثير داخل السودان وإريتريا معًا. هذه المقاربة تعكس عقيدة أمن قومي إريترية قائمة على مبدأ “التحكم غير المباشر”، حيث يتم احتواء التهديدات عبر فاعلين محليين قابلين للتوجيه، بدل الانخراط المباشر أو الرهان على سلطة مركزية سودانية، باتت تعاني من تآكل بنيوي حاد.

تمخضت هذه السياسة عن بروز حركة «قوات تحرير شرق السودان» بقيادة إبراهيم دنيا، ولا يمكن قراءة صعود هذه الحركة بوصفه تطورًا عفويًا، بل كنتاج مباشر لإعادة هندسة المجال الأمني في شرق السودان ضمن تصور إقليمي، يرى أن الإقليم يتجه على الأقل في المدى المتوسط نحو نموذج الدولة الضعيفة متعددة مراكز القوة.

تحت رعاية إريترية واضحة، عقدت حركة إبراهيم دنيا مؤتمرها التأسيسي الأول في الفترة من 10 إلى 13 مايو 2024 في معسكرها القريب من قرية تمرات داخل الحدود الإريترية بحضور لافت لممثلين عن الحكومة الإريترية وشخصيات من أحزاب وحركات مسلحة سودانية، مقابل غياب كامل للتمثيل الرسمي للحكومة السودانية. ويقدّر عدد مقاتلي «قوات تحرير شرق السودان» بنحو ألفي مقاتل في ذاك التاريخ، يتكوّنون أساسًا من قبيلتي البني عامر والحباب. وقد صاغت الحركة خطابها السياسي والعسكري حول مفهوم “الحماية الإقليمية” والدفاع عن السكان المحليين في مواجهة انتهاكات طرفي الحرب، وهو خطاب يمنحها شرعية اجتماعية مرنة.

في المراحل الأولى، بدا الموقف الإريتري متناغمًا ظاهريًا مع الحكومة السودانية، إذ جرى تواصل مباشر بين الخرطوم وأسمرا للتنسيق في مواجهة تمدد قوات الدعم السريع نحو الشرق انطلاقًا من مخاوف مشتركة، تتعلق بأمن الحدود الغربية لإريتريا. غير أن هذا التناغم لم يمنع أسمرا من توسيع دائرة استضافتها لقوى أخرى من بينها «قوات مؤتمر البجا» بقيادة موسى محمد أحمد ذات القاعدة الهدندوية و«قوات الأورطة الشرقية» بقيادة الأمين داؤود من قبيلة البني عامر و«الحركة الوطنية للبناء والتنمية» بقيادة محمد طاهر سليمان بيتاي التي تستند إلى امتدادات قبلية في مناطق همشكوريب وتلكوك المتاخمة للحدود الإريترية. هذا التعدد يعكس رغبة إريترية واضحة في بناء سلة خيارات بديلة تحسّبًا لأي انهيار أو تحوّل مفاجئ في موازين القوة داخل السودان.

ميدانيًا، ومع إعادة تموضع قوات الدعم السريع باتت الطرق المؤدية إلى ولايتي القضارف وكسلا ضمن نطاق التهديد المباشر، فيما تمثل كسلا البوابة الجنوبية لبورتسودان المركز البحري الأهم المتبقي للدولة السودانية. هذا الواقع يضع شرق السودان في قلب معادلة البحر الأحمر بوصفه نقطة التقاء بين الصراع البري الداخلي والتنافس الإقليمي والدولي على المواني وخطوط الملاحة. وقد ناقش مسئولون سودانيون هذه التهديدات مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في ظل ذاكرة تاريخية، لا تزال حاضرة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، حين كانت الخرطوم تتهم أسمرا بتدريب المتمردين السودانيين، قبل أن يفتح اتفاق سلام شرق السودان صفحة جديدة من العلاقات.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى وجود ما لا يقل عن خمسة معسكرات لتدريب مقاتلين سودانيين داخل إريتريا ثلاثة منها في منطقة مهيب بإقليم القاش بركا، دون أن تصدر أسمرا أي تعليق رسمي، مكتفية بخطاب عام يدعو إلى السلام والحوار. ويرى مراقبون، أن جوهر التدخل الإريتري لا يهدف إلى إسقاط الجيش السوداني، بل إلى ممارسة ضغط محسوب على الخرطوم، خصوصًا في ظل علاقاتها مع المعارضة الإريترية مع تجنب تمكين قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المتحالفة مع أبوظبي، لما يحمله ذلك من مخاطر توسع النفوذ الخليجي في شرق السودان والقرن الإفريقي.

يبقى شرق السودان بالنسبة لإريتريا مساحة شديدة الحساسية بفعل الامتدادات الإثنية والتاريخ المشترك إذ شكّل الإقليم لعقود عمقًا خلفيًا للثورة الإريترية خلال سنوات الكفاح المسلح. لذلك تتعامل أسمرا مع أي تحرك عسكري أو سياسي في الشرق، باعتباره مسألة أمن داخلي مؤجلة. وعلى هذا الأساس تسعى إلى الوقوف على مسافة محسوبة من طرفي الحرب السودانية مع العمل على توحيد القوى المسلحة التي ترعاها تحت قيادة واحدة، كأداة احتواء ومنع لانفلات غير قابل للسيطرة.

غير أن هذه المقاربة رغم عقلانيتها من منظور الأمن الإريتري، تحمل مخاطر بنيوية على السودان، إذ تؤدي إلى عسكرة الهويات المحلية وتحويل قوى “الحماية” إلى سلطات أمر واقع، يصعب تفكيكها لاحقًا. ومع غياب مشروع وطني سوداني جامع يتحول شرق السودان تدريجيًا من هامش للصراع إلى عقدة استراتيجية، تُدار فيها الفوضى بدل حلها في إطار إقليمي يرى في الإنهاك الطويل للدولة السودانية فرصة لإعادة ترتيب النفوذ لا لإنهاء الحرب.

هل يشكّل تحالف شرق السودان نموذجًا تفكيكيًا جديدًا، يهدد الدولة السودانية وأمن البحر الأحمر؟

يُظهر التحالف الجديد في شرق السودان تقاطعًا استراتيجيًا عميقًا مع نموذج ومشروع الدعم السريع، حتى وإن لم يكن مملوكًا أو مُدارًا من الجهة نفسها. فجوهر هذا التقاطع لا يكمن في تبعية مباشرة، بل في الفكرة المؤسسة ذاتها، وهي رفض مركزية الدولة وإعادة تعريف السلطة من الأطراف، بما يجعل الدولة السودانية مهددة في بنيتها ووظيفتها لا في حكومتها فقط، ورغم أن الحكومة لم تعلن صدامًا مباشرًا مع هذا التحالف حتى الآن، إلا أن وجوده يمثل طعنة في خاصرتها نظرًا لحساسية الشرق وارتباطه المباشر بورقة البحر الأحمر التي تُعد الركيزة الجيو سياسية الأهم المتبقية للدولة السودانية. هذا التعقيد الإضافي يضاعف الضغط على السلطة المركزية، ويجعل قدرتها على إدارة النزاع أكثر هشاشة.

في الوقت نفسه، يشكل هذا التحالف مشروع تفجير محتمل للأوضاع في شرق السودان لا بوصفه مطلبًا تنمويًا فحسب، بل كجزء من مسار تفككي أوسع يستخدم الغطاء المطلبي ذاته الذي انطلقت منه معظم المشاريع التفككية السابقة في السودان. فالتجربة تشير إلى أن خطاب التهميش حين يُفصل عن مشروع وطني جامع، يتحول من أداة ضغط سياسي مشروع إلى مدخل لتفكيك الدولة، وهو ما يضع التحالف في خانة مشروع تفكك جديد، يذبح وحدة السودان بالمنطق نفسه الذي استُخدم في الغرب.

نحن عمليًا أمام نموذج موازٍ، لما مثله الدعم السريع في غرب السودان، وهذه المرة في الشرق مع اختلاف الفاعلين وطرق الإدارة، لكن مع تشابه البنية الوظيفية. هذا النموذج يستند إلى حساسية إقليمية عالية، خاصة في علاقته مع إريتريا التي ترى في أي تفجر للأوضاع في شرق السودان تهديدًا مباشرًا لأمنها الداخلي بفعل التداخلات القبلية والاجتماعية العابرة للحدود. لذلك تدير إريتريا هذا الملف من زاوية احتواء المخاطر بعيدًا عن حدودها؛ خشية تسلل الفوضى إلى الداخل الإريتري لا من باب دعم استقرار السودان لذاته.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التحالف عن دور الإسلاميين ونظام البشير السابق الذين كانوا جزءًا من معادلة النفوذ في شرق السودان. خروج محمدالأمين ترك ناظر عموم الهدندوة من التشكيل الجديد، مثّل تحييدًا كاملًا لأذرع الإسلاميين في الإقليم، ما جعلهم على النقيض التام من هذا التحالف. كما أن إعلان كل من الأمين ترك والأمين داؤود قائد قوات الأورطة الشرقية دعمهما للجيش في الحرب ضد الدعم السريع، يضع الشرق على حافة انفجار سياسي واجتماعي مبكرا، لأن أي صدام بين هذه القوى سيعيد تشكيل المشهد بسرعة وبكلفة عالية. ويزداد هذا الخطر مع الشعبية المتنامية التي يحظى بها التحالف الجديد مدعومة بحوافز كبيرة، يقدمها لمجتمعات الشرق التي تعاني من فقر مدقع، ساهمت فيه سنوات من التهميش ومعسكرات التجييش عبر الحدود.

خطورة انفجار شرق السودان تتضاعف عند ربطها بحالة الإنهاك الطويل التي وصل إليها طرفا الصراع الرئيسيان الجيش والدعم السريع بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من القتال. فكلا الطرفين بلغا نقطة استنزاف واضحة دون قدرة على الحسم الكامل. في المقابل، تشكلت على الأرض حالة تجزئة واقعية للسودان، حيث يهيمن الدعم السريع على أجزاء واسعة من الغرب، ويتمدد تدريجيًا، بينما يسيطر الجيش على الشمال والشرق والوسط في ظل عجز بنيوي عن استعادة الدولة الموحدة. هذا الانقسام لم يعد نظريًا، بل أصبح نمط حكم فعلي ترافقه حالة من التعايش القسري مع الانقسام وفشل متكرر لمساعي التسوية السياسية.

فوضى أخرى تلوح في الأفق

في هذا المشهد، لم يعد الإنهاك الطويل مجرد نتيجة للحرب، بل تحول إلى أداة لإدارة الأزمة. وربما الإقليم والعالم يتعاملان مع السودان كساحة نفوذ مفتوحة، لا ككيان يحتاج إلى إنقاذ عاجل. بعض القوى ترى في استمرار الحرب فرصة لإدارة مصالحها الاقتصادية والأمنية بأقل كلفة دون الالتزام بمخاطر الحل. التطور المنطقي لهذه الحالة إما كسرها عبر انفجار جديد و تثبيتها كواقع دائم. انفجار الشرق يبدو أحد السيناريوهات القادرة على كسر حالة الإنهاك، لكنه يفعل ذلك عبر استدعاء تدخل خارجي أوسع وأكثر مباشرة على غرار ما حدث في بقية البلاد. أما السيناريو الآخر فهو ترسيخ التجزئة الواقعية، وهو أخطر في الشرق تحديدًا؛ بسبب ارتباطه المباشر بأمن البحر الأحمر، ما يفتح الباب أمام نماذج شبيهة بالصومال واليمن، حيث تتحول السواحل إلى ساحات نفوذ متنازع عليها.

من الواضح أن التحالف الجديد يحمل بصمة وجوه قديمة وجديدة في المشهد الإقليمي، تسعى للتنفس عبر البحر الأحمر وتثبيت موطئ قدم في الملف السوداني. بذلك لم يعد ظهور هذا التحالف حدثًا محليًا محدود الأثر، بل عاملًا يعيد رسم معادلة النزاع السوداني، ويهدد بتحويل الشرق من منطقة هامشية في الحرب إلى مركز ثقل جديد فيها. وأغلب الظن في ظل هذه المعطيات، أننا لا نقف أمام مسار استقرار، بل على أعتاب فوضى أخرى تلوح في الأفق القريب.