تبدت أولوية البترول لتسويغ العملية العسكرية على فنزويلا.
البترول ولا شيء قبله.
اختُطف الرئيس “نيكولاس مادورو” بذريعة تزعمه شبكة تهريب مخدرات وإرهاب وقُدم مقيدا كمجرم جنائي أمام محكمة فيدرالية في نيويورك.
بذرائع منتحلة أخرى شنت الولايات المتحدة بمشاركة بريطانية حربا على العراق عام (2003)، حُل جيشه وفُككت دولته وحُطمت مقدراته قبل أن يثبت بيقين أن اتهامه بامتلاك أسلحة دمار شامل ورعاية الإرهاب باطلة تماما، وكاذبة مطلقا.
كانت محاكمة الرئيس العراقي “صدام حسين” تعبيرا عن إيحاء مراوغ بأن هناك محاكمة وعدالة، غير أن الصورة التي بدا عليها متماسكا وقويا طوال محاكمته وحتى إعدامه أفشلت محاولات طرده من الذاكرة العامة.
بقدر آخر، لم تنجح الجلسة الأولى من محاكمة “مادورو” في بناء صورة الإرهابي الذي يتزعم عصابات المخدرات بأمريكا اللاتينية.
بدت عبارته: “أنا أسير حرب” كافية لوضع الأمور في نصابها.
في الحربين على العراق وفنزويلا رافقت المطامع البترولية مشاهد السلاح.
شاعت في الأولى، عبارة لافتة: “إنه البترول يا غبي”.
استلهم ذلك التعبير شعار الحملة الانتخابية للرئيس الأسبق “بيل كلينتون”: “إنه الاقتصاد يا غبي” للطعن في أهلية تجديد ولاية الرئيس الجمهوري الأب “جورج بوش”.
مطلع تسعينيات القرن الماضي لم تكن القضية سقوط الاتحاد السوفيتي وتداعياته الاستراتيجية بعد انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، بل الاقتصاد وأزماته وتأثيره على مستويات معيشة الأمريكيين.
ربح “كلينتون” رهانه الانتخابي، بدا شعاره ملهما في معارضة الحرب على العراق التي شنها “جورج بوش– الابن”، لكن بصياغة أكثر تحديدا ووضوحا، البترول خصوصا لا الاقتصاد عموما.
“إنه البترول يا غبي”.
كان ذلك عنوانا لمقال كتبه الصحفي الكبير الراحل “محمود عوض” فند فيه الرهانات التي شاعت وقتها من بعض النخب الصحفية والسياسية المصرية والعربية لتسويغ الحرب على بلد عربي جوهري بوهم أنها تستهدف إحلال الديمقراطية وإنهاء الديكتاتورية في العراق، والشرق الأوسط كله.
“إنه البترول يا غبي”، لا إحلال الديمقراطية ولا إنهاء الديكتاتورية.
بعد الحرب ثبت بيقين أنه لم تكن هناك أسلحة دمار شامل، وأن التقارير الاستخباراتية التي تردد فحواها في مجلس العموم البريطاني والكونجرس الأمريكي ومجلس الأمن الدولي كانت كاذبة واستخدمت لخداع الرأي العام.
وثبت بيقين أنه لم تكن هناك أدنى صلة لنظام الرئيس العراقي الراحل “صدام حسين” بتنظيم “القاعدة”، بل إن التنظيم وجد طريقه لبلاد الرافدين بعد احتلالها.
في الحرب على فنزويلا، لم تكن هناك أية أوهام ديمقراطية!
بدا كل شيء واضحا وفاضحا في الوقت نفسه.
في وثيقة خطية كتبها نائب الرئيس “طه ياسين رمضان” بخط يده من داخل معتقل “كروبر”، نشرتها مطلع أكتوبر (2005)، تبدى قدر الانتهاكات التي جرت بحق أركان النظام السابق، دون أن يثير ذلك حفيظة أحد.
في الوثيقة الخطية إشارات لاعتداءات بدنية على الرئيس العراقي ونائبه فور مغادرة قاعة المحكمة، التي شهدت رفضًا منهما لتعريف هويتهما، أرادا أن يمضيا إلى نهايتهما المحتمة مرفوعي الرأس.
قيل إن “صدام حسين” ارتكب انتهاكات مماثلة، ربما أبشع، لتسويغ الاعتداء بالضرب والتعذيب على أركان حكمه.
أسقطت تلك الحجة، التي ترددت وقتها على نطاق واسع، أية فروق إنسانية مدعاه، وأية شرعية منتحلة لقوات الاحتلال.
في مشاهد غير إنسانية وغير قانونية بأية معايير دولية جرى ضرب الرئيس العراقي ورفافه، وإجباره معهم على الزحف أرضًا لمسافات طويلة، أو الجلوس شبه عراة إلا من دشداشة على الرأس لساعات طويلة.
عندما نقلوا إلى المحاكمة قيدت أياديهم وعصبت العيون، وسحبوا كقطعان غنم.
هكذا بالحرف كتب “طه ياسين رمضان”.
لا توجد شهادة أخرى، ثابتة ومؤكدة، عما كان يحدث خلف أسوار المعتقل الذي أودع فيه “صدام حسين” ورفاقه تضاهي تلك الوثيقة، لكل إيماءة فيها معنى ورسالة للمستقبل الذي أريد أن يكون عليه “العراق الجديد”.
لا أحد يعرف حتى الآن ما الذي يتعرض له بالضبط الرئيس الفنزويلي من ضغوط وإهانات لكسر إرادته، ولا أحد يعرف ما الذي سوف يحدث غدا في ترتيبات السلطة وإذا ما كانت هناك خيانة قد جرت.
المؤكد أن ما حدث أو ما قد يحدث لا علاقة له بالديمقراطية أو تهريب المخدرات.
بذات درجة التأكيد فإن “مادورو” ظل مدافعا صلبا عن القضية الفلسطينية وحليفا موثوقا لكل ما هو تحرري في العالم العربي.
بكل وضوح لم يخف الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أهدافه الحقيقية.
أولوياته كلها إعادة بناء قطاع النفط في فنزويلا ودعوة الشركات الأمريكية لضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية المتهالكة.
“سنعيد الإنتاج إلى مستويات مربحة للبلاد”.
قاصدا أمريكا لا فنزويلا.
حسب المعلومات المتداولة فإن إنتاج فنزويلا الحالي لا يتجاوز (80) ألف برميل يوميا، أو (1%) من الإنتاج العالمي، رغم امتلاكها أكبر احتياطي في العالم.
لا يتضمن كلام “ترامب” أية قواعد ديمقراطية، ولا أية إشارة إلى حق الفنزويليين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
يلوح بتدخل عسكري بري مباشر إذا لم تتبع الرئيسة المؤقتة “ديلسي رودريجيز” تعليماته ونواهيه، وهذه مسألة يصعب تمريرها بلا عواقب وخيمة تقوض نهائيا ادعاءاته أنه رجل سلام!
في مقاربة لافتة قال: “الفرق بين ما حدث بالعراق وما يحدث الآن أن بوش لم يحتفظ بالنفط بينما سنتحفظ به”.
هكذا بكل صفاقة تتجاوز كل اعتبار.
لصوصية بلا مساحيق تجميل.
لم يكن ذلك هو الفارق الوحيد!
بدت القضية الرئيسية في الحرب على العراق تحطيم البلد نفسه لصالح إعادة بناء المنطقة من جديد وفق رؤية “المحافظين الجدد”.
كانت هذه النسخة الأولى للشرق الأوسط الجديد.
بالنسبة لـ”ترامب” لا توجد نسخ معتمدة سلفا.
إذا ما نجحت مغامرته الفنزويلية، وهذه مسألة مشكوك فيها، فقد تكون الضربة التالية في جرينلاند الدانماركية طمعا في ثرواتها المعدنية النفيسة.
الاتحاد الأوروبي يناهض مثل هذه الخطة، والدانمارك تتحدها وتلوح بورقة أنها عضو في حلف “الناتو”.
لهذه التعقيدات فالأغلب أن يضرب إيران مجددا بضغط إسرائيلي وعينه على نفطها!
بذريعة حماية المتظاهرين السلميين من عسف السلطات يلمح لتدخل عسكري، لا يهمه المدنيين ولا تعنيه الديمقراطية.
المطامع البترولية تصاحب مشروعات الهيمنة على المنطقة ونزح ثرواتها.
إذا ما ارتدعت فرائص المنطقة العربية، فإن الاستيلاء الكامل على ثرواتها النفطية مسألة وقت.






