الإخوان المسلمين هم رواد منطق الاستحواذ والهيمنة والمغالبة… من شاهد عن قُرب ما حدث خلال عام من تولي الإخوان المسلمين السلطة، سيدرك من الوهلة الأولى، أن منطق السرعة في كسب مصادر السلطة والجاه، والرغبة في إقصاء الآخر هو ديدن الإخوان، وقد سعى هؤلاء إلى الوصول إلى سُدة الحكم من خلال الهيمنة على مجلس النواب 11/ 2012، عبر انتخابات جرت وحاز هؤلاء فيها على نحو 47% من مقاعد البرلمان، بعد انتخابات استُخدم فيها المال السياسي الفاسد من خلال رشوة الناخبين بالمواد التموينية استغلالا لعوزهم.

مستقبل وطن على درب الإخوان المسلمين

قيام حزب مستقبل وطن باتباع نفس السياسات، يدرك وبشكل أكثر وضوحا، أن شيئا مما سبق لم يتغير بعد مرور عقد ونيف من الوقت. فالفساد المالي في الدعاية الانتخابية، لم يكن لرشوة الناخبين فقط في تلك الأحزاب، بل لشراء مقاعد القائمة المطلقة، ما جعل الرشوة الانتخابية تتحول من الفساد الصغير إلى الفساد الكبير. من ناحية أخرى، تحول ترشيح أصحاب الجماعة أو أصحاب العشيرة في عهد الإخوان منذ سنوات، إلى المورثين من الأقارب سواء الأبناء أو الأشقاء من ممثلي القائمة المطلقة التي قاد تشكيلها اليوم مستقبل وطن، والأحزاب الثلاثة التي أنشأتها الأجهزة الأمنية الثلاث في الدولة: مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية. الناظر إلى الأسماء الأساسية والاحتياطية بالقائمة الفريدة غير الدستورية (لكون الدستور حض على الانتخاب، وإذ بالهيئة الوطنية تحول 50% من المقاعد للاستفتاء)، يلاحظ أن هناك عشرات الأسماء لتوريث أبناء الوزراء السابقين محمود شعراوي والسيد القصير وعاصم الجزار ومصطفى بكري وغيرهم وغيرهم عشرات وعشرات موجودون رأي العين في القوائم التي أعلنتها الهيئة الوطنية للانتخاب، وقبلتها دون أي مؤاخذة!!

هيمنة على لجان البرلمان

حصل مستقبل وطن في انتخابات مجلس النواب على 227 مقعدا منها 106 للفردي، و121 للقوائم التي لا يكتسب من يفوز بها أي مكانة أو شرف أو قيادة حقيقية، كونها تمثيل زائف ومخادع وسرقة مُحكمة بالقانون لأصوات الناخبين. المستقلون هم أصحاب القوى الثانية في هذ المجلس، وفازوا بـ104 مقاعد منها 96 حصلوا عليها من الأصوات الشعبية الحقيقية غير الزائفة (بغض النظر عن تجاوزات بعضهم). حزب حماة الوطن الذي فضحت حنان شرشر بيع الحزب لكوتة القوائم المخصصة له لرجال الأعمال مُثل بـ87 مقعدا منها 33 للفردي. الجبهة الوطنية الذي طالته شبهات بيع المقاعد، هو الآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يرد بكلمة واحدة للدفاع عن نفسه مثل بـ22 للفردي و43 للقوائم. الشعب الجمهوري مثل بـ9 مقاعد للفردي و16 للقائمة.

السؤال الآن ماذا نالت هذه الأحزاب من حصة رؤساء اللجان النوعية؟

ضمن اللجان الـ25 الذي يضمهم مجلس النواب، حصل مستقبل وطن على 12 منصبا لرئيس لجنة، وحماة الوطن على 6 مناصب للرئيس، والجبهة أربعة رؤساء لجان، أما الشعب الجمهوري، فحصل على رئاسة لجنة واحد. الوزراء الثمانية السابقين الأعضاء في هذا البرلمان، والذي لم يجرؤ واحد فيهم، كما لم يجرؤ أحمد عبد الجواد الرجل الأقوى في مستقبل وطن على خوض الانتخابات بالفردي، (هؤلاء الوزراء) وهم من مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية، تولوا جميعا رئاسة لجان. مهم الإشارة أيضا إلى أنه لا يوجد رئيس لجنة واحد من المنتمين للانتخاب بالأسلوب الفردي. هناك كذلك ثلاثة رؤساء لجان من الأعضاء المعينين. باستثناء هؤلاء المعينين، كان كل رؤساء اللجان قد أتوا من القائمة المطلقة المعيبة دستوريا وأخلاقيا، وهي قائمة التعيين المقنع أو التزكية. كثيرون تحدثوا عن كيف يصبح الوزير السابق رئيس لجنة من ناحية الموائمة؟ بعبارة أخرى، هل سيكون أداء هؤلاء الوزراء غير مشكوك في كيفه وجودته، كونهم منتمون سابقا لحكومة مطلوب منهم أن يكونوا رقباء عليها؟   

المستقلون الحائزون على 17,5% من عدد مقاعد المجلس لم يحصلوا على رئاسة لجنة واحدة. نصيب الأحزاب الأخرى غير الموالاة في رئاسة اللجان، ونسبتهم 29% من رئاسة اللجان، خرجوا صفر اليدين.

بدل طأطأة الرأس يبقى الكبر والتعالي

هكذا كان منطق الاستحواذ والإقصاء. الناظر إلى الأسلوب الذي أُديرت به الانتخابات، والمعتمد على المال الانتخابي الفاسد للناخبين، ولبعض القائمين بالترشيح من الأحزاب، والناظر أيضا إلى كم الدعاية الانتخابية للأحزاب التي أجبرها المستشار أحمد بنداري المتحدث باسم الهيئة الوطنية للانتخابات، لرفع دعايتها الخارجة عن حدود القانون، عقب التدخل الرئاسي لتحقيق النزاهة، (الناظر إلى كل ذلك ويزيد)، كان يعتقد أن مستقبل وطن وحماة وطن والجبهة الوطنية ستكون مطأطأة الرأس في وجود نوابها في البرلمان، انكسار واجب بدلا من المظهر السلبي الذي غلب كل ما كانت الإخوان المسلمين تقوم به، وظهر فيما بعد أنه أمر لا ينتمي لتيار أو فكر، بل ينتمي إلى ذهن نفر من المصريين مردوا طوال عقود مضت على كراهية هذا البلد، والإساءة إليه.

لقد ظن الكثيرون أن البرلمان سيسعى إلى إلهاء الناس، وجعلهم ينسون الكبوات المتتالية التي وقعت فيها أحزاب الموالاة وبعض أحزاب المعارضة كالوفد والإصلاح والتنمية خلال انتخابات مجلس النواب، من خلال أداء متميز ومختلف يتباين بالكلية عن الأداء الباهت والفارغ المضمون للبرلمان السابق، لكن شيئا من هذا لم يحدث.

برلمان يحكم من داخله

لعل المشهد الذي رأيناه عقب حلف اليمين من استمرار استبعاد الغير، هو دليل على أن المجال العام سيبقى بعض الوقت في الثلاجة. لن تحيا الأحزاب السياسية المصرية أبدا، ما دامت لم تخرج من مرحلة الفطام عن الأجهزة الأمنية التي أسستها. واحد من أهم مؤشرات نجاح البرلمان، أن يُحكم من داخله، بعد سنوات طويلة من حكمه من خارجه. مبادرات التشريع تبقى العامل الحاسم في إدارة الشأن البرلماني، أدوات الرقابة البرلمانية القوية كلجان تقصى الحقائق والاستجوابات ستظل مؤشرا على مدى نجاح الدور المحاسبي للبرلمان. قياس الأثر التشريعي، هو الأهم في إدراك مدى تعبير البرلمان عن مصالح الناس.       

إلى متى سيمنح الناس الفرصة تلو الأخرى للمؤسسات لتثبت نجاحها… طفح الكيل.