يربط هذا المقال بين تصاعد الأزمة اليمنية وتعقيدات الحرب السودانية، بوصفهما جزءاً من شبكة صراعات إقليمية متداخلة. ويحلل تأثير الخلافات داخل التحالفات الإقليمية على مسار الحلول في السودان، ودور البحر الأحمر وقناة السويس في إعادة ترتيب الأولويات الدولية. كما يناقش حدود فعالية المبادرات الدولية في ظل تداخل الأمن والسياسة والنفوذ.
مقدمة: أزمات مترابطة في إقليم مضطرب
لم تعد الحروب في الإقليم العربي أحداثاً منفصلة، بل باتت حلقات في سلسلة واحدة من الصراعات المتداخلة، حيث ينعكس كل تصعيد في ساحة ما على ساحات أخرى سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وفي هذا السياق، يبرز التصعيد الأخير في الأزمة اليمنية، بوصفه عاملاً مؤثراً– وإن بدا غير مباشر– في إعادة تشكيل توازنات الصراع السوداني، الذي دخل عامه الثالث، باعتباره أكبر كارثة إنسانية في العالم.
لم يكن السودان يوماً بعيداً عن حرب اليمن. فمنذ عام 2015، شارك بقوات من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية ضمن التحالف الذي تقوده السعودية، في واحدة من أكثر الحروب الإقليمية تعقيداً. ولم تترك هذه المشاركة آثاراً عسكرية فحسب، بل أسست أيضاً لشبكة علاقات إقليمية متشابكة باتت اليوم جزءاً من معادلة الحرب والسلام في السودان.
ومع تصاعد التوتر في اليمن، وعودة الخلافات إلى الواجهة داخل معسكر التحالف، خاصة بين السعودية والإمارات، تبرز تساؤلات جدية حول انعكاس ذلك على الملف السوداني، وعلى مستقبل مبادرة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات)، التي أصدرت خارطة طريق في 12 سبتمبر 2025 لإنهاء الحرب في السودان.
أولاً: السودان في حرب اليمن.. جذور التداخل
جاء انخراط السودان في حرب اليمن في سياق سياسي مختلف تماماً، عما يعيشه اليوم. فقد سعى نظام الرئيس السابق عمر البشير، ثم السلطة الانتقالية العسكرية لاحقاً، إلى توظيف المشاركة العسكرية كأداة لتحسين العلاقات مع دول الخليج، والحصول على دعم اقتصادي وسياسي في مرحلة شديدة الهشاشة
لكن اللافت أن المشاركة السودانية لم تقتصر على الجيش النظامي، بل شملت أيضاً قوات الدعم السريع شبه العسكرية بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي راكم نفوذاً مالياً وعسكرياً كبيراً من خلال هذه المشاركة، وعزّز علاقاته الإقليمية، خاصة مع دولة الإمارات.
هذا التداخل جعل من حرب اليمن في تقدير كثير من المراقبين، ساحة غير مباشرة لإعادة توزيع القوة داخل السودان نفسه. فالقوات التي قاتلت في اليمن عادت بخبرات قتالية وتمويل وعلاقات خارجية، كان لها أثر بالغ في موازين القوة التي انفجرت لاحقاً في حرب 15 إبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ثانياً: التصعيد اليمني.. أكثر من أزمة محلية
أعادت التطورات الأخيرة في اليمن، سواء المرتبطة بتصعيد عسكري أو بتعقيد المسار السياسي، إحياء التباينات داخل التحالف العربي. فالسعودية، التي تسعى منذ سنوات إلى مخرج سياسي، يقلل كلفة الحرب، باتت أكثر حساسية لأي تصعيد، يهدد أمنها المباشر أو مشاريعها الاقتصادية الكبرى.
في المقابل، تنظر الإمارات إلى اليمن من زاوية مختلفة، تركز على النفوذ البحري وتأمين المواني وخطوط التجارة في البحر الأحمر وخليج عدن، إضافة إلى علاقاتها مع قوى محلية يمنية ذات طابع عسكري.
هذه التباينات، وفق قراءات إقليمية، لا تبقى محصورة داخل اليمن، بل تمتد آثارها إلى ساحات أخرى، من بينها السودان، الذي يشكل بدوره حلقة مهمة في معادلة أمن البحر الأحمر، وفي التوازنات الإقليمية بين الخليج وشرق إفريقيا.
ثالثاً: الرباعية الدولية.. وحدة هشة
أُنشئت الرباعية الدولية بشأن السودان على أساس تنسيق المصالح بين واشنطن والرياض والقاهرة وأبوظبي، في محاولة لاحتواء حرب تهدد استقرار الإقليم بأكمله. غير أن هذه الصيغة، رغم أهميتها، ظلت تعاني من تباينات مكتومة بين أطرافها.
وعكست خارطة الطريق الصادرة في 12 سبتمبر 2025 توافقاً شكلياً حول ضرورة وقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية، تقود إلى حكم مدني. لكن مع تصاعد الخلاف السعودي– الإماراتي في اليمن، بات هذا التوافق عرضة للاهتزاز، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية التعامل مع أطراف الصراع السوداني.
فالسعودية تميل إلى مقاربة أكثر حذراً، تركز على الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية، بينما يُنظر إلى الإمارات– وفق تحليلات دولية– على أنها أكثر برجماتية في التعامل مع الفاعلين المختلفين، وفي مقدمتهم قوات الدعم السريع، رغم نفي أبوظبي المتكرر لأي دعم عسكري مباشر.
رابعاً: واشنطن ومحاولة إعادة ضبط الإيقاع
في هذا السياق، جاءت تحركات الإدارة الأمريكية الأخيرة، وعلى رأسها زيارة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، إلى أبوظبي ولقاءاته مع القيادة الإماراتية. وقد عكست تصريحات بولس إدراكاً أمريكياً لخطورة اللحظة، ليس في السودان فحسب، بل في الإقليم ككل.
وحديث بولس عن «هدنة إنسانية عاجلة»، وعن التزام الرئيس دونالد ترامب بالسلام، يشير إلى محاولة أمريكية لإعادة توحيد مقاربة الحلفاء، أو على الأقل منع الخلافات الإقليمية من إفشال أي مسار لوقف الحرب في السودان.
غير أن نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بقدرة واشنطن على موازنة علاقاتها مع الرياض وأبوظبي، في وقت تتشابك فيه ملفات اليمن والسودان والبحر الأحمر في معادلة واحدة.
خامساً: السودان كرهينة للصراعات الإقليمية
تُظهر التجربة السودانية بوضوح مؤلم، كيف يمكن لدولة منهكة داخلياً أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟ فالدعم الخارجي، المباشر أو غير المباشر، أطال أمد الحرب، وعقّد فرص التسوية، وترك المدنيين يدفعون الثمن الأكبر.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات دولية إلى مقتل أكثر من 150 ألف سوداني منذ اندلاع الحرب، ونزوح أكثر من 11 مليون شخص داخلياً، ولجوء نحو أربعة ملايين إلى دول الجوار. ومع ذلك، لا تزال الأولويات السياسية والعسكرية تتقدم على الاعتبارات الإنسانية.
في ظل هذا الواقع، يصبح أي تصعيد في اليمن، أو أي توتر داخل معسكر الحلفاء، عاملاً إضافياً يطيل أمد الصراع السوداني، سواء عبر تعطيل التوافق الدولي أو عبر إعادة توظيف أطراف الصراع المحليين ضمن حسابات إقليمية أوسع.
سادساً: اليمن، السودان، والبحر الأحمر
لا يمكن فصل تصاعد الأزمة اليمنية ولا الحرب السودانية عن معادلة البحر الأحمر، التي تمثل بالنسبة للسعودية ولمصر شرياناً استراتيجياً، لا يقل أهمية عن الأمن القومي المباشر. فمضيق باب المندب، الذي يتأثر مباشرة بأي تصعيد في اليمن، يشكل المدخل الجنوبي لقناة السويس، التي يمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية وأكثر من 20% من تجارة الحاويات.
وأي اضطراب أمني في اليمن ينعكس فوراً على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما ظهر بوضوح خلال السنوات الأخيرة مع الهجمات على السفن، وارتفاع كلفة التأمين، وتحول بعض خطوط الشحن إلى مسارات أطول عبر رأس الرجاء الصالح. لكن الخطر الأكبر يتمثل في تلاقي الأزمة اليمنية مع هشاشة الدولة السودانية، بما يحول الساحل الغربي للبحر الأحمر إلى نطاق غير مستقر مفتوح على صراعات محلية وتدخلات دولية
ويمثل السودان، بساحله الممتد لأكثر من 700 كيلو متر على البحر الأحمر، وموقعه القريب من قناة السويس والأقرب إلى ميناء جدة، عمقاً استراتيجياً لأمن البحر الأحمر. ومع استمرار الحرب، وتعدد الفاعلين المسلحين، ووجود أطماع دولية في المواني والقواعد البحرية، تتزايد المخاوف من تحول السودان إلى حلقة ضعيفة في منظومة أمن البحر الأحمر.
سابعاً: سيناريوهات محتملة
سيناريو الاحتواء: تنجح الولايات المتحدة في الحد من تأثير الخلاف السعودي– الإماراتي، وتبقى الرباعية إطاراً فاعلاً، مع الدفع نحو هدنة إنسانية تمهد لمسار سياسي. ويعزز هذا السيناريو، ما يشهده الملف من تحركات مكوكية لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي.
سيناريو التآكل: تستمر التباينات داخل الرباعية، ما يؤدي إلى فقدانها الزخم، وفتح الباب أمام مبادرات ثنائية أو إقليمية متنافسة قد تزيد من تعقيد المشهد.
سيناريو الانفجار الإقليمي: يتفاقم التصعيد في اليمن، وينعكس مباشرة على السودان عبر زيادة الاستقطاب والدعم غير المباشر، ما يطيل أمد الحرب ويعمّق الانقسام.
خاتمة: السودان ليس هامشاً
ما يجري في اليمن اليوم ليس أزمة بعيدة عن الخرطوم، بل هو جزء من شبكة صراعات مترابطة، تتقاطع عند البحر الأحمر، وتمتد آثارها إلى الأمن الإقليمي والدولي. والتعامل مع الحرب السودانية بوصفها ملفاً معزولاً، دون النظر إلى تداخلاتها اليمنية والخليجية، يعني عملياً القبول باستمرارها.
السودان ليس ساحة ثانوية، ولا ينبغي أن يكون ورقة في صراعات الآخرين. لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة وطنية في المقام الأول، وتحديداً من الفاعلين السودانيين الرئيسيين، وفي مقدمتهم المؤسسة العسكرية، إلى جانب إرادة إقليمية ودولية حقيقية، تنظر إلى أمن البحر الأحمر كوحدة واحدة، وتضع مصلحة المدنيين فوق حسابات النفوذ، وتدرك أن السلام في الخرطوم يبدأ– جزئياً– من خفض التوتر في عدن.






