شهد عام 2025 تحركات مصرية نشطة في عدد من الملفات الإفريقية، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة وتعويض قصورٍ نسبي في الانخراط خلال سنوات سابقة، على نحوٍ وثيق الصلة، باعتبارات الأمن القومي المصري وأمن دول القارة.
وقد تركز هذا التوجه بوضوح في الملفين السوداني والصومالي، كما واجهت القاهرة، بدرجات وأدوات متفاوتة، تدخلات لقوى إقليمية وازنة ذات تأثيرات سلبية مباشرة على مصالحها، وتراوحت مقارباتها بين فك ارتباط تدريجي مع بعض الجهات، مقابل تقارب محسوب مع جهات أخرى، كما يظهر في الملف الليبي.
وفي الأزمة السودانية، برز اتزان استراتيجي في صورته الأكثر وضوحًا، عبر توظيف القاهرة أدواتها الدبلوماسية “الناعمة” لدعم وحدة السودان وسيادته، ورفض السيناريو الإماراتي الذي حظي سابقًا بدعم سعودي وتشجيع أمريكي، إلى جانب إسناد إسرائيلي غير مباشر، لا تخفى بصماته على متابعي الشأن السوداني.
وسعت القاهرة، في هذا السياق إلى التأثير في أجندة القوى الدولية والإقليمية، والسعي باتجاه تبني الولايات المتحدة مقاربة أكثر واقعية واستراتيجية، في ضوء تداعيات عدم الاستقرار الخطيرة الناجمة عن أي تفكيك محتمل للدولة السودانية، وهي المقاربة التي ظهرت لاحقًا في تفاعل الرياض وواشنطن مع الأزمة، بما يتسق مع الرؤية المصرية، خاصة خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لواشنطن منتصف نوفمبر 2025.
وفي ملف الصومال، فرضت القاهرة خياراتها “المؤجلة” عبر التدخل السياسي والعسكري وفق القنوات الدبلوماسية الدولية والإقليمية الشرعية، بهدف حماية وحدة الدولة الصومالية في مواجهة تهديدات إقليمية من بعض دول الجوار، ومن تحالف إسرائيلي– إماراتي– إثيوبي تتبدى ملامحه في دعم انفصال إقليم “أرض الصومال“، بالمخالفة للمبادئ الإقليمية والدولية ذات الصلة.
وإلى جانب ذلك، واصلت مصر دعمها لأطر العمل الإفريقي المشترك، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، مع تعميق علاقاتها الثنائية مع دول القارة، على أسس تقوم على النفع المتبادل، وتعزيز الاستقرار، ودعم مسارات التنمية.
وفي هذا الإطار، يقدم التقرير قراءة لملامح السياسة المصرية تجاه إفريقيا خلال عام 2025، محللًا أدواتها وحدودها ودلالاتها الاستراتيجية، عبر ملفات السودان وليبيا، والعلاقات التجارية، ودور الهيئات الإفريقية.
مصر والاتحاد الإفريقي: ملف منطقة التجارة القارية
أولت مصر في العام الماضي اهتمامًا كبيرًا بعدد من ملفات التعاون تحت مظلة الاتحاد الإفريقي، وعبر عدد من مؤسساته في مقدمتها مجلس السلم والأمن الإفريقي.
وتجسد هذا في مساعي القاهرة لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دول الاتحاد عبر تسوية المسائل العالقة أمام تحقيق هذا الهدف، وسعت عبر تفعيل اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AFCFTA) من أجل إطلاق فرص التجارة البينية والاستثمار المشترك بين دول القارة.
وخلال رئاستها مكتب وزراء تجارة الدول الموقعة على الاتفاق، عملت على سد الفجوات بين مواقف الدول الإفريقية إزاء مسائل فنية في الاتفاق، مثل قواعد المنشأ (لبعض المنتجات في قطاعات مثل الملابس الجاهزة والسيارات)، والمنافسة القارية والترتيبات المؤسسة “لشبكة المنافسة القارية”، وخطة عمل “لجنة نقاط اتصال اللجان الوطنية” المسئولة عن تطبيق الاتفاق.
وجاءت تلك الخطوة الهامة، والمتوقع طرح مخرجاتها خلال قمة الاتحاد الإفريقي المقبلة والبناء عليها، مضافًا لها وضع خريطة طريق للانتهاء من القواعد النهائية التي سيتم تطبيقها عقب فترة انتقالية.
كما تم اعتماد 8 ملاحق خاصة ببروتوكول الملكية الفكرية، تمهيدًا لتقديمها إلى قمة الاتحاد، وقادت القاهرة اعتماد عدد من اللوائح والأطر الداعمة لتنفيذ الاتفاقية، من بينها الأطر التنظيمية لقطاعات الخدمات مثل الخدمات المالية والاتصالات في إطار بروتوكول التجارة في الخدمات، فضلًا عن مشروع اختصاصات مجموعات العمل الخاصة بحماية البيانات ونقلها، والمدفوعات والهويات الرقمية، والتكنولوجيات الناشئة والمتقدمة ضمن بروتوكول التجارة الرقمية.
ودفعت مصر بقوة في اتجاه تفعيل الاتفاق (وربطه بشراكات إفريقيا مع دول فاعلة في اقتصاداتها) خلال آخر الفعاليات الدولية الهامة التي استضافتها القاهرة نهاية العام 2025، ألا وهي قمة روسيا في إفريقيا (19–20 ديسمبر)، ودمج مسار الاتفاق مع أجندة روسيا إفريقيا، والتي تتضمن مجالات مثل التجارة والاستثمار والطاقة والبنية الأساسية، إلى جانب قضايا سياسية وأمنية مثل دعم الاستقرار والسلم والأمن والتنمية.
علاقات مصر الثنائية: الاقتصاد في خدمة الدبلوماسية
يمكن ملاحظة أن العام 2025 قد شهد قدرة أكبر للقاهرة على دمج دبلوماسيتها برافعة اقتصادية مهمة في علاقاتها الثنائية مع دول القارة، لا سيما في غرب القارة وجنوبها.
وحسب بيان رئاسي (22 ديسمبر 2025)، فإن الاستثمارات المصرية في القارة تجاوزت حاجز 12 بليون دولار العام الماضي، بينما بلغ حجم تجارة مصر مع دول القارة رقمًا متواضعًا نسبيًا عند 10 بلايين دولار؛ وعبر وكالة الشراكة من أجل التنمية لتعميق حضورها الثنائي كقوة إفريقية فعالة في مجال بناء القدرات، كما تقدم وتطبق أكثر من 700 برنامج تدريبي في أرجاء القارة.
ورغم التقدم الملموس في حجم الاستثمارات المصرية في إفريقيا، حيث تحتل مصر المرتبة السادسة بين أكبر الدول المستثمرة بالقارة بعد الصين والولايات المتحدة وفرنسا والإمارات والمملكة المتحدة، متقدمةً على جنوب إفريقيا، فإن حجم التجارة مع دول القارة لا يزال متواضعًا نسبيًا؛ إذ تجاوزت تجارة مصر مع دول مجموعة العشرين في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 نحو 70 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف تجارتها مع إفريقيا في الفترة نفسها.
وفي هذا السياق، تأتي القاهرة خارج قائمة أكبر عشرة شركاء تجاريين للقارة، مع هيمنة الصادرات المصرية على هيكل هذه التجارة، إلى جانب تركزها جغرافيًا في دول شمال إفريقيا، ليبيا وتونس والجزائر والمغرب.
مصر والأزمة في السودان: استعادة التوازن الاستراتيجي
شهد العام 2025 عودة قوية لمصر في إدارة ملف السودان بالتزامن مع بدء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الجديدة؛ وقد فتحت القاهرة قنوات اتصال مع واشنطن؛ لكي تبني الأخيرة مقاربة أكثر موضوعية تجاه الأزمة، ومحاولة موازنة رؤيتها التي كانت تميل (شكليًا على الأقل) إلى تصورات إماراتية للأزمة، على أنه بين جانبين متصارعين على السلطة، لتتحول رؤية الولايات المتحدة تدريجيًا إلى إبداء تخوفات حقيقية من انفلات الأزمة في السودان.
وبشكل عام، سعت القاهرة إلى تحقيق مرونة أكبر في الرباعية الدولية، وتخفيف حدة التشدد الإماراتي تجاه “الجيش السوداني”. وكذلك محاولة إقناع الرياض بضرورة تبني موقف إيجابي من الأزمة في السودان لصالح الدفاع عن مؤسساته ووحدته وسيادته، بدلًا من ترك مساحات غير مقبولة لسيطرة الإمارات على الملف، أو حتى– كما يفهم من السياق- مناورة الموقف السعودي تجاه الأزمة لتحقيق أكبر مصالح ممكنة (مثل إتمام ترسيم الحدود البحرية بين الرياض والخرطوم في البحر الأحمر على نحو يرضي تصورات الأولى).
وبالتزامن مع ذلك، قدمت القاهرة الدعم السياسي “المثالي” للفريق عبد الفتاح البرهان ومؤسسات الدولة السودانية في أكثر من مناسبة، وعند نقاط تحول خطيرة في الصراع، فيما لا يمكن الاستخفاف بتقارير “غير رسمية” عن دعم لوجيستي لهذه المؤسسات، وهو ما دفع قائد ميليشيات الدعم السريع محمد حمدان دقلو إلى توجيه “تهديدات” غير مسبوقة للقاهرة، تلاها ما لاحظه مراقبون من تحول مصري جذري في الملف نحو تطبيق كامل لمفهوم “التوازن الاستراتيجي” واستباق التهديدات التي فرضها التدخل الإماراتي عبر مسارات مباشرة أو مرورًا ببعض دول جوار السودان، والتي يتغلغل النفوذ الإماراتي معها، كما إثيوبيا وجنوب السودان، أو خلال فاعلين من غير الدولة في ليبيا، وربما في جمهورية إفريقيا الوسطى، حسب تقارير نشرت مطلع العام الجاري.
وقد اتضح التغير في الموقف الرسمي تجاه إدارة ملف السودان في حادثين رئيسيين: أولهما بيان الرباعية الدولية في سبتمبر 2025، والذي صدر بعد خلافات إماراتية- مصرية وجدت صداها في تقارير أمريكية في وقتها، وبعد استيلاء ميليشيات الدعم السريع على مدينة الفاشر بدعم مباشر من ميليشيات “الجيش الوطني الليبي” بقيادة خليفة حفتر وعبر مثلث الحدود المصرية- السودانية- الليبية، في سابقة تذكر بتهديد الحدود الغربية في بداية رئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو الأمر الذي أبدت معه القاهرة تشددًا كبيرًا، وغيرت بعده لهجتها مع حفتر وأبوظبي، وقطعت تقريبًا أية خطوط للتواصل مع “الدعم السريع” على خلفية تهديداته غير المسبوقة للقاهرة، والتي شجعه عليها داعموه الإماراتيون، فيما يمكن وصفه باختبار للقوة المصرية وحدودها.
مصر وليبيا: العودة للأساسيات وإعاده التموضع
ظلت مصر، منذ اندلاع الأزمة في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي (2011)، تؤكد على سياسة احتواء الأطراف المتصارعة في دولة الجوار، مع جنوح لدعم قيادة “الجيش الوطني الليبي” والاتساق مع شبكة داعميه في الخارج، الإمارات وروسيا بالأساس، وتفهم حجم المصالح المشتركة مع “الجيش الوطني”.
لكن السنوات التالية، واعتبارات مجابهة التهديدات الإرهابية القادمة من شرقي ليبيا أو على الأقل التخوف من وجود حاضنة جغرافية لهذه التهديدات، شهدت مواقف القاهرة، اضطرابًا ملحوظًا في ملفات إعادة توحيد الجيش الليبي (مع تبني رؤية أقرب لرؤية حفتر في محطات الملف الهامة) وجهود حفتر للاستيلاء على طرابلس (منتصف 2019)، قبل إعلان الرئيس السيسي في العام التالي خطوطًا حمراء للنزاع في ليبيا، مؤكدًا (يونيو 2020) استعداد مصر لإرسال قوات إلى ليبيا، إذا حاولت قوات حكومة الوفاق الوطني في طرابلس (المدعومة من تركيا ومرتزقة سوريين) الاستيلاء على طرابلس، وهي التأكيدات التي كان لها صداها في ضبط التوازن الهش داخل ليبيا وعدم تهديد الأمن القومي المصري في هذا السياق.
لكن حسابات خليفة حفتر التي تعارضت في الشهور الأخيرة من العام 2025 مع مصر، وعلاقاته ذات الأولوية القصوى بالإمارات وأهدافها في المنطقة، والتي تجلت واضحة في دعم حفتر وقواته لميليشيات الدعم السريع في السودان، دفعت العلاقات بين مصر وحفتر ومعسكره إلى مرحلة من البرود رغم تكرر حضور حفتر للقاهرة ومقابلته الرئيس السيسي وعدد من المسئولين الأمنيين والعسكريين المعنيين “بالملف الليبي”.
ويظهر من جهود القاهرة الأخيرة القيام بمقاربة مباشرة مع حكومة طرابلس، والتعويل بقوة على دبلوماسية احتواء أطراف النزاع الليبي لضمان احترام المخاوف المصرية بشكل أكثر شمولًا وفى ملفات مثل ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، والوضع في شرق المتوسط، وعودة تهديدات تركيا بنشر قوات تركية في ليبيا عند الضرورة، والتي كشفتها صحف تركية في نهاية العام 2025.
مصر والصومال: قوة مصر الخشنة
استكملت مصر في العام 2025، ما سبق أن بدأته مطلع العام 2024 (بعد إعلان إثيوبيا توقيع مذكرة تفاهم مع إقليم “أرض الصومال” للحصول على شريط ساحلي بشروط سيادية في الإقليم) من الانخراط القوي والملوس في الشأن الصومال من زاوية رئيسة، وهي دعم سيادته واستقلاله ووحدته وجهود إعادة بناء الدولة فيه.
وفي هذا السياق، التقت توجهات مصر في إدارة الأزمة الصومالية مع أطراف إقليمية مهمة، لا سيما تركيا والسعودية، وهو الأمر الذي اكتسب زخمًا خاصًا بعد خطوة اعتراف إسرائيل في ديسمبر، بإقليم أرض الصومال الانفصالي كدولة، وسعت مصر والسعودية وتركيا للحيلولة دون البناء على الخطوة الإسرائيلية في المحافل الإفريقية والأممية.
وبشكل محدد وضعت مصر نهاية العام الفائت (في مناقشات مع الاتحاد الإفريقي في نوفمبر) اللمسات الأخيرة على خطة نشر القوات المصرية المقرر مشاركتها في قوة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال AUSSOM، والتي سيبلغ حجم مشاركة القوة المصرية بها نحو عشرة آلاف جندي، والتي وصفها رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بأنها تتيح “فرصة للمجتمع الدولي من أجل إعادة تكثيف جهوده وتجديد اهتمامه وإظهار الدعم للأشقاء في الصومال”.
وجاءت الخطوة المصرية، المتوقع أن تتم في الشهور المقبلة بعد إتمام الإجراءات السابقة على نشر البعثة على الأرض، لتكتسب مقاربة مصر في القرن الإفريقي حضورًا ملموسًا ودورًا حقيقيًا في الحفاظ على استقرار الإقليم وسيادة الصومال ووحدته بالرغم من التحديات الخطيرة المتزايدة الراهنة.
وهكذا، كان العام 2025 هو عام التوازن الاستراتيجي المصري في إفريقيا بامتياز، إذ تجمعت الجهود الدبلوماسية مع قدرات مصر الاقتصادية والتنموية للدخول في شراكات مع الدول الإفريقية المختلفة مع جرأة القاهرة في اتخاذ خطوات مبادِرة لتعزيز مفهوم الأمن والسيادة والاستقلال، وهو توجه يتوقع أن تضاف له خطوات أخرى في العام الحالي، فيما تتزايد تهديدات قوى مثل إسرائيل والإمارات للأمن القومي المصري، إضافة إلى التهديدات اللا تقليدية في السنوات الأخيرة.






