يعد التحشيد أو التعبئة عملية استنهاض للجماهير كي تؤيد طرفا، أو تعارض آخر، أو حتى تعبر عن نفسها، في الانتخابات أو الأحداث السياسية أو الحروب، وهي تختلف وفق نوعية النظام السياسي الحاكم، فإن كان نظاما شموليا أو مستبدا؛ فإن التعبئة تتسم بالإكراه والأحادية. أما في الأنظمة الديمقراطية فإنها تعتمد على الطوعية والتعددية.
وبالقطع، فإن التحشيد يزداد قوة دفع إن كان مسنودا إلى إطار من عقيدة دينية أو أيديولوجية سياسية، فهذا الإطار يعني أن الرسالة الإعلامية، التي قد تكون دعاية محضة أو فجة، تجد المجال العام مهيأ لقبولها، وتبنيها وترديدها، بل العمل على ذيوعها ومضاء تأثيرها، رغم أنها قد تفتقد إلى مسار برهنة، أو حجية وقدرة على الإقناع.
ولا تختلف دراسات الرأي العام، على أن أوقات الحروب هي الأكثر تهيؤا لتعبئة الناس وحشدهم، فوقتها تكون الأعصاب ملتهبة، والنفوس مضطربة، والأذهان مشدودة إلى كل ما يأتي من الميدان، بحثا عن نصر أو تجنبا لهزيمة، أو حتى الاكتفاء بصمود، وربما رضاء من الغنيمة بالإياب. ومثل هذه الحالة يصنفها علماء النفس، على أنها “استهواء”، يشتد مع احتدام المعارك، فتتفتح الأذهان أمام أي شيء، حتى لو كان مجرد دعاية عابرة، قد تنطلق من حقيقة ضئيلة، لتضاف إليها، وتبني عليها، الكثير من الأكاذيب والتخرصات.
ويزيد كل هذا، أو يتفاقم، إن كنا أمام حرب عقائدية، حقيقية أو متصورة، يتم إدراكها لدى الناس على هذا النحو، فوقتها يُستدعي كل ما للعقيدة من منزلة في النفوس، وما دار معها ولها وحولها من حمولات فكرية ووجدانية وذوقية، ليتم إلقاؤه في مجرى التعبئة العامة، التي قد لا تعدو أحيانا، أن تكون مجرد حال من التهييج المفارق لكل معقول أو مقبول الذي ينشأ حين تتوفر لكل شخص على حدة شروط التمعن، فيما يجري حوله، ويتبين الصدق فيه من الكذب.
ولعل الحرب التي دارت رحاها على أرض أفغانستان، لزمانها ورمزيتها والأطراف المنخرطة فيها، والأهداف التي ارتبطت بها والنتائج المترتبة عليها، هي من أكثر الحروب التي تنطبق عليها هذه الحالة، فهي متدرجة من قمة النظام الدولي وقتها، حيث الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي الذي كان، ونازلة حتى قاع المجتمعات الفقيرة في دول عربية إسلامية نامية، وتم تصويرها، على أنها حرب بين “الإيمان” ممثلا في الفرق والأحزاب الأفغانية والشباب المنتمين لمختلف الجماعات والتنظيمات التي تتخذ من الإسلام أيديولوجية لها في مختلف البلدان، وبعض الشباب المسلم اللا منتمي إليها، وبين “الكفر” حسب تصور المتطرفين، ممثلا في اليسار الأفغاني وحليفته موسكو. وقد تجدد هذا، متكئا على موقف يناقض ذلك تماما، حين هجمت الولايات المتحدة نفسها على أفغانستان بعد حادث 11 سبتمبر 2001.
وقد لعب الإعلام دورا كبيرا في هذه الحرب، فالولايات المتحدة التي كانت تحرك كل شيء من خلف الستار، لم يكن يصعب عليها إيجاد حلفاء إقليميين في هذه المعركة، يوظفون ما لديهم من قدرات إعلامية في التعبئة والحشد، سواء كان إعلاما مقروءا أو مرئيا أو مسموعا. ويعرف من عاش في هذه المرحلة، كيف كانت التغطية الإعلامية التي تصور الحرب بوصفها عقائدية طاغية على أي تصور يناقض أو حتى ينقد هذا المسار، محاولا أن يبين الخلفيات والأهداف الحقيقية لهذه الحرب، فأصحاب هذا التصور، إما أن صوتهم كان خافتا، لضعف وتهميش المنابر التي تعبر عنهم وتنطق بتوجههم، أو لما كان يلاقيه أصحاب هذا الاتجاه من مطاردة.
في هذه الأثناء كان العالم العربي مستهدفها بقوة من قبل تلك الحملة الإعلامية، فهو كان مخزنا لشباب، يتم تجنيدهم والدفع بهم إلى ساحة المعركة، وكان مصدر تمويل مالي سخي، وتسويغ أيديولوجي عميق. وهنا برز بعض الإعلاميين ليلعبوا دورا واسعا في تسويق الحرب وتسويغها للمواطنين العرب، وتصويرها على أنها حرب دينية بحتة، وأن كل من يصطف مع من أُطلق عليهم “المجاهدون” وقتها هو الفائز، وأن كل من يقف ضد أو حتى يتشكك في هذا، سيكون من الخاسرين، لأنه نصير من يوصفون بالملحدين أو الكافرين، حسب الوصف الذي كان يسوق أيامها بقوة وقسوة.
هؤلاء كانوا كثيرين، توزعوا تقريبا على كل البلاد، منقسمين إلى فريقين، الأول، لا يرتبط بما يسمى “الإسلام السياسي”، إنما يؤدي دوره الاعتيادي في الانتصار للمسلك الذي انتهجه كل نظام حكم حليف للولايات المتحدة في أي بلد عربي أو مسلم، وليس أمامه سوى الدفاع عن توجهها. والثاني ينتمي تماما إلى جماعة أو تنظيم يوظف الإسلام في تحصيل السلطة السياسية، وهؤلاء كانوا أكثر حرصا، وأنشط عملا، في سبيل حشد الناس، وراء ما سمى وقتها بـ “الجهاد الأفغاني”.
ولم تقتصر التعبئة خلال هذه الحرب على الإعلام الرسمي المتعارف عليه ممثلا في الإذاعات ومحطات التلفزة والصحف، بل دخلت أشكال أخرى مثل “الكاسيت” الذي كان على أشده أيامها، لا سيما بعد الدور الكبير الذي لعبه في الثورة الإيرانية 1979، كما تم استخدام منابر المساجد بإفراط شديد، وكذلك المطبوعات الصادرة عن الهيئات والمؤسسات الدينية والاجتماعية، وأيضا دور النشر التي أصدرت كتبا، كانت توزع أحيانا مجانا، تتحدث عن البطولات المذهلة التي يحققها “المجاهدون” في الحرب ضد السوفيت على الأرض الأفغانية.
ولا يمكننا هنا أن نهرع وراء هذه الكثرة التي يصعب إحصاؤها لغزارة المطبوعات التي غطت أحداث الحرب من منظور “الإسلام السياسي”، فإننا في هذا المقام سنتخذ حالتين من بينها، ربما هي الأعلى صوتا، أو التي استمر أداؤها إلى الآن، رغم مرور ثلاثين عاما تقريبا على انتهاء الحرب الأفغانية ضد السوفيت، أو تلك التي كان صوتها أعلى في التعبئة والتحشيد، متخلية عن المهنية الإعلامية في سبيل الانتصار للتوجه السياسي، الذي تعتنقه وتعتقد في وثوقيته وإطلاقيته، بأي شكل، أو أية صيغة، دون تردد، أو خجل أو تهيب.
وسأحدد هنا اثنين من الصحفيين، كانا صوتهما بارزا وقتها، لأبين من خلال ما قالاه وصوراه وقدماه، كيف يستغل منتمون إلى جماعات وتنظيمات “الإسلام السياسي” المواقف والأحداث المهمة والفارقة في تاريخ الأمتين العربية والإسلامية في سبيل تعزيز وجودها عبر إشغال “المجال العام” بخطابها، واتخاذه سبيلا لتجنيد الأنصار والأتباع. وهذان الصحفيان هما: أحمد منصور، وياسر أبو هلالة، اللذان أثبتا هنا انتماءهما لـ “الإسلام السياسي”، ثم ابتعد عما يخص شخصية كل منهما إلا على سبيل التعريف، لأنصرف إلى تحليل الخطاب أو الرسالة الإعلامية التي أطلقها كل منهما على حدة، ثم الصورة العامة التي حوتها.
وتعتمد هذه الدراسة على “التحليل الكيفي”، نظرا لأنه الأدق في تحديد “المسار” الذي يريد الباحث أن يسلكه، ثم المساعدة في الوصول إلى “المصير” الضيق والخاص هنا، والذي يظهر مآلات وغايات ما تبناه هؤلاء. ويتطلب هذا بالقطع، عرض خطابهم وتحليله، ليس كله بالقطع، إنما نماذج ممثلة منه، ثم دراسة مدى تأثير هذا الخطاب على الجمهور وقتها، وأخيرا ما تبقى من آثاره، وصولا إلى النظر في صور تكراره في مناسبات أخرى، وكيفية تجنب سلبياته، وفهم ما يتجدد منه في الواقع الحالي.
إن هذا البحث ليس دراسة تاريخية بحتة، أو تعقبا يرمي إلى القدح في شخصيات بعينها، بقدر ما هو كشف عن حالة ولدت في زمن، ما ثم تناسلت عبر الوقت، لتكرار الظروف الشبيهة، أو استمرار أغراض من أنتجوا وروجوا خطاب التعبئة خلال الحروب أو المشكلات الحادة والعميقة، التي تمثل في حد ذاتها فرصة قوية للتعبئة والحشد.






