بتاريخ الاثنين الموافق 12/ 1/ 2026، انعقد دور التشريع الجديد في نسخة هي الأحدث لمجلس النواب، ذلك بعد أن تم إسدال الستار على الانتخابات البرلمانية، التي عليها العديد من علامات الاستفهام، والتي تدور جميعها حول مدى صوابها ومدى انحياز السلطة لأحزابها، وهو أمر أقر به رئيس السلطة التنفيذية في أول مراحل هذه لانتخابات، ثم أقرته الهيئة الوطنية في الانتخابات، كما أفردت له العديد من الطعون التي قيل فيها ما قيل من خلال محكمة القضاء الإداري، أو المحكمة الإدارية العليا، والتي لم يزل العديد من تلك الطعون أمام محكمة النقض بحسب اختصاصها الوظيفي، لكن هذه الانتخابات قد أسفرت عن سيطرة أحزاب بعينها على أغلبية المقاعد النيابية، متمثلة في أحزاب مستقبل وطن، وحماة وطن، وحزب الجبهة الوطنية، ذلك بخلاف الأعضاء الذين تم تعيينهم بقرار من رئيس الدولة وعددهم 28 عضوا، ممثلة لنسبة 5 % المنصوص عليها دستوريا، وهو الأمر الذي حسم أمر أغلبية مقاعد مجلس النواب لصالح الأحزاب الموالية للنظام الحاكم، وهو الأمر الذي يهمش بشكل قاطع الدلالة لدور مقاعد المعارضة النيابية الحقيقية.

وعلى الرغم من ضعف حالة الأحزاب السياسية المصرية، والتي من المفترض أنها تمثل قمة الحق في التنظيم، وتعمق حقيقة وجوده، إلا أن حالة المعارضة السياسية المصرية يرثى لها ويندى لها الجبين، برغم كون الحالة السياسية المصرية تقتضي وجود زخم سياسي حقيقي يدعم لوجود أصوات معارضة سياسية فعلية، إذ لا تدور السياسة في فلك واحد واتجاه واحد، ألا وهو اتجاه السلطة الحاكمةـ فلا يمكن بحال من الأحوال أن تسير في نطاق صحة التصرفات، بشكل يمثل صورة الديمومة والاستمرار.

وإذ إنه والحال كذلك، فإن هذا التشكيل المتوقع لمجلس النواب المصري، والذي لم يفرق سوى في أسماء الأعضاء عن المجلسين السابقين، وهو الأمر الذي سيكون له الأثر البالغ الخطورة على مهام مجلس النواب لمدة خمس سنوات مقبلة، وهو رقابة تصرفات الحكومة، والقيام بمهام التشريع وسن القوانين. وإذ لا شك في كون النظم القانونية المحترمة يجب أن تستمد وجودها من منطلق الاحتياج المجتمعي لتنظيم أمر من أموره تشريعياً، إذ إن عملية الضبط الاجتماعي وتنظيم الحريات والمصالح عبر وجود قواعد وأحكام، هو ما أطلق عليه اسم القانون، ويجب ألا تخرج الغاية العليا للتنظيم القانوني أو القواعد القانونية عن تنظيم أوجه النشاطات المجتمعية، ويفك الاشتباك بين أوجه السلوك الإنساني المختلفة والمصالح المتباينة، وبمعنى أكثر نضجا، لا يتواجد القانون إلا إذا تواجدت الحاجة المجتمعية إليه، إذ لا حاجة ولا قيمة حقيقية للنصوص القانونية، إذا ما خرجت عن احتياجات المجتمع، أو إذا ما تجاوزت في تنظيمها لأمر من الأمور لمعنى الاحتياج المجتمعي، فخرجت بذلك عن مضمون الحماية المقررة بالقانون إلى الميل أو التجاوز عن الهدف الأساسي للقاعدة القانونية.

ولا يزال أمر التشريع في مصر محيراً، على الرغم من التنظيم الدستوري له، بأن يتولاه مجلس النواب بشكل أساسي، إلا أن هيمنة السلطة على أمور التشريع بشكل واضح، تُعد هي العامل الأكبر في استخدام آلية سن القوانين، سواء عن طريق النفاذ إلى التشريع عن طرق تقدم الحكومة بمشروعات القوانين، بشكل أصبح هو الأساسي في ظل مجلس النواب السابق او الحالي، أو من خلال استخدام كتلتها التصويتية الممثلة في الأحزاب الموالية للسلطة في تمرير تلك القوانين أو في التقدم بمشروعات قوانين من خلال أعضائها، وهو الأمر الذي يجعل من سلطة التشريع أمراً لا يخرج عن عباءة السلطة السياسية الحاكمة أو عن رغبتها، ولم يحقق البرلمان المصري طموحات أو آمال الشعب في إعمال رقابة حقيقية على ما صدر من تشريعات قبل انعقاده، وهو ذات الأمر الذي ينطبق على غالبية الممارسات التشريعية. وفي الأصل، يجب أن تتجه القواعد القانونية بما تستحدثه من تشريعات إلى حماية الشرائح المجتمعية المختلفة، وحين تنظيم الهيئة التشريعية لقواعد قانونية ذات بعد اجتماعي، أو تتماهى مع الاحتياجات الاقتصادية للجماعة، فإنه يجب أن تتجه هذه التشريعات لحماية الطبقة الأقل حماية، أو تسعى بما تنظمه من قواعد قانونية مستحدثة إلى حماية المكتسبات المجتمعية على أقل تقدير، إن لم تكن تزيد عليها، فهل ستتجه تلك الأغلبية إلى تقنين القوانين واستخدام السياسة التشريعية بما يتناسب مع الاحتياجات المجتمعية، ومتطلبات واحتياجات الناخب، وهو المواطن صاحب السلطة الحقيقية، أم أنها ستخضع لما تمليه السلطة الحاكمة، ولما تتوجه به من إملاءات سياسية وتشريعية تتوافق ومقتضياتها هي، بغض النظر عن مدى تناسبها مع احتياجات ومتطلبات الشارع السياسي؟

وهذا الأمر قد يختلف عنه في حالة السلطة الرقابية المخولة دستوريا لمجلس النواب، والمتمثلة  في الأدوات الرقابية، كسؤال واستفسار وطلب إحاطة وغيرها من هذه الأدوات الرقابية، أم أن الأمر لن يختلف عما كان عليه الحال في الدورات التشريعية السابقة، وبحسب القواعد المعرفية، فقد اتفقت القواعد الدستورية على مستوى دول العالم، على أن تكون هناك رقابة من البرلمان أو المجالس التشريعية على اختلاف مسمياتها في كل دولة على أعمال الحكومات، وذلك بحسب كون السلطة التنفيذية المتمثلة في الحكومة، والتي من المفترض أن تقوم بكافة أعمالها وفق صحيح القانون، وأن تبتغي الصالح العام في ذلك العمل، ولعدم شطط الحكومات بهذه السلطة الواسعة، فقد كانت الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومات، إذ تعد الرقابة البرلمانية حجر الزاوية في البرلمانات الديمقراطية، إذ تشكل مؤشراً على الحكم الجيد، وهي تهدف إلى مساءلة السلطة التنفيذية حول أعمالها، فإلى ضمان تنفيذ السياسات بطريقة فعّالة. فالرقابة البرلمانية الدقيقة للسلطة التنفيذية مؤشر على سلامة الحكم. وإلى جانب وظيفته التشريعية، يتمكّن البرلمان من تحقيق توازن القوى وتعزيز دوره كمدافع عن المصلحة العامة. ففي الأنظمة الديمقراطية القديمة والحديثة يتمتع البرلمان بالسلطة التي تخوّله الإشراف على الحكومة من خلال عدد من الأدوات والآليات، غالباً ما يتم تحديدها من خلال الدستور ونصوص تنظيمية كالأنظمة الداخلية للبرلمان. وتقوم الطريقة التي يمكن للبرلمان من خلالها استخدام صلاحياته الرقابية على وجود إطار قانوني، يعزز موقفه كمؤسسة رقابية، ويضمن له سلطته واستقلاليته في إطار النظام السياسي ذلك، حيث تمتلك البرلمانات في معظم النظم السياسية على مستوى العالم مجموعة من الأدوات الرقابية التي تمنحها لها الدساتير، والتي تمكّنها من إتمام عملية المراقبة. وتتضمن أكثر هذه الأدوات شيوعاً:- الأسئلة الموجهة إلى الوزراء (مكتوبة أو شفهية)، الاستجواب، والتصويت على حجب الثقة، فيما تتضمن الآليات الأخرى، منهجيات مرتبطة بمراقبة الموازنة والمحاكمة وإمكانية البرلمان إنشاء لجان مخصصة، ولجان التحقيقات، أو مكتب أمين المظالم. وفيما يلى تلخيص للعديد من هذه الأدوات مثل، السؤال، الاستجواب، طلب الإحاطة، التحقيق البرلماني، بخلاف المسئولية السياسية.

أم أن الأمور سوف تسير في نفس ركاب الدورات السابقة، بلا رقابة حقيقة أو تفعيل لهذه الأدوات الدستورية، وهو ما أطلق عليه أحد النواب السابقين ” تعاون مثمر ما بين مجلس النواب والحكومة.