مع مطلع العام الميلادي الجديد، ينتهي موسم الانتخابات البرلمانية المصرية، وينسدل الستار على أهم الأحداث السياسية المصرية، والتي معها يٌولد مجلس النواب الجديد، الذي من المفترض وفق الأسس الديمقراطية، أن يكون معبراً عن إرادة المصريين ورغبتهم الحقيقية في من يمثلهم وينوب عنهم في عضوية المجلس التشريعي والرقابي، وبالتالي، فهو بذلك إنما يعبر عن آمال وآلام الشعب وطموحاته المستقبلية ومعالجة أوجاعه وتصحيح مسارات خاطئة، تمت بشأنه على مدار سنوات مضت، فهل كانت هذه الانتخابات بتلك المثابة التي تستحق معها أن توصف بتلك الأوصاف؟ أم أن هذه الانتخابات برمتها كانت معبرة عن أشياء وأمور أخرى، لا تليق بمستوى مفهوم ومعنى الديمقراطية، ومدى احترامها لمعنى سيادة القانون.
في دراسة للدكتور كمال جعلاب منشورة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تحت عنوان دولة القانون الديمقراطية، إشكالية المفهوم ومتطلبات الدسترة. جاء فيها أنه: تُعدّ الديمقراطية إحدى القيم الأساسية التي ينبغي أن يجسّدها مضمون القانون، وإذا كان مفهوم دولة القانون والديمقراطية منفصلين نظريًا، فإنه يمكن عدّهما من الأدوات القانونية والسياسية الضرورية لعملية الانتقال الديمقراطي، حيث إن بناء دولة القانون يُعدّ من أهداف العملية الديمقراطية، وبالمثل، فإن خضوع الدولة للقانون لن يكون فعالًا إلّا حينما تكون قاعدة القانون معبّرة في محتواها عن مبادئ الديمقراطية وقيم الحقوق والحريات.
ذلك حيث يُعدّ مبدأ دولة القانون أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدستورية، ويقتضي تقييد سلطة الدولة وإخضاعها للقانون، الذي يجب أن يكون فوق الجميع، ولذلك، صار مبدأ دولة القانون عنصرًا أساسيًا في تعريف الدولة الحديثة في القانون الدستوري. غير أن عملية صنع القانون، على الرغم من طابعها الإجرائي الذي يقوم على احترام أشكالٍ وإجراءات معيّنة ومحددة سلفًا، ليست مستقلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية؛ إذ أن طريقة وضع القاعدة القانونية يجب ألّا تكون أكثر أهمية من محتوى القاعدة نفسها، ومما يجب أن يعكسه هذا المحتوى من مبادئ وقيم مشتركة في مجتمع ما، حتى يتحقق الخضوع للدولة وقانونها.
وإذ يرتبط من الناحية النظرية مبدأ سيادة القانون ارتباطًا وثيقًا بمبادئ الديمقراطية. فالدولة الديمقراطية التي تحكمها سيادة القانون هي دولة ينتخب فيها المواطنون قادتهم، وتلتزم الحكومة بالقانون، مع الحرص في الوقت نفسه على ضمان احترام القانون بين المواطنين. لا يمكن للديمقراطية أن تقوم بدون سيادة القانون، ولا سيما القاعدة التي تحدد من يتولى المناصب العامة بناءً على نتائج الانتخابات. ومع ذلك، فإن دعم سيادة القانون خلال موسم الانتخابات وحده لا يكفي. فاستقرار الديمقراطية يعتمد على توازن ذاتي التنفيذ. بعبارة أخرى، يجب على المسئولين السياسيين احترام حدود الديمقراطية في تصرفاتهم، وخاصة فيما يتعلق بحقوق المواطنين. وتُعد المؤسسات التي تُحافظ على استمراريتها، والتي لا تعمل بناءً على فردية الفاعلين، جهات فاعلة قوية تُساهم في استقرار هذا التوازن. ففي مؤسسة مستقرة ذاتية الاستمرارية، تُحل جميع النزاعات وفقًا لقواعدها، وبالتالي، تُساهم سيادة القانون في استقرار المجتمع الديمقراطي. إن سيادة القانون في المؤسسات الديمقراطية تسمح للحكومات بممارسة إرادتها من خلال التشريعات العامة، ثم تخضع هي نفسها لتلك التشريعات.
إذن فلا بد من حيث البدء، أن تكون هناك رغبة سابقة للانتخابات لدى الحكومة، في أن تكون هذه الانتخابات نزيهة ومعبرة عن الإرادة الحقيقية للمواطنين، ووفق الأسس القانونية التي وضعت لهذا الغرض، ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، بل ينبغي من حيث البنية الأساسية للقوانين المنظمة لهذه الانتخابات، أن تكون قد تم وضعها بطريقة ديمقراطية أيضا، ولا تكون هناك توجهات غالبة حال صياغة تلك النصوص، أو موجهة نحو نسق محدد، ترغب فيه القوة الغالبة والمسيطرة على مسار التشريع المنظم لأمر الانتخابات والمحدد لسير الديمقراطية، وهو ما يربطها بالمفهوم العميق لمدلول دولة القانون أو سيادة القانون، وبمعنى أقل حدة ألا تتوجه الكتلة الغالبة في المجلس التشريعي لصياغة النصوص على نحو يتوافق مع رغبتها فقط، ولا يكون معبراً عن أحوال المواطنين بشكل غالب، ومسايراً للصالح العام جميعه.
وهنا مربط الفرس كما يقول المثل الشعبي، فهل كانت النصوص المنظمة للمسار الانتخابي متطابقة مع تلك المعايير الأساسية والدستورية والسياسية، أم أن الأمر لم يكن ليهدف سوى لغير ذلك، إذ أن المتابع بشكل جدي وحقيقي لمسألة الانتخابات البرلمانية المصرية، يجد أن البنية التشريعية المنظمة لها، لا تتوافق مع المصلحة العامة للمواطنين، ولا تحقق لهم مجلس نواب يعبر عن مصالحهم، إذ أنه قد اقرت النظام الانتخابي على نسقي القائمة المغلقة، والتي حسمت نصف مقاعد مجلس النواب دون أي معاناة، وبغض النظر عما كان أعضاء تلك القائمة، والذين سوف يكون لكلمتهم ولصوتهم الغلبة داخل أروقة مجلس النواب من الأساس، متوجهين لصالح الشعب أم لهم مآرب أخرى، إذ أن المتأمل في أفراد تلك القائمة على طولها، يجد أن معظمهم من رجل الأعمال أو رجال الأموال، ومن ناحية سياسية، لا يخفى ارتباطهم بالحكومة، هذا بغض النظر عن كون غالبيتهم من أحزاب محسوبة بشكل قاطع على النظام الحاكم.
كما أن أمر الشق الثاني من هذه الانتخابات، والتي جرت على النظام الفردي، لا يخفى على قاصٍ أو دانٍ ما جرى فيها من خروقات ومساوئ، يكفي ما عبر عنه في مرحلتها الأولى رئيس الجمهورية، بخلاف ما أبطلته الهيئة الوطنية للانتخابات، وما أبطلته محكمة القضاء الإداري أو المحكمة الإدارية العليا، ولم يكن كل ذلك كافياً من أجل أن تمر هذه الانتخابات على نحو يليق بما يحقق طموحات المواطن البسيط، بل كان بها ما هو لا يقل عن مساوئ نظام القائمة من غلبة ذوي الأموال وأصحاب النفوذ والأحزاب الموالية للحكومة، وفي النهاية ما ينتج مجلس نواب على شقيه “القائمة والفردي” لن يكون معبراً سوى عن رغبات وطموحات الحكومة، وليس رقيباً عليها. ولا يخفى أن نشير إلى أنه حتى الطعون التي تقام أمام محكمة النقض على صحة النتيجة، بحسب النظام القانوني القائم، لا تنتهي بأمد بسيط، ولا تحقق عدالة كاملة في مفهوم أعمق وأكبر تأثيراً عن أحوال المواطنين.
إذن، فهناك إشكالية تقنية قائمة في خصوص تحقيق دولة القانون، أو سيادة القانون، ومدى علاقتها وارتباطها بتحقيق الديمقراطية، وذلك يتلخص في كيفية تحقيق المفهوم القانون الحقيقي، وليس الشكلي للإطار القانون الحاكم لأمور تنظيم وتحقيق الديمقراطية، بما يضمن غلبة الرغبة الحقيقية للمواطنين، وتحقيق مصالحهم، وليس تحقيق أهداف الحكومة أو الأحزاب ذات الغلبة التصويتية بغض النظر عن مدى توافق تلك الرؤية مع رؤية المواطنين وهمومهم، الأمر في هذا النطاق طريقه طويل ولا يقف عند حد معين، لكنه في نهاية المطاف يجب أن يقف عند حد مصلحة المواطن البسيط، ولنا أمل أن تتحقق تلك الرؤية حتى ولو مع الأجيال المقبلة؛ حفاظاً على مصالحهم واتفاقاً مع المفهوم الحقيقي والصحيح للديمقراطية.






