حين تهتز إيران، لا يكون السؤال الحقيقي: هل يسقط النظام أم لا؟
السؤال في ذاته، يعكس فهما قاصرا، أكثر مما يعكس فهمًا لطبيعة الدولة والمجتمع داخل إيران.
فالتجربة الإيرانية لا تُدار بمنطق اللحظة الفاصلة، ولا تُحسم بتصعيد الشارع وحده، بل تتشكل عبر مسارات أطول وأكثر تعقيدًا، حيث يتقاطع الضغط الاقتصادي مع البنية الفكرية للمجتمع، وتتجاور القدرة على الصمود مع علامات التآكل البطيء.
ما تشهده إيران اليوم ليس مجرد موجة احتجاج جديدة، ولا نسخة مكررة من أحداث 2009، ولا حتى امتدادًا مباشرًا لاحتجاجات 2019 أو 2022.
نحن أمام مشهد مختلف في تركيبته وتوقيته، مجتمع مُنهك بأزمات متراكبة، دولة ما زالت متماسكة أمنيًا، لكنها بلا أفق اقتصادي واضح، وخارج يرفع سقف الخطاب بقوة حول “ما بعد النظام” دون استعداد حقيقي لتحمّل كلفة “اليوم التالي”.
الاقتصاد بوصفه نقطة الانفجار… لا نقطة الحسم
خرجت الاحتجاجات الإيرانية الراهنة من قلب الاقتصاد، لا من بوابة السياسة. انهيار العملة، فقدان القدرة على التسعير، اضطراب الأسواق، ثم الإغلاقات الجزئية في طهران، أعادت إلى الواجهة أحد أكثر المؤشرات حساسية في التجربة الإيرانية: البازار.
البازار وهي كلمة فارسية الأصل، تعنى السوق وفي إيران البازار مرآة دقيقة لعلاقة الدولة بالحياة اليومية. حين يعمل، يعني أن المجتمع ما زال قادرًا على التكيّف. وحين يتوقف أو يضطرب، فهذا مؤشر على أن الأزمة تجاوزت النخب، وبدأت تمس العمود الفقري للاقتصاد الحضري.
الأهم أن التاريخ الإيراني يفرض الحذر في تفسير هذا الاضطراب؛ فالبازار على امتداد العقود، كان دائمًا فاعل ضغط، لا فاعل إسقاط.
يحتج حين تختنق الدورة الاقتصادية، لكنه لا يتحول إلى قوة تغيير سياسي جذري، ففي الثورة الإيرانية عام 1979، كان البازار احد أعمدة التعبئة بتوفير التمويل للحراك والغطاء للإضرابات وحلقة الوصل بين الشارع ورجال الدين.
البازار وقتها كان جزءا من جبهة متكاملة، بينما في الحركة الخضراء 2009، كان دعمه جزئيا، بغلق أبوابه فحسب وهو ما تكرر في احتجاجات 2018 و2022، مما يعني أن التاريخ الإيراني يظهر قاعدة ثابتة، البازار يصبح قاعدة تغيير، إذا اجتمعت له ثلاثة شروط.. تحالف مع القوى الاجتماعية (الدين والنخب).. وجود قيادة سياسية واضحة بديلة.. وحدوث تصدع في الجهاز الأمني.
في غياب هذه الشروط لا يقود إسقاطا..
بالنظر إلى التدهور الاقتصادي الحالي، نجده أعمق من مجرد تقلبات سعر صرف. نحن أمام اقتصاد دخل مرحلة إدارة الندرة. توسّع منطق المقايضة، رسميًا أو ضمنيًا، ليس علامة تعافٍ، بل مؤشر بقاء.
المقايضة على صعوبتها قد تؤمّن السلع الأساسية وتخفف الاختناق الآني، لكنها في الوقت نفسه تنقل المجتمع نفسيًا إلى مرحلة ما بعد الاقتصاد الطبيعي، حيث يُدار العيش يومًا بيوم، ويغيب الأفق طويل المدى.
إلى جانب ذلك، برزت أزمات بنيوية لا تقل خطورة، وعلى رأسها أزمة المياه.
لم تعد المياه ملفًا بيئيًا مؤجلًا، بل تحولت إلى عامل ضغط اجتماعي مباشر، يضرب الزراعة، ويدفع إلى الهجرة الداخلية، ويعمّق البطالة في محافظات بأكملها. هذا النوع من الأزمات لا يُنتج احتجاجًا سياسيًا منظمًا، لكنه يراكم غضبًا صامتًا طويل الأمد، يُضعف قدرة الدولة على إعادة إنتاج الطمأنينة.
اقتصاديًا أيضًا، بدأت الفجوات الطبقية في الظهور بشكل أوضح. فئات مرتبطة بالدولة، أو بالاقتصاد الموازي، أو بشبكات النفوذ، لا تزال قادرة على التكيّف مع التضخم والندرة. في المقابل، الطبقات الوسطى والدنيا— خصوصًا في المدن الطرفية— تتحمل الكلفة كاملة.
هذا الانقسام لا ينفجر بالضرورة في الشارع، لكنه يعمل كتآكل بطيء في العقد الاجتماعي، ويحوّل الاحتجاج من حدث عابر إلى حالة نفسية ممتدة.
بهذا المعنى المتراكم، يمثّل الاقتصاد نقطة الانفجار، لكنه لا يوفّر وحده مفاتيح الحسم. هو يفسّر لماذا خرج الناس، لكنه لا يجيب عن سؤال: إلى أين يمكن أن يصل هذا الخروج؟
الشارع.. واحتجاج بلا قيادة
السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة هذا الشارع نفسه. من هم المحتجون؟ وما الذي تغيّر في المجتمع الإيراني مقارنة بالموجات السابقة؟ هنا تحديدًا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للاختزال في توصيفات جاهزة.
محاولات تصنيف المحتجين داخل عناوين محددة— تجار البازار، أو الأكراد، أو الشباب الغاضب— تعكس حاجة تفسيرية سريعة، أكثر مما تعكس واقعًا اجتماعيًا دقيقًا.
المشهد الحالي لا تحكمه فئة واحدة، ولا تقوده كتلة اجتماعية متجانسة، بل يتشكّل من خليط متداخل من الضغوط والهويات والمصالح، يجتمع في لحظة غضب واحدة، لكنه لا يتوحّد سياسيًا.
التجار الذين تصدّروا المشهد في أيامه الأولى، لا يمكن تجاهل وزنهم الرمزي والاقتصادي. لكن التاريخ الإيراني يفرض قراءة دورهم بحذر. فالبازار على امتداد العقود، لم يكن قوة ثورية تسعى إلى كسر النظام، بل قوة اجتماعية تفاوضية.
في المقابل، شهدت مناطق ذات غالبية كردية، وأقاليم طرفية أخرى، مستويات أعلى من الاحتجاج والاحتقان. غير أن تفسير ذلك بوصفه حراكًا قوميًا أو مدفوعًا من الخارج يتجاهل واقع هذه المناطق التي تقع في خط التماس المباشر مع الأزمات البنيوية، من بطالة مرتفعة، وضغط بيئي حاد، وتراجع الخدمات، وضعف فرص التكيّف الاقتصادي.
الاحتجاج هنا ليس خروجًا عن السياق الوطني، بل تعبيرًا مكثفًا عنه.
العنصر الأوسع والأكثر حضورًا، فهو جيل شاب تغيّرت بنيته الفكرية جذريًا، عمّا كان عليه قبل عقد أو عقدين. هذا الجيل لا يحمل ذاكرة الثورة ولا الحرب، ولا يتعامل مع النظام بوصفه مشروعًا تاريخيًا، بل كواقع معيشي يومي. مطالبه ليست مؤدلجة، وغضبه غير مؤطر سياسيًا، وتطلعاته فردية في كثير من الأحيان.
وهو ما يمنحه قدرة على التحرك السريع والانتشار، لكنه في الوقت نفسه يجعله عاجزًا عن إنتاج قيادة أو برنامج جامع.
هنا يظهر الفارق الحاسم بين الاحتجاجات الحالية واحتجاجات 2009. آنذاك، كان هناك مركز سياسي واضح للاعتراض، ورموز إصلاحية، وطبقة وسطى تؤمن بإمكانية التغيير من داخل النظام.
اليوم، المجتمع أكثر تشظيًا، وأقل ثقة في أي مسار إصلاحي، وأكثر ميلًا للتعبير الغاضب من دون تصور واضح لليوم التالي. السؤال لم يعد “كيف نغيّر النظام؟” بل “كيف نخرج من هذا المأزق؟
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة ما يجري في إيران بوصفه مواجهة مباشرة بين شعب موحّد ونظام متماسك، بل كصراع غير متكافئ بين مجتمع تغيّر أسرع من مؤسساته، ودولة ما زالت تمتلك أدوات السيطرة، لكنها تفقد تدريجيًا قدرتها على الإقناع.
الخارج يراقب
بالتوازي مع تصاعد الاحتجاجات، ارتفع منسوب الضجيج الخارجي حول إيران، لكن هذا الضجيج لا يعكس بالضرورة رؤية موحّدة أو خطة واضحة، بقدر ما يكشف حالة تردّد وانقسام في التقدير. المؤسسات البحثية والصحافة الغربية لا تتعامل مع المشهد الإيراني من زاوية واحدة، لكنها تتقاطع عند نقطة أساسية النظام الإيراني تحت ضغط غير مسبوق، لكنه لم يصل بعد إلى نقطة الانهيار.
التحليلات الصادرة عن مراكز بحثية غربية كبرى، تميل إلى توصيف اللحظة الحالية، باعتبارها لحظة “تضييق خيارات” لا لحظة سقوط. التركيز لا ينصب على سؤال “متى يسقط النظام؟”، بل على سؤال كيف يدير النظام هذا الكم من الأزمات المتزامنة؟ وما كلفة الاستمرار بهذه الصيغة؟
في المقابل، تبدو الصحافة الغربية أكثر ميلًا إلى الدراما. عناوين تتحدث عن “اقتراب النهاية”، أو “أخطر تحدٍ منذ الثورة”، أو “الشارع الذي لم يعد يخاف”، تعكس رغبة إعلامية في التقاط اللحظة القصوى. غير أن هذه التغطيات عند التعمق في متنها، تعود غالبًا إلى لهجة أكثر حذرًا: اعتراف باتساع الاحتجاجات، مقابل تشديد على غياب القيادة، وتماسك الأجهزة الأمنية، وعدم وجود مؤشرات حاسمة على انقسام داخل الدولة.
بعض الصحف الكبرى ركزت على بروز أصوات معارضة في الخارج، وعلى إعادة تسويق شخصيات رمزية، باعتبارها بدائل محتملة. لكن هذه المعالجة نفسها، غالبًا ما تنتهي إلى ملاحظة لافتة: المعارضة الخارجية أكثر حضورًا في الإعلام الغربي منها في الداخل الإيراني.
وهو فارق يعكس فجوة بين ما يتحرك فعليا داخل المجتمع الإيراني، وما يُتداول في العواصم الغربية.
على مستوى التفكير السياسي الغربي، وخصوصًا الأمريكي، فيسود منطق الاختبار أكثر من منطق القرار. الحديث المتكرر عن “استعداد النظام للحياة”، أو عن تحركات مالية وأمنية استعدادًا لسيناريوهات غير معلنة، لا يمكن فصله عن سياق الحرب النفسية وتوسيع سقف الخطاب. هذه الإشارات تُستخدم لقياس رد الفعل، لا للإعلان عن انتقال فعلي إلى مرحلة إسقاط.
الخوف داخل المجتمع الإيراني من سيناريو الفوضى
بعض التحليلات الغربية بدأت تلتفت إلى نقطة كانت مهمّشة، فبين الغضب من الواقع، والقلق من اليوم التالي، يقف قطاع غير قليل من الإيرانيين في منطقة رمادية، لا يمنح النظام شرعية كاملة، لكنه لا يغامر بالقفز في المجهول. هذه المنطقة الرمادية هي ما تجعل كثيرًا من التوقعات الغربية المتسرعة تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا.
بهذا المعنى، لا يقرأ الخارج إيران قراءة واحدة، لكنه يتشارك سوء تقدير شائع: الميل إلى تحويل الاحتجاج إلى لحظة فاصلة قبل نضوج شروطها.
جهاز الأمن الإيراني.. حائط الصد
وفي قلب هذا المشهد، يظل العامل الحاسم هو تماسك المنظومة الأمنية الإيرانية.
فرغم اتساع رقعة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتزايد حدة الاحتجاجات في بعض المناطق، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات جدية على تصدّع داخل الأجهزة الأمنية أو انقسام في مراكز القرار. لا توجد انشقاقات معلنة، ولا صراعات أجنحة مسلحة، ولا ازدواج في الأوامر.
في هذا السياق، يحتفظ الحرس الثوري الإيراني بدوره بوصفه العمود الفِقري الحقيقي للنظام، ليس فقط كقوة عسكرية أو أمنية، بل كشبكة نفوذ سياسية– اقتصادية متداخلة، تجعل كلفة الانشقاق أو التفكك أعلى بكثير من كلفة الاستمرار، فالحرس لا يعمل كجهاز قمع منفصل عن الدولة، بل كجزء من بنيتها العميقة، المرتبطة بالاقتصاد، والحدود، والعقيدة الأمنية، وإدارة الأزمات.
ما الذي ينتظر المنطقة؟
حين ننقل السؤال من الداخل الإيراني إلى محيطه الإقليمي، تتغيّر زاوية الرؤية بالكامل. فالمعضلة لا تصبح: هل يسقط النظام الإيراني أم يبقى؟ بل أي شكل للبقاء؟ وأي كلفة للسقوط؟
سيناريو البقاء، وهو الأرجح على المدى القريب، لا يعني استقرارًا بالمعنى التقليدي. نحن أمام بقاء مُنهَِك، تُدار فيه الأزمات بدل حلّها، وتُضبط فيه الصراعات بدل إنهائها. في هذا السيناريو، ستظل إيران لاعبًا حاضرًا في الإقليم، لكن بقدرة أقل على المناورة، وأكثر ميلًا إلى تقليل الكلفة.
نفوذها في العراق ولبنان وسوريا واليمن لن يختفي، لكنه قد يُعاد ضبطه: ضغط أقل، تدخل أذكى، وحذر أكبر من التصعيد المفتوح. هذا النمط لا يهدد بانفجار إقليمي شامل، لكنه يُبقي المنطقة في حالة توتر منخفض الوتيرة، بلا حسم، وبلا أفق.
في المقابل، فإن سيناريو السقوط— خصوصًا إذا جاء بشكل فوضوي أو غير مُدار— يُعدّ الأكثر كلفة على الإقليم. انهيار دولة بحجم إيران يفتح الباب أمام “فراغ أمني واسع، وصراع نفوذ متعدد الأطراف، واهتزاز مباشر في ملفات الطاقة، الممرات البحرية، الأمن الخليجي، وتوازنات العراق ولبنان.
السيناريو الأقل كلفة— والأصعب تحقيقًا—هو انتقال مُدار من داخل الدولة الإيرانية نفسها، يخفف الضغط الداخلي، ويعيد تعريف الدور الإقليمي تدريجيًا. لكن هذا السيناريو يصطدم بعقبتين واضحتين: غياب قيادة داخلية قادرة على حمله، وغياب توافق دولي مستعد لضمانه. وبين هاتين العقبتين، يبقى الانتقال فكرة نظرية أكثر منه مسارًا عمليًا.
في المحصلة، لا تعيش إيران اليوم لحظة حسم، بل لحظة مفصلية ممتدة. دولة تصمد، لكنها تستهلك رصيدها. مجتمع يحتج، لكنه لا يملك طريقًا واضحًا إلى ما بعد الاحتجاج. وخارج يرفع سقف التوقعات، لكنه يتراجع أمام كلفة الفوضى.
في ضوء ما سبق، يصبح واضحًا أن الإشكالية الإيرانية لا تكمن فقط في بقاء نظام مُنهَِك، بل في سقوط غير مُدار لنظام لا يملك الإقليم ترف فراغه.
سقوط إيران كدولة موحدة سيُطلق سباقًا إقليميًا لملء فراغ، لا تملك أي من قواه ضمانات ضبطه.
كما أن غياب إيران كفاعل مركزي سيكسر أحد أعمدة الردع غير المعلنة في الإقليم، لنجد أنفسنا أمام شرق أوسط أكثر سيولة، حيث تتراجع الخطوط الحمراء، وتُختبر حدود القوة في أكثر من ساحة في آن.






