يدخل المصريون عام 2026 بدرجة ملحوظة من التفاؤل، وفق ما يرصد تقرير إبسوس، الصادر عن Predictions 2026 – Egypt Edition، والذي يعتمد على استطلاع رأي عام لقياس اتجاهات المزاج العام للجمهور من النواحي النفسية والاجتماعية تجاه العام الجديد. يذكر أن أبسوس هي شركة أبحاث سوق عالمية مقرها باريس، وتعمل في العديد من الدول.
التقرير لا يقدّم تنبؤات اقتصادية أو سياسية، بل يرصد ما يتوقعه المصريون على المستويات الشخصية والاقتصادية والاجتماعية، وتصوراتهم لما هو قادم.
بحسب التقرير، يسود اعتقاد واسع لدى المصريين، بأن عام 2026 قد يكون أفضل من سابقه، سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الدولة، مع تفاؤل نسبي تجاه بعض الملفات مثل الاستثمار والسياحة، يقابله قلق واضح في ملفات أخرى كارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة وسوق العمل.
هذا التفاؤل، بوصفه اتجاهًا نفسيًا واجتماعيًا، يطرح سؤالًا مشروعًا: إلى أي مدى تتقاطع هذه التوقعات مع القياس الفعلي للواقع، كما تعكسه البيانات والمؤشرات الصادرة عن التقارير الاقتصادية والبحثية المتخصصة؟
لا نسعى إلى دحض، ما تطرحه إبسوس، ولا إلى تبنّي قراءته، بل إلى رصد الاتجاهات الشعورية من جهة إبسوس، والوقائع الرقمية من جهة المصادر الدولية الموثقة. ومن خلال المقارنة، تظهر الصورة كما هي، دون افتراضات أو أحكام مسبقة.
التضخم وغلاء المعيشة: كيف يرى المصريون 2026؟ وماذا تقول المؤشرات الاقتصادية؟
بحسب تقرير إبسوس، يتوقع عدد كبير من المشاركين استمرار ارتفاع الأسعار خلال 2026، ويرى أغلبهم، أن تكاليف المعيشة قد تواصل الصعود بوتيرة أسرع من نمو الدخول.
كما يتوقع كثيرون بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة أو زيادتها، بما يعكس إدراكًا عامًا لضغوط اقتصادية، لم تُحسم بعد.
هذا الإدراك الشعبي يكتسب دلالته من كونه ينطلق من التجربة المعيشية خلال السنوات الماضية، التي اتسمت بموجات تضخم متتالية وارتفاعات حادة في أسعار السلع الأساسية، تركت أثرًا واضحًا على تصور الناس للمستقبل القريب.
في المقابل، تُظهر البيانات الصادرة عن تقارير اقتصادية وبحثية دولية ومنها تقارير البنك الدولي والأونكتاد “مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية”، أن الضغوط التضخمية في مصر ترتبط بعدة عوامل هيكلية، في مقدمتها ارتفاع كلفة الاستيراد، وتقلبات سلاسل الإمداد العالمية، وتداعيات التوترات الجيو سياسية على حركة التجارة والشحن.
وعند وضع الاتجاهات التي رصدتها إبسوس إلى جوار هذه المؤشرات، يبرز تقاطع لافت:
التوقعات الشعبية لا تفترض تحسنًا سريعًا في مستوى المعيشة، ولا تراهن على انخفاض وشيك للأسعار، بقدر ما تعكس استعدادًا نفسيًا للتعايش مع واقع تضخمي ممتد.
ويُلاحظ هنا أن القلق لا يتركز على “حدوث التضخم” بقدر ما يتركز في استمراره وتأثيره المباشر على الحياة اليومية.
هذا التوازي بين المزاج العام والوقائع الاقتصادية، لا يعني تطابقًا كاملاً بين الاثنين، لكنه يكشف عن درجة من الوعي الجمعي بطبيعة التحديات القائمة.
حيث تُظهر البيانات الاقتصادية، أن كبح التضخم مسار طويل ومعقّد، لا يرتبط فقط بمؤشرات الأسعار، بل أيضًا بتوازنات أوسع في الإنتاج، والاستيراد، والسيولة.
الجنيه وسعر الصرف.. لماذا يتوقع بعض المصريين تحسّن العملة في 2026؟
رغم القلق الجماهيري الواسع الذي يرصدُه تقرير إبسوس تجاه التضخم وغلاء المعيشة، فإن نتائج الاستطلاع تكشف في الوقت نفسه عن اتجاه مختلف نسبيًا، فيما يخص سعر الصرف.
إذ يتوقع قطاع غير قليل من المشاركين، أن يشهد الجنيه المصري تحسّنًا أو قدرًا أكبر من الاستقرار خلال عام 2026 مقارنة بالعام السابق.
هذا التوقع، لا يأتي في صيغة يقين اقتصادي، بل في إطار تصوّر عام، لما يمكن أن يكون عليه مسار العملة خلال العام المقبل. تصور يتعايش مع توقعات بارتفاع الأسعار واستمرار الضغوط المعيشية، وهو ما يلفت الانتباه إلى طريقة إدراك المصريين لمفهوم “تحسّن العملة”، حيث لا يبدو أن تحسّن الجنيه يُفهم بالضرورة، باعتباره عودة إلى مستويات سعرية سابقة أو انعكاسًا مباشرًا على تكاليف المعيشة، بقدر ما يرتبط بفكرة الاستقرار النسبي وتراجع التقلبات الحادة.
في المقابل، تشير تقارير اقتصادية دولية معنية بالاقتصاد الكلي، إلى أن مسار سعر الصرف يرتبط بعوامل أكثر تعقيدًا، تشمل حجم التدفقات الدولارية، وقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي من مصادر مستدامة مثل الصادرات والسياحة والاستثمار، إلى جانب سياسات إدارة العملة والالتزامات الخارجية.
وتوضح هذه التقارير، أن استقرار سعر الصرف لا يعني بالضرورة تحسن القوة الشرائية، خاصة في بيئة تضخمية مرتفعة.
وعند المقارنة، يظهر تباين دقيق في زاوية النظر ما بين رغبة وتطلع المزاج العام والحقيقة الاقتصادية:
فبينما يتعامل المشاركون مع سعر الصرف، باعتباره مؤشرًا على “هدوء المشهد” الاقتصادي، تنظر التحليلات الاقتصادية إليه كأحد عناصر منظومة أوسع، لا يعمل بمعزل عن مستويات الأسعار والدخل والإنتاج.
هذا التباين يُظهر، أن جزءًا من المجتمع بات يفصل ذهنيًا بين استقرار العملة من جهة، واستمرار ارتفاع تكاليف المعيشة من جهة أخرى، وهو فصل تشكّل تدريجيًا مع تكرار الصدمات الاقتصادية خلال السنوات الماضية.
ويعكس هذا التباين، أن التفاؤل المعلن لدى المصريين يتصل بتصوّر عام لمسار السنة الجديدة ، بينما يظل الحكم على المعيشة اليومية محكومًا بتجربة الأسعار والإنفاق الفعلي، وهو ما ينتج مزاجًا مزدوجًا يجمع بين الأمل الزمني والحذر الاقتصادي.
ومن هنا، فإن توقع تحسّن الجنيه في 2026، كما يورده تقرير إبسوس، لا يمكن قراءته كرهان على تحسّن شامل في الأوضاع الاقتصادية في تفكير المصريين، بقدر ما يمكن فهمه كتعبير عن تطلع إلى مرحلة أقل اضطرابًا.
وتُظهر المقارنة مع المؤشرات الاقتصادية، أن هذا التطلع يتقاطع مع واقع يسعى إلى الاستقرار أكثر، مما يعد بانتعاش سريع.
الاستثمار والسياحة.. تفاؤل بالدولة أم تحسّن في حياة الأفراد
يرصد تقرير ابسوس لهذا العام، أن أعلى مستويات التفاؤل لدى المصريين، تظهر في محورين تحديدا وهما: الاستثمار الأجنبي والسياحة، إذ يتوقع قطاع واسع من المشاركين، أن يشهد عام 2026 زيادة في تدفقات الاستثمار، إلى جانب انتعاش في الحركة السياحية، مدفوعًا بعوامل رمزية واقتصادية في مقدمتها افتتاح المتحف المصري الكبير.
هذا التفاؤل، يبرز بوضوح عند مقارنته ببقية الملفات الاقتصادية، لا سيما تلك المرتبطة بالدخل وسوق العمل. ويعكس ذلك، أن الاستثمار والسياحة يُنظر إليهما داخل المزاج العام كمسارين “إيجابيين” محتملين، حتى في ظل استمرار الضغوط المعيشية.
ويمكن فهم هذا الاتجاه النفسي في ضوء طبيعة هذين القطاعين. فالسياحة، على وجه الخصوص تُعد من أكثر الأنشطة الاقتصادية حضورًا في الوعي العام، نظرًا لارتباطها بالعملة الأجنبية، كما أن أخبار الافتتاحات والمشروعات السياحية الكبرى تُقدَّم عادة، باعتبارها مؤشرات مباشرة على تحسن الأوضاع الاقتصادية.
الأمر ذاته ينطبق، بدرجة ما على الاستثمار الأجنبي. فالإعلان عن صفقات استثمارية أو مشروعات كبرى يُستقبل غالبًا بوصفه دليلًا على استعادة الثقة في الاقتصاد، وهو ما ينعكس في توقعات المشاركين والتي لا تتضمن بالضرورة افتراضًا مباشرًا بانتقال هذا التحسن إلى فرص عمل أفضل أو أجور أعلى.
في المقابل، تشير تقارير اقتصادية وبحثية دولية، إلى أن تأثير الاستثمار والسياحة على حياة الأفراد يعتمد على عوامل تتجاوز حجم التدفقات المعلنة، من بينها طبيعة هذه الاستثمارات، وقدرتها على خلق فرص عمل مستدامة، ومدى اندماجها في الاقتصاد المحلي، فضلًا عن تأثيرها على توزيع الدخل.
وتوضح هذه التقارير، أن النمو القطاعي لا يترجم تلقائيًا إلى تحسن شامل في مستوى المعيشة، خاصة في الاقتصادات التي تواجه ضغوطًا تضخمية مرتفعة.
وعند وضع هذه المؤشرات إلى جوار ما يرصدُه تقرير إبسوس، تظهر المفارقة: فالتفاؤل المرتبط بالاستثمار والسياحة يعكس ثقة نسبية في قدرة الدولة على جذب الموارد، لكنه لا يصاحبه بالضرورة توقع مماثل بتحسن ملموس في الحياة اليومية للأفراد. ويبدو أن جزءًا من المزاج العام بات يميّز بين “تحسّن صورة الاقتصاد” و“تحسّن شروط المعيشة”.
ما يشير إلى إدراك اجتماعي لفجوة محتملة بين النمو الاقتصادي الكلي وأثره الاجتماعي.
ومن خلال المقارنة بين الاتجاهات النفسية التي يرصدها التقرير والقراءات الاقتصادية الأوسع، تتضح صورة مركبة: تفاؤل بقدرة الدولة على تحقيق اختراقات قطاعية، يقابله حذر واضح بشأن انعكاس هذه الاختراقات على حياة المواطنين.
العمل والهجرة..كيف يترجم التفاؤل إلى فرص؟
يرصد تقرير إبسوس قدرًا واضحًا من القلق المرتبط بسوق العمل، رغم التفاؤل العام بسنة 2026. فبحسب نتائج الاستطلاع، يتوقع عدد معتبر من المشاركين، أن يصبح العثور على وظيفة أكثر صعوبة خلال العام المقبل، كما يتوقع كثيرون استمرار توجه الكفاءات إلى الهجرة؛ بحثًا عن فرص أفضل.
في المقابل، تشير تقارير منظمة العمل الدولية والبنك الدولي، إلى أن التحدي لا يرتبط فقط بمعدلات البطالة، بل بنوعية الوظائف وقدرتها على توفير الاستقرار والدخل الكافي.
وتُظهر هذه التقارير، أن النمو الاقتصادي إذا لم يكن كثيف العمالة في طابع ما يقدمه، يظل محدود الأثر على سوق العمل، وهو ما يفسّر استمرار الفجوة بين المؤشرات الكلية والتجربة الفردية.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. بين الأمل في فرص جديدة والقلق على الوظائف
يرصد تقرير إبسوس حضورًا مزدوجًا للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل المزاج العام.
فمن جهة، يتوقع المشاركون خلق فرص جديدة، ومن جهة أخرى يعكس مخاوف واسعة من فقدان وظائف قائمة، وصعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمولّد آليًا، ومخاطر تتعلق بالخصوصية والثقة.
وتتسق هذه الاتجاهات مع تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمنتدى الاقتصادي العالمي، التي تشير إلى أن أثر الذكاء الاصطناعي غير متوازن، وأن مكاسبه ترتبط بقدرة الدول على الاستثمار في التعليم وإعادة التأهيل المهني والتنظيم.
ما الذي يكشفه هذا التقرير عن مزاج المصريين؟
يكشف تتبّع محاور تقرير إبسوس، عند وضعها في سياقها الصحيح ومقارنتها بالمؤشرات الاقتصادية والبحثية، أن المزاج المصري مع اقتراب عام 2026 لا يمكن اختزاله في تفاؤل أو تشاؤم بسيط. بل يتشكّل هذا المزاج عند نقطة توازن دقيقة بين الخبرة المعيشة، والآمال الممكنة، والحدود التي بات المجتمع يدركها جيدًا.
فبعد سنوات من الضغوط الاقتصادية والتحولات السريعة، تبدو الرغبة في أن يكون “العام القادم أفضل” تعبيرًا عن توق إلى الاستقرار أكثر منها ثقة في تحسّن شامل وسريع.
يبدو المزاج المصري متماسكًا ظاهريًا، لكنه حذر في العمق. فالاتجاهات التي يرصدها التقرير لا تعكس إنكارًا للتحديات، ولا استسلامًا لها، بل محاولة مستمرة لإعادة ضبط التوقعات على ضوء واقع معقّد.
ومن هنا، لا يظهر المزاج المصري بوصفه انعكاسًا مباشرًا للأرقام وحدها، ولا كنتاج للأمنيات فقط، بل كمحصلة لتجربة جماعية، تعلّمت الفصل بين ما يمكن الأمل فيه، وما يجب التحسّب له.
المصريون لا يقرأون التحوّلات في الكتب، بل يلتقطونها بالفطرة. خبرتهم الطويلة مع الأزمات، جعلتهم أكثر حساسية للتغيّر، وأقل ميلًا للتصديق، وأكثر استعدادًا لإعادة ضبط توقعاتهم. لا ينظرون إلى المستقبل كوعد مضمون، بل كساحة مفتوحة للتكيّف. ومن هذا الوعي الغريزي، تتشكّل قراراتهم، ويتحوّل المزاج العام إلى قوة، تُعيد تشكيل الواقع. هكذا يتقدّم المصريون إلى الغد:شعب لا يمكن توقّعه.






