في 28 ديسمبر 2025، بدأت في إيران احتجاجات، عندما أغلق تجار بازار طهران الكبير محالهم التجارية في محيط سوق بين الحرمين، سراي ملي، سوق الجعفري، سوق جهار، مبنى الألومنيوم، لالهزار، توبخانه، چراغ برق، وسرتشَشمه، احتجاجًا على التدهور الحاد للعملة الإيرانية وارتفاع التضخم والركود الاقتصادي، واستخدمت في وسائل التواصل الاجتماعي وسم #بازار_ تهران، وسرعان ما تحولت من احتجاج اقتصادي إلى فعل سياسي جماعي، يربط بين الأزمة المعيشية وبنية الحكم.
في 29 ديسمبر 2025، اتسعت رقعة الإضرابات داخل طهران لتشمل مناطق تجارية إضافية في وسط المدينة مع تجمعات وهتافات مباشرة ضد نظام ولاية الفقيه، ورددت شعارات مثل “الموت للديكتاتور” و”السوق يحتضر ولن يقبل الإذلال” في مشهد عكس انتقال الاحتجاج من مطلب إصلاحي محدود إلى خطاب إسقاطي صريح، يستهدف رأس النظام ممثلًا في المرشد علي خامنئي.
في اليوم الثالث انخرطت الحركة الطلابية بشكل واسع، وخرج طلاب جامعات، منها جامعة طهران الواقعة في منطقة انقلاب، وجامعة شريف الصناعية في منطقة طرشت وجامعة أمير كبير للتكنولوجيا قرب ساحة ولي عصر وجامعة خواجه نصير في وسط العاصمة وجامعة العلامة الطباطبائي وجامعة العلوم والتكنولوجيا في شرق طهران. تركزت الاحتجاجات الطلابية في محيط شارع انقلاب وساحة انقلاب ومداخل الحرم الجامعي لجامعة طهران، حيث واجه الطلاب عناصر من قوات الأمن، بينما اسمتهم المعارضة بقوات الباسيج التابعة للحرس الثوري.
في 31 ديسمبر 2025، خرجت الاحتجاجات من نطاق العاصمة إلى مدن كبرى وأخرى متوسطة، شملت مدينة مشهد في أحياء مثل إلهية وسجاد، وأصفهان في مناطق جهار باغ وملك شهر، وشيراز في معالي آباد وستارخان، وهمدان، ودورود، وياسوج، وفسا، وكهداشت، حيث سُجل استخدام الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع من قبل قوات الأمن، خاصة وحدات قوى الأمن الداخلي الإيرانية المعروفة باسم “فراجا” .
في 1 يناير 2026، وقع هجوم نفذته عناصر مجهولة بزي مدني على سكن الطالبات في الجامعة الوطنية الإيرانية، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا مباشرًا ضد الحراك الطلابي، وأثارت ردود فعل واسعة داخل الأوساط الأكاديمية، واتهم المعارضون للنظام بأن العناصر تابعة للحرس الثوري.
في 6 يناير 2026، دخلت الاحتجاجات مرحلة جديدة مع توسعها إلى ما لا يقل عن 110 مدن، وشهدت طهران إضرابًا واسعًا في بازار طهران الكبير رغم الانتشار الكثيف لقوات مكافحة الشغب واستخدام سيارات رش المياه، وتركزت المواجهات في أحياء منها هفت تير، فردوسي، ولي عصر، شريعتي، مطهري، سيد خندان، نظام آباد، نارمك، أمين حضور، مولوي، شوش، نازي آباد، سه راه آذري، راه آهن، إكباتان، صادقية، تجريش، وميرداماد. كما سُجل إطلاق كثيف للغاز المسيل للدموع قرب مستشفى سينا في منطقة حسن آباد.
خلال يومي 8 و9 يناير 2026، اتسعت الاحتجاجات مرة اخرى لتشمل ما لا يقل عن 173 مدينة مع تسجيل اشتباكات في نحو 400 نقطة. طهران وحدها، شهدت 28 منطقة عمليات كر وفر بين المتظاهرين وقوات الأمن. في تبريز تركزت الاحتجاجات في مناطق آبرسان ونصف راه وفي سنندج قرب ساحة آزادي، وفي كرمانشاه بمنطقة فردوسي، وفي أرومية وسط المدينة. في مشهد، خرجت تظاهرات نسائية في حي إلهية، بينما شهدت سراوان وزاهدان في محافظة سيستان وبلوشستان مسيرات نسائية أخرى، خاصة بعد صلاة الجمعة في محيط مصلى زاهدان رغم إطلاق الرصاص الحي والغاز من قبل قوات الأمن.
في 7 يناير 2026، قُتل ثمانية متظاهرين على الأقل في مواقع متفرقة على يد مجموعات مسلحة، يُعتقد أنها مرتبطة بالباسيج أو بعناصر أمنية غير نظامية. ومع انضمام البلوش، وهم مجموعة عرقية تتمركز في مدن زاهدان، سراوان، خاش، وإيرانشهر، وامتدت الاشتباكات داخل طهران إلى أكثر من 20 موقعًا منها ظفرانية، ستارخان، خاكسفيد، كوكاكولا، وساحة إمام حسين.
اللا مركزية المحلية ودور المنفى السياسي:
تُظهر الاحتجاجات، أنها حراك شعبي وغير مركزي، لا تقوده جهة سياسية واحدة ولا قيادة معلنة من داخل البلاد. وقد برز دور شبكات شبابية غير رسمية، تُعرف محليًا باسم «لجان الأحياء» و«الخلايا الميدانية» إلى جانب تجمعات طلابية داخل جامعات، وقد تولت هذه الشبكات والتجمعات التنسيق المحلي للاحتجاجات والإضرابات وتحديد نقاط التجمع ونقل المعلومات بين المحتجين مع الالتزام بالسرية لتقليل مخاطر القمع الأمني.
في الخارج، وتحديدا في أمريكا وأوروبا ساهمت جهات معارضة إيرانية في دعم الاحتجاجات سياسيًا وإعلاميًا، دون أن يكون لها حضور تنظيمي مباشر داخل المدن الإيرانية. ومن أبرز هذه الجهات المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ومنظمة مجاهدي خلق، وحركة فرشگرد، ورابطة الباحثين الإيرانيين من أجل جمهورية ديمقراطية، واتحاد الجمهوريون الإيرانيون، وحزب مشروطة إيران – ليبرال دموكرات، ومنظمة شعب إيران فدائيّان، إلى جانب قناة «سيمای آزادی». كما لعب رضا بهلوي نجل شاه إيران السابق دورًا بارزًا في إصدار دعوات علنية للتظاهر والإضراب العام، مطالبًا بتوحيد الحراك وتحويله إلى مطالب بإسقاط النظام الإيراني.
إلى جانب هذه الكيانات السياسية، شاركت الجاليات الإيرانية في الولايات المتحدة وأوروبا في تنظيم مظاهرات داعمة وانخرط عدد من الأكاديميين والباحثين والفنانين والمثقفين الإيرانيين في المنفى، من بينهم جعفر بناهي، ومحمد رسولوف، وغلشيفته فراهاني، في دعم الحراك عبر التصريحات العلنية والأنشطة الإعلامية. وقد ركزت على التعبئة الإعلامية وحشد الرأي العام الدولي ومحاولة توجيه الاحتجاجات ميدانيًا داخل إيران.
وبصورة عامة، تكشف هذه المعطيات، أن الحراك الاحتجاجي في إيران يقوم على تفاعل بين تنظيم داخلي لا مركزي، تقوده شبكات محلية وطلابية ومهنية ودعم خارجي سياسي وإعلامي تقدمه كيانات معارضة وشخصيات عامة في المنفى.
الردود الرسمية والدعم الدولي
ردود فعل السلطات الإيرانية تجاه الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، شملت إجراءات أمنية متعددة من بينها، مراقبة الفضاء العام وإدارة تدفق المعلومات وفرض تحذيرات قانونية وسياسية. وقامت بعض الجهات بقطع الإنترنت وشبكات الاتصال جزئيًا؛ بهدف تقليل تنسيق الاحتجاجات ومنع انتشار المعلومات بسرعة، واستخدمت بعض الوحدات الأمنية قنابل الغاز المسيل للدموع وأسلحة نارية في بعض المواقع لتفريق المتظاهرين، ما أدى إلى وقوع قتلى واعتقالات بين المشاركين. على الصعيد الرسمي، اتهم الرئيس الإيراني بيزشكيان جهات خارجية بإدخال عناصر وصفها بـ«الإرهابية» إلى البلاد وارتكاب أعمال عنف وتخريب، بما في ذلك حرق المساجد وقتل المدنيين، معتبرًا أن هذه الأفعال لا تمثل احتجاجًا مشروعًا، ولا تنتمي إلى المجتمع الإيراني. وأكد أن الدولة تميز بين الاحتجاج السلمي الذي عبّر عن الاستعداد للاستماع إليه ومعالجته، وبين ما وصفه بأعمال الشغب والعنف غير المقبولة. ودعا المواطنين إلى حماية أحيائهم وعدم السماح بحدوث اضطرابات، كما ناشد العائلات توخي الحذر ومنع أبنائها من الانخراط مع جماعات عنيفة. وفي سياق حديثه حمّل الولايات المتحدة وإسرائيل مسئولية التحريض والدعم، داعيًا الشباب إلى عدم الانجرار وراء، ما اعتبره دعوات خارجية، ومؤكدًا في الوقت نفسه، أن باب الحوار مفتوح لمعالجة المطالب المشروعة عبر الحوار والتفاهم، وقد أعلن الجيش الإيراني، أنه سيحمي البنية التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة، وحث الإيرانيين على إحباط “مؤامرات العدو”.
في 7 يناير 2026، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً، وصفت فيه التعليقات الأمريكية على الاحتجاجات في البلاد، بأنها “تدخلية” و”تهدف إلى إثارة الاضطرابات” وجاء في البيان: “إن هذه المواقف ليست مدفوعة بالتعاطف مع الشعب الإيراني، بل هي جزء من سياسة الولايات المتحدة المتمثلة في ممارسة أقصى قدر من الضغط والتهديدات والتدخل في الشؤون الداخلية لإيران؛ بهدف التحريض على العنف والإرهاب وخلق الاضطرابات وانعدام الأمن في البلاد.
تقدمت إيران بشكوى أممية ضد الولايات المتحدة باستخدام شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي لتوجيه المتظاهرين وتدريبهم على أساليب “التخريب الممنهج”، معتبرة أن توفير الإنترنت الفضائي (ستارلينك) يمثل انتهاكاً لسيادتها الوطنية، واستند السفير الإيراني أمير سعيد إيرواني إلى المبادئ التي تحظر التدخل في الشؤون السيادية للدول، مؤكداً أن التصريحات التحريضية الصادرة عن البيت الأبيض هي “دعوة مباشرة للعنف” تقوض السلم والأمن الدوليين.
من جانبها المعارضة الإيرانية في الخارج تسعى إلى تحقيق تغييرات كبرى بإسقاط النظام دون أفق واضح أو بدائل، غير أنها تتلقى دعمًا غربيا عبر اعتراف سياسي ونشر الأخبار والتحليلات وقد أكدته تصريحات بعض المسؤولين الغربيين التي شددت على متابعة الوضع داخل إيران. أبرزها ما أدلى به وزير الخارجية ماركو روبيو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث أكدوا على دعم الشعب الإيراني في ممارسة حقه في الاحتجاج والتعبير عن مطالبه مع التحذير من استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين. كما أصدرت وزارات خارجية أستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي بيانًا مشتركًا، أعربوا فيه عن احترامهم للمحتجين وأدانوا استخدام القوة المفرطة ودعوا السلطات الإيرانية إلى الالتزام بحرية التعبير والتجمع السلمي. بالإضافة إلى ذلك، أدانت جهات دولية أخرى بما في ذلك الأمم المتحدة، وبيان مشترك لفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا العنف ضد المحتجين، وطالبت بتحقيقات مستقلة. ومن الجانب الإسرائيلي، وجه سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون رسالة مصورة إلى الشعب الإيراني، أشاد فيها بما وصفه بشجاعتهم خلال الاحتجاجات التي عمت البلاد.






