في تلك الفترة التي اشتدت فيها حرب الاستنزاف، اقترحت أمريكا إيفاد جوزيف سيسكو مساعد وزير الخارجية الأمريكية، لإجراء مباحثات في القاهرة، وقد استقبله محمود رياض وزير الخارجية يوم 10 إبريل 1970، وكرر طلب الولايات المتحدة باستئناف العلاقات الدبلوماسية مع مصر. وطلب منه أن يهيئ له لقاء مع الرئيس عبد الناصر، الذي وافق على استقباله. وسأل سيسكو عبد الناصر: “لماذا لا تباشرون معنا حوارًا دبلوماسيًا وسياسيًا؟ ولماذا تسمحون للاتحاد السوفيتي بالحوار معنا باسمكم؟” وهنا فوجئ سيسكو برد صريح من عبد الناصر، الذي قال له: “لأننا لا نثق فيكم لانحيازكم لإسرائيل، ثم إنكم في كل مشروع تتقدمون به، تطلبون منا تنازلات جديدة”. وهنا حاول سيسكو، أن يقنع عبد الناصر، بأن هناك الآن تغييرًا جذريًا في سياسة الولايات المتحدة، “وأنه من المهم أن تثق مصر في حسن نوايا السياسة الأمريكية الجديدة”. ورد عليه عبد الناصر قائلًا: “إن حسن نواياكم الذي تبشر به، يحب أن يكون واضحًا ومعلنًا، وقائمًا على تصرفات محددة وليس على مجرد وعود غامضة”. ولم يتقدم سيسكو برأي محدد، ومن ثم لم تكن لمباحثاته أي جدوى، وعندما سافر بعدها إلى الأردن، فإنه لم يستطع دخول عمان، بسبب المظاهرات الضخمة المعادية للولايات المتحدة”.     

رسالة الحسم إلى أمريكا وقبول مبادرة روجرز :

 في أول مايو 1970، قرر عبد الناصر إتاحة الفرصة أمام الولايات المتحدة، لتتخذ موقفًا متوازنًا، فتوجه في خطاب علني في عيد العمال بنداء إلى نيكسون، جاء فيه: إن الولايات المتحدة توشك أن تقوم بخطوة بالغة الخطورة على الأمة العربية، في إشارة إلى دفعات جديدة من الطائرات، تدرس تزويد إسرائيل بها، سيفرض على الأمة العربية موقفًا لا رجعة فيه.

وأضاف: إذا كانت أمريكا تريد السلام، فلتأمر إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. وأما الحل الثاني إذا لم يكن ذلك في طاقة الولايات المتحدة، فنحن على استعداد لتصديقها إذا قالت ذلك، مهما كانت آراؤنا فيه، ولكننا في هذه الحالة نطلب طلبًا واحدًا، هو بالتأكيد في طاقة أمريكا. ذلك الطلب هو أن تكف عن دعم جديد لإسرائيل، طالما هي تحتل أراضينا العربية، أي دعم سياسي أو اقتصادي أو عسكري”. وأضاف: “إنني أقول للرئيس نيكسون، إن هناك لحظة فاصلة قادمة في العلاقات العربية الأمريكية؛ إما أن تكرس القطيعة إلى الأبد، وإما أن تكون بداية أخرى جادة ومحددة. وإن التطورات القادمة لن تمس العلاقات العربية الأمريكية وحدها، وإنما سوف تكون لها تأثيرات خطيرة أوسع من ذلك وأبعد”.

وكانت إسرائيل من جانبها تمارس حملة سياسية نشطة داخل الولايات المتحدة، من أجل الضغط على الحكومة الأمريكية، للارتباط معها على 125 طائرة جديدة، وقد وقع 85 عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي في 4 يونيو 1970، على خطاب قدموه إلى وليم روجرز؛ مطالبين حكومتهم بتزويد إسرائيل بالمزيد من الطائرات الحربية الحديثة.

وفي 7 يونيو صرح وزير الخارجية الأمريكية، بأن الولايات المتحدة ستعلن قريبًا قرارها بشأن بيع الطائرات الحربية لإسرائيل. وامتنعت الولايات المتحدة في هذه المرحلة عن البت في صفقة الطائرات الجديد لإسرائيل. وإن كانت استمرت في تسليم الطائرات التي سبق التعاقد عليها منذ عام 1968. 

وقرر نيكسون أخيرًا، أن يتحرك، استجابة لنداء الرئيس جمال عبد الناصر. وجاء تحركه في شكل رسالة كتبها وزير خارجيته وليم روجرز في 19 يونيو 1970، عرفت بمبادرة روجرز، قام بإبلاغها دونالد برجس في اليوم التالي إلى محمود رياض وزير الخارجية في القاهرة. وهي تتضمن إجراءات، يشرف عليها جونار يارنج لتطبيق قرار مجلس الأمن 242، تشترط وقف إطلاق النار مدة 90 يوما.

سافر عبد الناصر إلى موسكو يوم 29 يونيو 1970، في زيارة عقد فيها صفقة كبيرة من السلاح السوفيتي، وعدد فيها للقادة السوفييت دواعي قبوله لمبادرة روجرز فيما يلي: إن نتائج زيارته الأخيرة للاتحاد السوفيتي في شهر يناير، قد أحدثت تغييرًا في الموازين الاستراتيجية بين مصر وإسرائيل. وأن مصر لا تريد أن تتسبب في مواجهة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، لأن الاتحاد السوفيتي أعطاها سلاحًا ووضع رجاله في الدفاع عن العمق المصري، أن تصل المسائل إلى درجة من التوتر، تفلت من زمام السيطرة. وأن مصر بقبول المبادرة، وما تنص عليه من وقف إطلاق النار محدود بثلاثة أشهر، تريد أن تعطي قواتها فرصة للحشد والتركيز والتقاط الأنفاس، لأنها حين تنتهي هذه الأشهر الثلاثة، لا بد أن تكون في وضع يسمح لها بنوع آخر من العمليات، شيء آخر غير أكبر من عمليات المدافع، ليقدر على حماية القوات المسلحة، في أية عمليات على الضفة الشرقية لقناة السويس.

وأبلغ عبد الناصر هيكل القائم بأعمال وزير الخارجية- وكان يتولى ترتيبات موقف إطلاق مع روجرز- أن يكسب ست ساعات إضافية بعد الموعد المتفق عليه، في الساعة العاشرة مساءً بتوقيت جرينتش يوم 8 أغسطس 1970، لكي يتمكن الفريق أول فوزي، من إدخال مجموعة بطاريات صواريخ إلى الجبهة، قبل أن يسري وقف إطلاق النار. وعندما تحقق ذلك جرى إبلاغ عبد الناصر، قال: “إذن لقد انتصرنا في معركة التحرير”.

يقول هنري كيسنجر عن مبادرة روجرز في مذكراته: “في الثاني والعشرين من يوليو عام 1970، وفي الوقت الذي كانت فيه المجابهة محتومة، قَبِل ناصر وبصورة مفاجئة اقتراحنا حول وقف النار والمفاوضات”. ويضيف “كادت الحكومة الأمريكية أن تطير فرحًا لقبوله مبادرة روجرز، وكان روجرز ينسب لنفسه مبدأ افتتاح مفاوضات، الأمر الذي كان يعارضه سيسكو على انفراد، مؤكًدا على إنه صاحب الفكرة. وكان نيكسون على ثقة أن هذا التغيير المفاجئ، كان نتيجة تصريحه الشهير الذي أصدره في أول يوليو. أما بالنسبة لي فلم أتردد في أنسب قسمًا من هذا النجاح، إلى تلك اللهجة النشيطة في مؤتمراتي الصحفية يومي 20 و26 يونيو، وإلى المباحثات التي أجريتها مع السفير السوفيتي دوبرنين، ومهما يكن من أمر، فقد ظهر أن فرحنا سابق لأوانه”.

ويفسر شارون سبب قبول عبد الناصر لمبادرة روجرز ووقف إطلاق النار، حيث يقول: “أدهشت الجميع، موافقة عبد الناصر على وقف إطلاق النار. ولم تمض ساعات قليلة حتى كُشِفَ النقاب عن سرها، فخلال الأشهر الأخيرة كان الروس يدفعون إلى الأمام خطوة خطوة، منصات إطلاق الصواريخ سام 3 في اتجاه القناة، فيما كان وقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ. وبدا واضحًا أن المصريين والروس، قبلوا هذه الهدنة، ليس بهدف التوصل إلى حل (كما رغبت في ذلك وزارة الخارجية الأمريكية)، بل كحيلة تسمح لهم بدفع صواريخ سام 3 للأمام، دون أن تتعرض- مؤقتًا على الأقل- لهجمات الطيران الإسرائيلي.

وكان ذلك حدًا فاصلا، فما أن يعاد انتشار الصواريخ، حتى يغدو المجال الجوي فوق القناة محظورًا على طائراتنا. فيستطيع المصريون إعادة قصفنا بكل بطارية مدفعياتهم، دون أن نستطيع هذه المرة أن نرد عليهم. وإذا قرروا عبور القناة، لا نستطيع أن نستخدم طيراننا لإيقافهم، فإذا قبلنا هذا الوضع على مضض، نكون قد قبلنا حرب جديدة لا مفر منها”.

ويؤكد ذلك إيلي زعيرا: “ومن الواجب علي أن أوضح أن السلاح الجوي، قد أبلغ هيكل الدفاع بكل صراحة- حتى قبل نشوب حرب عيد الغفران- أنه لن يستطيع تحقيق هذه المهمة، على أقل تقدير خلال الـ48 ساعة الأولى من الحرب، لأنه منذ عام 1970 فصاعدًا حدث تغير هام وجوهري للغاية، حيث وضعت صواريخ أرض/ جو فعالة، من إنتاج الاتحاد السوفيتي في منطقة الجبهة، ومنعت السلاح الجوي من تقديم المساعدة للقوات البرية في معركة الفرملة. ولقد كان معنى بلاغ السلاح الجوي واضح، وهذا يعني أن واحد من أعمدة نظرية الأمن قد انهار”.

من جهة أخرى، يعبر ما يقوله هنري كيسنجر عن مدى ما بلغته سياسات جمال عبد الناصر من نجاح، خلال الصراع الولايات المتحدة، وتأثرها بدوره في قيادة النظام العربي، حيث يقول: “في حين أنني لا أشترك أبدًا في حفلات الاستقبال التي تجري في السفارات، فقد عزمت على المشاركة في حفلة، دعت إليها البعثة المصرية في واشنطن مساء 22 سبتمبر 1970، لأدلل جيدًا على أن سياستنا غير مناهضة للعرب”.

أي أنه برغم ترفعه عن حضور حفلات السفارات الأجنبية، حضر حفلة في مقر البعثة المصرية، بالرغم من أنها أقل من مستوى سفارة، لأن العلاقات المصرية الأمريكية كانت مقطوعة منذ 6 يونيو 1967، ورغم ذلك فقد حضر ليخاطب العرب من منصتها، أي من مقر البعثة المصرية، ويعبر عن عدم مناهضة أمريكا لهم. وقد كانت أمامه سفارات دول عربية أخرى، لم تكن قطعت علاقتها لأمريكا، يمكن أن يخاطب العرب منها.

ويقول كيسنجر عن مصر ثورة يوليو، في كتابه عن المشكلات الدولية خلال مطلع السبعينيات، تحت عنوان “سنوات الاضطراب (Years of Upheaval): “وهكذا أصبحت مصر مفتاح دبلوماسية الشرق الأوسط. وعززت الضرورة التكتيكية ما كسبته مصر، بحجمها، وتقاليدها، ونفوذها الثقافي، وتضحياتها في سلسلة من الحروب العربية الإسرائيلية. وكانت مصر الدولة العربية الأكثر اكتظاظا بالسكان، والمركز الثقافي للمنطقة. وكان معلموها هم العمود الفقري للنظام التعليمي في العالم العربي، كما استقطبت جامعاتها الطلاب من جميع أنحاء المنطقة. وهي تتمتع بأطول تاريخ في التنظيم السياسي بين الأمم، مع استثناء محتمل للصين. وقد تحملت وطأة الصراع العربي الإسرائيلي. وسواءٌ كانت ملكية أو جمهورية، فقد انخرطت في صراع، تجاوز المصالح الوطنية المصرية الضيقة، فقد ضحت بشبابها من أجل قضية الوحدة العربية أو تقرير المصير الفلسطيني. وفي هذه العملية فقدت شبه جزيرة سيناء، وخاطرت مراراً وتكراراً بالتماسك الوطني مصر، بأن لها الحق في صنع السلام.

لكن المفارقة الأولى، أن من تولى الإدارة السياسية للبلاد- وبدعم من الناصريين بقيادة شعراوي جمعة والأستاذ محمد حسنين هيكل–  في أكتوبر عقب وفاة جمال الناصر، لم يكن مقتنعًا بخوض الصراع، الذي هو قدر بلادنا الساعية لاستقلالها وتقدمها. بل كان يرى أن عبد الناصر قد أخطأ في عدم الاعتراف بالهزيمة والتصرف على هذا الأساس. وقد ذكر ذلك عبد القادر حاتم وزير الإعلام لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وثروت أباظة، والذي ذكر لهم ذلك بمناسبة البيان الذي أصدره الصحفيون عام 1972؛ احتجاجًا على حالة اللا سلم واللا حرب. وللأسف ظلت هذه عقيدته حتي بعد حرب أكتوبر، وأسس نظامًا جديدًا وضع به النهاية لنظام ثورة 23 يوليوه، وسياساته.

أما المفارقة الثانية، هي أن هنري كيسنجر– صاحب العبارة السابقة– وجد ضالته في الرئيس السادات، وظل طوال السنوات الثلاث أكتوبر 70 – أكتوبر 73  يحوم حوله. وقد مكنه السادات من ذلك بتدخله في قرارات القادة العسكريين ورفضه لكل آراء وزراء الخارجية (إسماعيل فهمي– محمد إبراهيم كامل– بطرس غالي). ويؤكد ذلك كيسنجر في كتابه السالف الذكر (صفحة 640):

السادات عاقد العزم على إنهاء إرث ناصر

وفي اجتماعي نوفمبر 1973 ويناير 1974 وضعا– السادات وكيسنجر- أساس التحول الاستراتيجي الذي شمل فك الاشتباك الأول الذي إعادة أغلب القوات التي عبرت وتلبية كافة المطالب الإسرائيلية مثل، تسليم الأسرى وفتح باب المندب. والأخطر هو الانفتاح الاقتصادي. وهو ما يذكرنا بما فرضته معاهدة لندن التي فُرضت على محمد علي، ودمرت الاقتصادي المصري. فالانفتاح السداح مداح الذي خطط له مع كيسنجر؛ تسبب في سقوط مصر في فخ الدين في ظرف سنتين. هذا وقد أعطى السادات لوزير الصناعة توجيهات بعدم استيراد قطع غيار للقطاع العام، فتتوقف الصيانة والإحلال والتجديد، فتساقطت خطوط القطاع العام الواحد تلو الآخر. هذا في الوقت الذي توسعت فيه الواردات بصورة غير طبيعية.

في ظرف عامين، وكان كيسنجر قد أنهى فض الاشتباك الثاني، وغادر السادات، ولم يعد، وكانت 85% من سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي. فذهب وزير الاقتصاد عبد المنعم القيسوني لصندوق النقد الدولي في آخر 1976، فقدم له الروشتة المعروفة برفع الدعم، فأصدر قرارًا برفع أسعار 45 سلعة، فانفجرت الجماهير في طول البلاد وعرضها في 18و 19 يناير 1977 مما أفقد السادات شرعيته التي اكتسبها في حرب أكتوبر. فذهب السادات لإسرائيل في نوفمبر من نفس العام، فاستقال إسماعيل فهمي، ولم يذهب معه، ومع ذلك لم يحصل على شيء، وذهب إلى كامب ديفيد وتوصل لاتفاقية في سبتمبر 1978 رفضها وزير خارجيته محمد إبراهيم كامل واستقال. وكان يجب الاجتماع بعد ثلاث أشهر لتوقيع معاهدة، لكن إسرائيل ماطلت، ويقول حافظ إسماعيل في مذكراته، إن ثورة إيران في يناير 1979 دفعت أمريكا للضغط على إسرائيل لتوقيع معاهدة كامب ديفيد في مارس 1979.      

اقرأ في هذة السلسلة:

على هامش التسريبات: نموذج السياسة الخارجية لثورة 1952 (1)

الحلقة الثانية على هامش التسريبات: نموذج السياسة الخارجية لثورة 1952

على هامش التسريبات: نموذج السياسة الخارجية لثورة 1952 الحلقة الثالثة

على هامش التسريبات: نموذج السياسة الخارجية لثورة 1952 الحلقة الرابعة أهم نتائج العدوان

الحلقة الخامسة على هامش التسريبات: السياسة الخارجية لثورة 1952

على هامش التسريبات: نموذج السياسة الخارجية لثورة 1952 الحلقة السادسة

على هامش التسريبات: نموذج السياسة الخارجية لثورة 1952 الحلقة السابعة

على هامش التسريبات: نموذج السياسة الخارجية لثورة 1952 الحلقة الثامنة