إثر اعتقال الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” بعملية عسكرية أمريكية، ثار جدل صاخب على شبكات التواصل الاجتماعي عن جدوى وأهمية التضامن مع قضايا دول وشعوب تبعد عنا آلاف الكيلو مترات.

هناك من تساءل: ما لنا وما يحدث في فنزويلا؟!.. كأن ما يحدث فيها لا شأن لنا به، وأن أي تضامن إنساني مفترض في مثل هذه القضايا تزيُد لا محل له، أو هو “كلام قديم”!
إننا أمام تغيرات جوهرية في طبيعة النظام الدولي تنعكس بالضرورة على المنطقة التي نعيش فيها.

لم يكن تصدي فنزويلا، ورئيسها المخطوف، بالرفض والإدانة الواضحة والصريحة للعدوانية الإسرائيلية على كل حق عربي وفلسطيني كلاما قديما.

ولا كان ترحيب رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” بالقرصنة الأمريكية على ثروات فنزويلا كلاما قديما بدوره.

بأي معنى إنساني وقانوني وعملي، فإن التضامن مع فنزويلا واجبا سياسيا وأخلاقيا، وليس كلاما قديما.

التوصيف المتفلت يمثل تناقضا فادحا مع الإرث الناصري.

إثر مشاركته في قمة عدم الانحياز، التي عقدت بشرم الشيخ (2009) زار الرئيس الكوبي السابق “رؤول كاسترو” القاهرة مدفوعا بمشاعره وعمق تأثره بالإلهام المصري في حرب السويس عام (١٩٥٦).

في ذلك الوقت البعيد، كان يتأهب مع “فيدل كاسترو” و”تشي جيفارا” من فوق جبال “سيرا ماستيرا” لدخول العاصمة “هافانا”.. وفي وجدانه صدى صوت “جمال عبد الناصر”: “سنقاتل”.

كان النموذج المصري موحيا بالأمل، فقد تمكنت دولة من العالم الثالث، استقلت بالكاد، من أن تؤمم “قناة السويس”، وأن تتحدى الإرادات الغربية، وأن تصمد في المواجهات العسكرية، وأن تخرج المستعمرة القديمة إلى العالم لاعبا رئيسيا على مسارحه تمتلك قرارها ومصيرها.

عندما التقيته في أحد فنادق القاهرة المطلة على نيلها، بادرني بكلمة واحدة رددها مرتان بصوت غلبته مشاعره على طريقة التعبير اللاتينية: “ناصري.. ناصري”.

بدا “راؤول كاسترو” محتفيا بالمعنى والتاريخ والدور الذي لعبه “عبد الناصر”، الرؤى ذاتها سكنت رجلين آخرين من طراز استثنائي: “فيدل” و”تشي”.

الأول، قائد الثورة الكوبية، والثاني، روحها وأيقونتها، فيما كان “راؤول” مسئولها العسكري الأبرز.

الثلاثة الكبار التقوا “عبد الناصر”، كل في ظرف مختلف ولمرة واحدة. “فيدل” في نيويورك على هامش اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان اللقاء بتوقيته ومكانه حدثا بذاته.. و”تشي” في القاهرة والحوار امتد حول الثورة وفلسفتها ووحدة المصير الإنساني.. و”راؤول” في القاهرة منتقلا مع الرئيس المصري إلى الإسكندرية للاحتفال بالعيد العاشر لثورة (٢٣) يوليو.

لم يكن دور “تشي جيفارا” بحجم “فيدل كاسترو” في الثورة الكوبية، ولا يقارن تأثيره بالأدوار الكبرى التي لعبها “فلاديمير لينين” في الثورة السوفيتية، أو “ماو تسي تونج” في الثورة الصينية، أو “هوشي منه” في الثورة الفيتنامية، والقائمة تطول وتمتد إلى قامات دولية أخرى، لعبت أدوارا أكثر تأثيرا وأوسع نفاذا.

لماذا عاش “جيفارا” أطول في الذاكرة الإنسانية؟

لأنه ببساطة لخص في شخصه وتجربته “قوة النموذج الإنساني”، فهو “أرجنتيني” دعته فكرة الثورة إلى الحرب في كوبا، وعندما انتصرت غادر السلطة سريعا، الثورة شاغله الوحيد، فكر أن يقاتل في إفريقيا و”عبد الناصر” نصحه ألا يفعل ذلك، حتى لا يبدو طرزانا جديدا، حاول أن ينظم حروب عصابات في أكثر من بلد لاتيني، حتى استقرت به مقاديره في أحراش بوليفيا التي لقى مصرعه فيها مصلوبا، وكانت صورته متماهية مع فكرة “المسيح يصلب من جديد” التي تمثلها روائيون أوروبيون أبرزهم الروائي اليوناني “نيكوس كازنتزاكيس”، وألهمت أجيالا متعاقبة.

أسطورته استندت على قوة النموذج الإنساني لرجل آمن بقضيته، لم يساوم عليها ومات في سبيلها.

هكذا كان “عبد الناصر”، قوته في نموذجه الإنساني، كما في إيمانه بوحدة المصير الإنساني.

قاتل ولم يستسلم حتى النهاية، ألهم وقاد حركات التحرير الوطني في عصره.

لم تكن مصادفة أن تتصدر صورته قاعة مجلس النواب الفنزويلي، أو أن ينصب تمثال له في أحد ميادين العاصمة كاراكاس.

ولا كانت مصادفة أخرى، أن يصف الزعيم الفنزويلي الراحل “هوجو شافيز” نفسه: “أنا ناصري”، قاصدا طلب وحدة القارة والعدل الاجتماعي والخروج عن الهيمنة الأمريكية.

المعاني الكبرى لا تموت بالسكتة التاريخية، حتى يقال عنها إنها كلام قديم.

فكرة استقلال القرار الوطني جوهر التجربة الناصرية.

إهانة الذين حاولوا بقدر استطاعتهم التضامن مع الشعب الفنزويلي ورئيسه المخطوف فيه إهانة مباشرة للإرث الوطني نفسه.

بهذا المنطق يمكن النظر إلى ثورات مصر جميعها، لا ثورة يوليو وحدها، باعتبار بواعثها كلاما قديما، كان الإذعان للاحتلال الأجنبي نوعا من التفكير الجديد!

التنكر لمبدأ وحدة المصير الإنساني، أحد أفضل ما انطوت عليه ثورة يوليو، جريمة تاريخية متكاملة الأركان.

لا يعني ذلك إضفاء أية عصمة من النقد، فلا قداسة لثورة أيا كان إنجازها ولا لرجل أيا كان دوره.

نقد يوليو حق مؤكد للذين يناصرونها قبل الذين يناهضونها.

إنكار ذلك جريمة بحق المستقبل.

النقد والمراجعة ضروريان لاتصال الحركة إلى المستقبل، فلا يمكن لبلد أن يتقدم خطوة واحدة للأمام، وهو ينكر تاريخه، حيث حارب وضحى وانتصر وانهزم، أو يمتنع عن التصحيح والتصويب في الأفكار والتصورات.

هناك فارق بين النقد والمراجعة وبين التسطيح والتجهيل.

ما تحتاجه مصر هو الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، حتى تستقيم خطواتها للمستقبل على أرض صلبة.

بالنظر التاريخي، فإن “عبد الناصر” هو الشخصية العربية الأهم على الإطلاق في التطلع إلى الوحدة العربية، على الرغم مما لحق التجربة المصرية السورية من انفصال.

التجربة تستحق المراجعة، لكن الحلم قضية أخرى، فالأحلام لا تموت.

بالنظر الاجتماعي، فإن تجربته هي الأعمق بالتاريخ المصري كله منذ فجر الضمير.

لا توجد تجربة أخرى تضاهي يوليو، وهو في الذاكرة العامة “أبو الفقراء”.

وبالنظر الاستراتيجي، فإن مرحلة يوليو أسست لنظرية الأمن القومي المصري، انفتحت على محيطها العربي، وساعدت ثورات وانتفاضات، من بينها ثورة المليون ونصف المليون شهيد بالجزائر، كما قادت أوسع عملية تحرير للقارة الإفريقية مطلع ستينيات القرن الماضي، وتزعمت مع الهند ويوغوسلافيا حركة عدم الانحياز، التي استهدفت كسر القطبية الثنائية وإحداث توازن في النظام الدولي.

اكتسبت مصر مكانة دولية رفيعة، ولم يكن ممكنا أن يُبت في أمر بالإقليم، أو القارة الإفريقية، أو العالم الثالث متضمنا القارة اللاتينية دون استطلاع رأيها.

لماذا تراجعت مكانتها بفداحة بعد “عبد الناصر”؟

السؤال نفسه فيه اعتراف، أن السياسات بعده اختلفت، وأن النظم التي تلته انقضت على إرثه.

ثم كيف جرى الانقلاب الاجتماعي بدءا من الانفتاح الاقتصادي عام (١٩٧٤)؟

كيف ولدت طبقة جديدة بقرار واحد وزع التوكيلات الأجنبية على أسماء بعينها؟

كان الهدف توفير ظهير اجتماعي لمشروع السلام مع إسرائيل.

هذا جوهر ما جرى من انقضاض على “عبد الناصر” ومعاركه.

القضية ليست “عبد الناصر”، فالرجل مضى إلى رحاب ربه منذ أكثر من خمسة وخمسين عاما، بقدر ما هي سلامة الذاكرة الوطنية اعتزازا بأدوارنا التحررية، التي ما زالت ماثلة، رغم كل التراجعات، في القارة اللاتينية.