يُظهر تشكيل اللجان الفرعية لمجلس النواب الخمسة وعشرين، سيطرة كبيرة لرجال الأعمال المرتبطين بقطاع العقارات ومواد البناء، وتشكيلهم الغالبية العظمى من مقاعد اللجان وثيقة الصلة بعصب الاقتصاد.

جاءت اللجنة الاقتصادية برئاسة المهندس طارق شكري، رئيس مجلس إدارة مجموعة عربية القابضة للاستثمار العقاري والسياحي ورئيس مجلس إدارة غرفة صناعة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، كما ضمت سعيد منور موسى، صاحب شركة للمقاولات في البحيرة كأمين سر.

كما رأس لجنة الصناعة المهندس أحمد بهاء الدين، العضو المنتدب لشركة “إم بي” للهندسة والمقاولات، وضمت في منصب الوكيل محمد سيد جنيدي رئيس مجلس إدارة شركة جنيدي جروب للمقاولات والتجارة منذ عام ٢٠١٤، وسمير السيد، رئيس المؤسسة العالمية للاستيراد والتصدير بالمنصورة.

شهدت لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير حضوراً واسعا للمطورين برئاسة د. أحمد شلبي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة تطوير مصر، وم. أمين محمد علي مسعود رئيس مجلس إدارة معمار الأشراف “وكيلا”، وم. محمود طاهر الرئيس التنفيذي لمجموعة النيل والأهرام العقارية كأمين سر.

لم تخلُ لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من العاملين بقطاع التشييد أيضا، إذ جاءت برئاسة محمد جمال الجارحي، نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لمجموعة حديد الجارحي ورئيس شركة “صن بيتش”، وتولى منصب الوكيل محمد أمين الدخميسي نائب رئيس مجلس إدارة شركة أرابيلا للتطوير العقاري، وعضو مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لشركة ذا أرك، والحال ذاته مع لجنة الشباب والرياضة، التي جاءت برئاسة محمد السيد مجاهد رئيس مجلس إدارة الشركة المتحدة للإنشاءات.

 الحضور الكبير للمطورين العقاريين والعاملين بصناعة التشييد والبناء ظهر بشكل أكبر في تكوينات اللجان، إذ أن لجنة الإسكان والتعمير ضمت لوحدها 77 عضوا، أي أنها تمثل لوحدها حوالي 15% من إجمالي أعداد مجلس النواب مقابل 8 أعضاء فقط بلجنة الشؤون الدينية ومثلهم بلجنة الشئون الإفريقية، و12 عضوا بلجنة حقوق الإنسان.

حضور باهت للنساء بإدارة اللجان

من بين إدارة 25 لجنة بإجمالي 100 عضو، كان تمثيل المرأة من المقاعد، 14%، وقلت تلك النسبة في رئاسة اللجان إلى 12% فقط، إذ حصلت هايدي المغازي على منصب الوكيل في لجنة العلاقات الخارجية، وكذلك راوية مختار كوكيل للجنة القوى العاملة، ورشا حسني كأمين سر اللجنة ذاتها.

وفي لجنة التعليم والبحث العلمي، فازت ماجدة السيد بمنصب الوكيل، بينما فازت إنجي مراد بأمانة سر لجنة الشؤون الدينية، ومروة عبد المجيد، بأمانة سر لجنة التضامن. كما فازت الإعلامية إنجي أنور بوكيل لجنة الإعلام، وضحى عاصى بأمانة سر اللجنة ذاتها، ومها رزق بوكيل لجنة الاتصالات، وشذا أحمد حبيب بأمانة سر لجنة الشباب.

لا يتناسب ذاك الحضور في اللجان مع حضور المرأة في المجلس الذي يتضمن 160 امرأة من أصل 496 مقعدًا، بنسبة 27%، جاء منهن 142 عبر القوائم، و4 كأفراد، و14 مُعيَنات.

اللافت أن رغبات العضوات في البرلمان تركزت في البحث عن القطاعات الخدمية التي يمكنهن من خلالها فرض أسمائهن، ففضلت كثيرات منهن لجنة الشؤون الصحية التي تضم 22 عضوة بنسبة 48% من إجمالي عدد أعضاء اللجنة، وتكرر الأمر في لجنة التضامن التي تسيطر النساء على 78.5% منها بوجود 11 نائبة من أصل 14، وكذلك الحال بالنسبة للجنة الإعلام والثقافة الي تضم 10 نائبات تمثلن 83.3%.

التعيينات تعوض فجوة الكفاءات

اللافت أن المعينين الذين يمثلون 28 نائبا بنسبة 5% من إجمالى النواب، كان تمثليهم ظاهرا بقوة في تشكيل أمانات اللجان، إذ اقتنصوا 20% من رئاسة اللجان مقابل 80% للأعضاء المنتخبين الذين يبلغ عددهم 568 يمثلون 95% من إجمالي عدد النواب الكلي.

من بين المعينين، تولى سامح شكري، وزير الخارجية الأسبق رئاسة لجنة الشؤون الخارجية، ود. أشرف الشيحي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق رئاسة لجنة التعليم والبحث العلمي، وعمرو الورداني أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية ورئيس لجنة الرقابة الشرعية بالبورصة المصرية رئاسة لجنة الشؤون الدينية والأوقاف.

كما تم اختيار د. ثريا أحمد البدوي، عميد كلية الإعلام رئيسًا لجنة الإعلام والثقافة والآثار، ود. شريف باشا سيف بشاي، وهو من رواد التقنيات المتقدمة بمجال الحقن المجهري وتقنيات التخصيب، رئيسا للجنة الشؤون الصحية.

اقتنص الوزراء السابقون 16% من رئاسة اللجان الفرعية، فمع وجود سامح شكري أشرف الشيحي، تولى د. طارق الملا وزير البترول السابق رئاسة لجنة الطاقة، والسيد القصير وزير الزراعة السابق رئاسة لجنة الزراعة والري.  

اللافت أيضا، أن رئيس مجلس النواب ذاته كان من المعينين، وليس من المنتخبين، وهو المستشار هشام بدوي الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، ومساعد وزير العدل لمكافحة الفساد سابقًا.

نحو الموالاة

يميل البرلمان الجديد نحو الموالاة مع الحكومة، ما يجعله يتجه نحو التشريع أكثر من الرقابة، إذ يضم 104 مستقلين، يمثلون 18% من المنتخبين مقابل 464 أعضاء من الأحزاب بنسبة 82% من المنتخبين.

تسيطر 4 أحزاب فقط على 86% من إجمالي الأحزاب المنتخَبة في مقدمتها، حزب مستقبل وطن بنسبة 40%، تلاه حماة الوطن بنسبة 15.5%، ثم حزب الجبهة الوطنية بنسبة 11.5%، وكانت حصة حزب الشعب الجمهوري 4.5%.

د. جيهان رجب، وكيل كلية التجارة جامعة عين شمس سابقا، تقول إن البرلمان شهد مجاملات سياسية لبعض الوزراء السابقين، ومنح مواقع متقدمة لشخصيات بعينها، ما يفتح بابا مشروعا للتساؤل حول فلسفة التغيير ذاتها.

تساءلت: هل نحن أمام تجديد حقيقي في الفكر والأداء، أم مجرد إعادة توزيع للأدوار وتبديل للمقاعد، مع بقاء المنهج كما هو؟ وهل الرسالة التي تصل إلى الشارع هي رسالة إصلاح مؤسسي أم رسالة طمأنة للنخب السياسية القديمة؟

تضيف أن البرلمان، بوصفه السلطة التشريعية والرقابية، لا يُقاس فقط بالأسماء ولا بالأعمار، بل بالقدرة على التشريع الجاد، والرقابة الفعالة، والتفاعل الحقيقي مع هموم المواطن.

تشير الأستاذة الجامعية، إلى أن عودة وزراء سابقين أو الدفع بشخصيات كانت جزءا من منظومات تنفيذية سابقة، تفرض سؤالا منطقيا: ما الإضافة الجديدة؟ وما المختلف الذي سيقدم تحت قبة البرلمان مقارنة بما كان قبلها؟

وشددت على أن التجربة البرلمانية لا تختزل في الحضور أو التصويت، بل في المبادرة، والمساءلة، وطرح البدائل، والانحياز للمصلحة العامة دون حسابات ضيقة.

غياب تمثيل الأكاديميين

لا يظهر من الأكاديمين المعروفين سوى د. محمد السيد سليمان هو الأمين العام لجامعة بدر بالقاهرة، المتخصص في التمويل والإدارة، والذي رأس لجنة الخطة والموازنة، وهو ما حاولت التعيينات مواجهته بضم د. ثريا أحمد البدوي عضو الهيئة العامة للاستعلامات وعميدة كلية الإعلام جامعة القاهرة، ود. عادلة رجب أستاذ بقسم الاقتصاد ومديرة مركز البحوث والدراسات الاقتصادية والمالية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ود. راندا مصطفى العضوة السابقة بمجلس الشيوخ والنائبة السابقة لرئيس جامعة بنها، ود. هناء العبيسي عميدة كلية طب الأزهر بنات، ود. نشوى عقل أستاذة الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة.

د. أميرة هاشم، عضو اللجنة الفنية بأمانة التنظيم لحزب مستقبل وطن، أشارت إلى أن ضعف تمثيل أعضاء هيئة التدريس يثير تساؤلات حول معايير الاختيار وطبيعة الأدوار المنوطة بالمؤسسة التشريعية وأسباب العزوف عن الترشح.

قالت إن غيابهم لا يعد مسألة تمثيل فئوي، بقدر ما هو غياب لأحد أهم مصادر العمق الفكري والعلمي في صناعة القوانين، ومظهرا من مظاهر الخلل في الفكر الشعبي، حيث تقدم اعتبارات الشكل والحضور العام على حساب الكفاءة التخصصية. كما يؤدي ذلك إلى إفراغ الدور التشريعي من بعض أبعاده الجوهرية، ومحاولة تعويض هذا النقص بخطاب عام، لا يغني عن التحليل العلمي، ولا يحل محل الصياغة القانونية التي تراعي الظروف المعيشية والوضع الاقتصادي للدولة والمتغيرات الأخرى الخارجية والتغيرات الجيو سياسية.

ما المطلوب لتشريع متوازن؟

تضيف أن دعم الحضور الأكاديمي داخل مجلس النواب ليس ترفا مؤسسيا، بل ضرورة لتكريس تشريع قائم على الفهم والتحليل، وتحقيق تمثيل يعكس الكفاءة، بقدر ما يعكس التعدد، وتطالب بتفعيل الدور الاستشاري المؤسسي للأكاديميين، فإلى حين تحقيق تمثيل مباشر، يمكن إنشاء مجالس استشارية دائمة من أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في القانون والاقتصاد والعلوم السياسية والاجتماعية، تكون مرتبطة باللجان النوعية في المجلس، ويعتد برأيها في مراحل إعداد وصياغة القوانين.

كما يمكن إلزام مشروعات القوانين، بأن ترفق بـدراسات عن تأيثر التشريع، تعد أو تراجع من جهات أكاديمية مستقلة، بما يضمن أن تقوم القوانين على أسس علمية لا على تقديرات انطباعية، بما يضمن تشجيع الأكاديميين على الانخراط في العمل العام.