للمرة الثانية خلال أقل من شهرين، ترفض الجهات الحكومية المصرية عرض استحواذ إماراتي على حصة حاكمة بشركة مصرية استراتيجية، في مؤشر على وضع الحكومة قواعد غير معلنة لتحجيم رغبات الدولة الخليجية الطامحة للاستحواذ على الشركات المصرية.
فقد رفضت الشركة القابضة للنقل البحري والبري، التابعة لوزارة النقل، عرضًا مغريًا من شركة “بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدنج ليميتد” المملوكة لمجموعة مواني أبوظبي لبيع نسبة “القابضة” في شركة “الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع” التي تبلغ 35.34%.
لـ“بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدنج ليميتد” حصة بالفعل تبلغ 19.2% من رأسمال الإسكندرية لتداول الحاويات، اشترتها من الشركة السعودية المصرية للاستثمار (شركة سعودية) مقابل حوالي 13.2 مليار جنيه، كما تمتلك الإمارات حصة أخرى من بوابة شركة ألفا أوريكس ليمتد، التابعة لـ ADQ الإماراتية، بنسبة 32%، لكن أبوظبي أرادت رفع ملكيتها لـ 90% أملا في شراء النسبة المتبقية من حملة السهم بالبورصة ( الـ10% الأخيرة)، وهو ما رفضته “القابضة للنقل البحري”.
الحاويات ليست وحدها
ما يعزز تغير الفكر الحكومي إزاء رأس المال الإماراتي، صفقة بنك القاهرة بعدما قررت الحكومة طرح 30% من أسهم بنك القاهرة في البورصة المصرية بحلول منتصف العام الجاري، بحصيلة متوقعة تقارب 500 مليون دولار.
كانت الحكومة قد خاضت في البداية مفاوضات مع بنك الإمارات دبي الذي عرض 1.2 مليار دولار، تم رفعها لـ1.5 مليار دولار، إلا أن الحكومة المصرية تمسكت بـ1.8 مليار دولار، وقررت بعدها القاهرة طرح حصة من البنك بالبورصة، بدلاً من البيع المباشر لمستثمر استراتيجي، ما يعني فتح المجال أمام عدد أكبر من المستثمرين المحليين والأجانب من جنسيات مختلفة للشراء.
رفض عرض شراء السويدي إليكتريك
في نوفمبر الماضي أيضًا، رفضت الهيئة العامة للرقابة المالية عرض شراء، قدمته شركة ساجاس الإماراتية للاستحواذ على شركة السويدي إليكتريك، يتضمن جزءاً نقدياً أو من خلال مبادلة أسهم بغرض شراء كامل أسهم “السويدي إليكتريك”.
«ساجاس» للاستثمار مساهم رئيسي في شركة «إلكترا إنفستمنت هولدينج ريستركتد ليمتد» التي تمتلك بدورها 18.87% من أسهم «السويدي إليكتريك»، وقدمت عرضها بسعر يدور في فلك 65 جنيهًا للسهم، أو عن طريق مبادلة عدد من أسهم «ساجاس» للاستثمار من خلال إصدار أسهم جديدة في الشركة مقدمة العرض (ساجاس) لصالح المساهمين المستجيبين لمبادلة الأسهم في (السويدي).
الرقابة المالية رفضت عرض الاستحواذ المقدم من ساجاس، لأسباب تتعلق بحداثة عمر الشركة وعدم مباشرتها نشاطاً تشغيلياً فعليا، إذ لا تمتلك أساسًا أصولاً، تُولد إيرادات بصورة مباشرة، وتعتمد نتائجها بالكامل على أداء شركة (السويدي إليكتريك)، ما يجعل أسهمها غير مستندة إلى سجل أداء مالي مستقل، يمكن الاعتماد عليه في تقييم أسهم المبادلة في العرض المختلط المحتمل.
بحسب مسئول حكومي، فإن مصر منفتحة على جميع الاستثمارات الأجنبية، خاصة الخليجية ومنها الإمارات التي تعتبر من أهم الشركاء الاستثماريين لمصر، لكنها تختار أفضل العروض المقدمة في الطروحات من أجل تحقيق مصلحة الاقتصاد المصري ونموه وهو الهدف الأهم.
يدلل المسئول على ذلك بانسحاب تحالف مجموعة “الشعفار” الإماراتية والشركة “السعودية المصرية للتعمير” في أغسطس 2024، من تنفيذ مشروع تطوير أرض “الحزب الوطني” بوسط القاهرة، بسبب تمسك الحكومة بنموذج معين للتطوير وعائد إيجابي على الاقتصاد، وحاليا تلقت عروضاً من 11 تحالفاً استثمارياً للمنافسة على تطوير الأرض في مشروع سياحي عملاق.
يبدو أن الحكومة حاليا لا تمانع في تواجد الاستثمارات الإماراتية في حصص الشركات المصرية، باعتبارها وسيلة لدعم الشركات ماليا وتعزيز توسعها خارجيا، دون تحميل الموازنة العامة الأعباء، لكنها لا تريد في الوقت ذاته أن يكون الشريك الإماراتي هو المهيمن على القرار بالشركات الاستراتيجية.
لماذا رفضت مصر عرض الإسكندرية للحاويات؟ خطوة صحيحة
المسئول الحكومي يقول، إن الشركة القابضة في صفقة الإسكندرية للحاويات على سبيل المثال، تريد أن تمتلك حصة تضمن لها تعديل بوصلة القرار بـ”الإسكندرية للحاويات”، خاصة أن ميناء الإسكندرية مهم لتداول المواد البترولية والمعدات والحاويات الخاصة بالصناعات النفطية، بما يشمل توريد أجزاء مصافي النفط والغاز والبتروكيماويات.
“الإسكندرية للحاويات” تعتبر أول شركة تملك محطة متخصصة للتعامل مع الحاويات بمصر، وتعمل على محطتين رئيسيتين هما: الأولى محطة الإسكندرية في ميناء الإسكندرية، والثانية هي محطة الدخيلة في ميناء الدخيلة.
يؤكد تلك الفكرة د. عادل دوبان، المسئول السابق بشركة دراجون أويل، الذي قال إن رفض استحواذ شركة أجنبية على الإسكندرية للحاويات خطوة صحيحة، وبداية للحفاظ على اصول وممتلكات البلد ورفض بيعها للغير.
أضاف أن موقف القابضة للنقل البحري والبري يعني تمسك الدولة بحصتها في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، باعتبارها إحدى الشركات الاستراتيجية العاملة في قطاع النقل البحري وتداول الحاويات، في ظل اهتمام مستثمرين أجانب بزيادة حصصهم في الشركة.
تقييم آثار الصفقات الإماراتية
بحسب خبراء، فإن الشركات الإماراتية أخفقت باستمرار في الوفاء بالتزاماتها التنموية في مصر، مما تسبب في تأخيرات متكررة في مشروعاتها بمصر، فضلاً عن مخالفات لقرارات إدارية محلية، أشهرها فرَض البنك المركزي غرامة مالية قدرها مليار جنيه على “بنك أبوظبي الأول مصر” لمخالفته إصدار تسهيلات ائتمانية لشركة “بلتون القابضة”، التابعة لمجموعة “شيميرا” الإماراتية، استُخدمت في غرض غير المخصص له.
“بلتون”، التي ترأستها وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد وزوجة محافظ البنك المركزي السابق طارق عامر، شهدت تحولاً بهيكل ملكيتها عام 2022، عندما استحوذت شركة شيميرا الإماراتية على 56% من أسهمها مقابل نحو 385 مليون جنيه، بسعر 1.485 جنيها للسهم.
شركة أبو قير للأسمدة، التي تسيطر الإمارات والسعودية على حصة كبيرة منها، تعتبر نموذجا على عدم رغبة الشركاء في التطوير، إذ تم التراجع عن إنشاء مجمع لإنشاء الميثانول والأمونيا بدعوى نقص الغاز، رغم قدرة الدولتين الخليجيتين على توفير الغاز المسال للشركة لتحويله لغاز طبيعي، بمنتهى السهولة.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق يؤكد أن أي حل لمشكلات مصر الاقتصادية يطيح بأصول تملكها الأجيال القادمة لإصلاح أخطاء حكومات أفرطت فى الاقتراض، هو حل مرفوض اقتصاديًا ومجتمعيًا، وليظل السبيل الوحيد للنجاة هو الاستثمار والإنتاج، بالتوازي مع إعادة جدولة الديون.
“السويدي إليكتريك” التي أرادت الإمارات السيطرة الكاملة عليها، تعتبر إحدى الشركات المصرية العابرة للقومية ووسيلة دعاية لجودة الشركات المصرية في التنفيذ، إذ استطاعت الفوز بعقود خارج الحدود، آخرها الأسبوع الماضي بعقد بـ2.9 مليار جنيه لبناء مشروع قومي سكني بالكويت، وآخر بعقد بـ51 مليون دولار لتوريد محولات وكابلات لأنجولا.
يضيف توفيق، أن صفقات المواني والمطارات والأراضي للعرب ممارسات لتوفير سيولة قصيرة الأجل، ولكن في النهاية لا بديل عن الإصلاح الهيكلى الشامل، المصحوب بالسياسات الجاذبة للاستثمار والتشغيل والتصدير، لإيقاف نزيف الديون، ومن ثم تحقيق التنمية المستدامة.






