ينطوي أي دين أو معتقد في جانب منه، على مسألة ثقافية، تلي المسألة العقدية مباشرة، فما تحض عليه الأديان في نصوصها وتعاليم رسلها، وأفعال الرجال الأوائل الذين تحلقوا حول الرسل، حيث الطقوس والأداءات والتحركات، تصنع سمتًا ثقافيًا معينًا، ثم تأتي التأويلات والتصرفات والتجاذبات عبر التاريخ لتضيف إلى هذا المجرى الثقافي الكثير.
بدأ الإسلام متفاعلًا مع ثقافة عصره، إذ أقر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) الكثير من عادات العرب وتقاليدهم التي تحمل قيمًا وأفعالًا إيجابية، ومقولة “الإسلام يجُب ما قبله” عائدة إلى الاعتقاد، وإلى الذنوب والآثام التي واكبت مرحلة الكفر بالإسلام أو الشرك بالله، أو بمعنى أدق “عبادة الأصنام” أو اتخاذها وسيطًا إلى تصور العرب وقتها عن الألوهية، ولا تنسحب على كل ما كان يدور في شبه الجزيرة العربية، ولا البلدان التي دخلها الإسلام فيما بعد.
وأول كلمة في القرآن ،وهي “اقرأ” تُعلي من شأن المعرفة، التي هي أصل من أصول الثقافة، كما أن إتيان القرآن الكريم على ذكر أفعال التعقل والتدبر، والمكانة التي يعطيها لأهل العلم بمختلف صنوفه، تفتح الباب أمام هذا الأصل ليتعزز.
وفي طرق تلاوة القرآن وترتيله نافذة عريضة مفتوحة على التنغيم أو الموسيقى، حتى أن هناك من يسميها “ألحان السماء”، وفق كتاب للمصري محمود السعدني. وهناك من يعتبر أن هذه الموسيقى هي التي تعطي القرآن مذاقا خاصًا، وتحقق هدفه في حضور الخشوع وقت سماع نصه، والامتثال له، باعتباره نصًا يخاطب العقل والقلب معًا، أو الذهن والمشاعر على حد سواء، ويعتني بروح الإنسان كما يهتم بسلامة جسده.
والقرآن في إحكام آياته، وتبلور مفرداته، ينطوي على بلاغة وقف أمامها العرب الأقدمون، على بلاغتهم، موقف إكبار وتقدير، فقال أحدهم، “إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة”، وعبثًا حاول مدعو النبوة أن يقلدوه، فأتوا بنصوص لا تقارن به، ولا يجرحها الاختلاف الذي ظهر فيما بعد حوله، هل هو قديم أم مخلوق؟ أيام الخليفة العباسي المأمون، وهل هو نص أم خطاب؟ كما طرح نصر حامد أبو زيد في أحد كتبه.
وإذا راجعنا كتب البلاغة العربية القديمة، التي لا تزال قادرة على العطاء إلى يومنا هذا جنبًا إلى جنب مع نظريات البلاغة ومناهج اللغة الحديثة والمعاصرة، نجدها قد اعتمدت على القرآن في استنتاج تصوراتها واقتراباتها ومناهجها إلى جانب الشعر، باعتباره أعمق أنواع الفنون الكتابية التي خطها البشر، بعد سنوات طويلة من مشافهته وإنشاده.
وبلغ القرآن حدًا مختلفًا ومغايرًا في هذا، إلى درجة أن هناك من يقسم الكتابة إلى “شعر” و”نثر” و”قرآن”، باعتبار الأخير له سمته اللغوي الخاص، الذي لا يجعل منه شعرًا كالقصائد العمودية في بحورها، ثم الحرة والنثرية فيما بعد، ولا نثرًا مهما انطوى على سجع، إنما هو نص مغاير، مغدق ومثمر، وله حلاوة وطلاوة، كما وصفه من تنكروا له في بداية الدعوة الإسلامية.
لا يمكن في هذا المقام أن نجهل رأي أولئك الذي لا يحسنون تأويل الآية القرآنية التي تتحدث عن الشعراء، فتجعلهم متبعين من الغاوين، وتصفهم بأنهم يهيمون في كل واد، وتبين أنهم يقولون ما لا يفعلون. وليس في هذا ما يعيب الشعر وأهله، إنما يعاب التأويل المغرض والفاسد غالبًا، فالحقيقة أن الشعراء يهيمون حقًا شاردين وراء مخيلاتهم الخصبة، قلقين بها، وإن أشعروا تسكن المجازات قصائدهم، وهي من باب الأقوال التي لا يمكن أن تحط على الأرض، وتتحقق في دنيا الناس. فالشاعر حين يقول إنه قد أمسك شعاع الشمس بيديه، وتسلقه حتى وصل إلى الفضاء البعيد، فإنه لا يريد منا هنا أن نضع قوله موضع الكذب والصدق، إنما نستمتع بهذا الخيال الجامح، الخارق للعادة، المفارق لقوانين الطبيعة.
في العموم، فقد فصل الشيخ يوسف القرضاوي في كتاب له حمل اسم “الحلال والحرام في الإسلام”، موقف هذا الدين من مختلف الفنون والآداب، وهو كتاب فيه الكثير من تلمس المباح من منطلق القاعدة الفقهية التي تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما حُرم بنص صريح”، وهذه التي تقول أيضًا “أينما تكون المصلحة العامة فثم شرع الله”، أو التصور الذي يؤمن به المقبلون على الاجتهاد بعلم ووعي وتجرد، حين يرون أن المساحة الأوسع في القرآن هي لـ”العفو”.
أينما كان الخلاف والاختلاف، حول هذه المسألة أو تلك، فإن اصطلاح “الإسلام الثقافي” ليس فيه تجاوز ولا تنطع، فكما أن الإسلام “عقيدة” و”شريعة”، فإنه أيضًا دين صنع ثقافته عبر نَصيه الأصليين: القرآن والحديث الصحيح، ثم ما نتج عن إمعان النظر فيهما من تفاسير وفقه وبلاغة وعلوم شرع وكلام. فالنص صنع طقوسًا تخص المسلم، وخلق له تصوره عن دوره في الحياة، وتقدير ذاته، ورؤية غيره وموقفه منه، وكذلك نظرته إلى العالم من حوله، والكون الفسيح الحافل بالأسرار.
فضلًا عن هذا، فإن تفاعل الدين الإسلامي بنصوصه، وتصرفات أهله الأولين، وتاريخ أتباعه، مع البيئات الاجتماعية، والثقافات المتعددة التي امتد الإسلام إليها مع الفتوحات التي توالت قرونًا، ومع الاعتناق الحر المتواصل لهذا الدين، جعل ثقافة الإسلام ثقافات، وليست ثقافة واحدة. ولم ينبذ الإسلام، حسب فهمه السليم، ووفق ما كان يأتي عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال، العادات والتقاليد الخيرة، التي تحقق الصالح العام، إنما أقرها، وشملها واحتواها، وحض على التمسك بها.
ولا يمكن هنا أن نهمل الحديث عن أثر الجغرافيا بشقيها البشري والطبيعي على الثقافة الإسلامية. فكل مجموعة بشرية تأثرت بالبيئة الطبيعية التي تعيش فيها، لنجد تصرفات وبعض تصورات أهل الوادي أو الحضر، تختلف عن نظيرتها عند سكان الصحاري أو البدو. وجاء الإسلام ليطوي الفريقين تحت جناحه الكبير، فيمدهما بما يفرضه التصور الإسلامي في المعتقد والتشريع والرؤية، فكان بهذا عاملًا مهما لخلق ثقافة مشتركة بين الاثنين، لا سيما مع إقراره المحمود منها، ورفضه المذموم فيها، وهي مسألة تحددها مراعاة النص، وتحري الصالح العام، والأخذ بأسباب التطور والترقي في المعاش، والتمسك بكل ما ينفع حتى اللحظة الأخيرة، وهو مسلك يُعبر عنه تعبيرًا عميقًا قول الرسول: “إذا قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”.
إن النظر إلى المسألة الثقافية في الإسلام يقتضي بالطبع أن تأخذ حظها من العناية في البحث والفحص والنظر والتدوين. وأظن أن هذا مبحث مظلوم في الكتابة الإسلامية المنشغلة بالتراث، لا يقدرها حق قدرها إلا المختصين في الآداب والفنون والفلسفة والدراسات الإنسانية عمومًا. فحين يتحدث الأغلبية عن التراث، يقصرونه على التراث الديني، ناسين أن هناك أنماطًا أخرى منه، لا تزال قادرة على العطاء، ومنها بالطبع التراث الأدبي والبلاغي والفلسفي والكتابات التاريخية والجغرافية، وكثير منها لا يمثل فقط جزءًا من “تاريخ المعرفة”، إنما هو معرفة حاضرة، وما يحدد هذا هي الاستفادة منها في زماننا الراهن.
في الختام هناك سؤال مهم لا بد من طرحه في هذا المقام، ألا وهو: ما هو دور الإسلام في الحوار الثقافي اليوم مع الغرب؟
في كل الأحوال لا يزال الإسلام حاملًا لمادة ثرية، يمكن استعمالها باقتدار في الحوار الثقافي الذي يقيمه المسلمون مع “الآخر”، خصوصًا الغرب، فكثير من القيم والفضائل والنماذج الاجتماعية والتصورات الدينية عن الخلق والكون، وقبلها موقف الإنسان من مسألة الإيمان بالله، وسعيه إلى امتلاء روحي في وجه الإغراق في المادية والأتمتة والآلية، يصلح ليكون محورًا عفيًّا في هذا الحوار، لكن المشكلة هي أن المسلمين المعاصرين لا يحسنون توظيف ما بيدهم من ثقافة، ويضيقونها إلى أدنى حد، ويحصرونها في السجال العقائدي.






