لم يعرف التاريخ البشري نظام حُكم في القديم أو في الحديث، قال إنه تأسس على الظلم. العكس هو الصحيح: كافة أنظمة الحكم لم تقصر في إعلان أنها تأسست على العدل أو أنها تهدف إلى العدل. كان المعنى الضمني غير المذكور، وربما غير المنطوق، يدور حول السؤال: هل نظام الحكم فاعل أم عاجز، قادر على بسط الأمن والاستقرار أم أضعف من أن يقوم بالمهمة؟

 سؤال الفاعلية والقدرة على بسط الأمن وفرض الاستقرار كان- بالبداهة- يعني تمهيد المقدمات الموضوعية لإقامة العدل. هذه البديهة كانت وما زالت تعني أن انفلات الأمن وتدهور الاستقرار هو نقيض العدل، وذلك بحسبانهما معاً، يهيئان المناخ لارتكاب الموبقات وحدوث التعديات وافتراء القوي على الضعيف، وانتهاك القواعد وارتكاب المحرمات، وكل ذلك يكون حصاده هو المزيد من المظالم والقليل من العدل. وقد ترتب على ذلك، أن شرعية نظام الحكم تتلاشى، ما دام عجز عن بسط الأمن والاستقرار، وبمفهوم المخالفة، ترتب على ذلك، أنه يلزم النظام الحاكم، حتى يكون فعالاً، أن يستحوذ ثم يحتكر وحده حق استخدام القوة الشرعية؛ لأجل أن يتمكن من بسط الأمن والاستقرار.

وهنا ظهرت الحاجة العملية إلى أساس الدولة ومصدر شرعية السلطة وهو القانون، فالقانون مما لا خلاف على ضرورته، حتى تكون الدولة تستحق وصف الدولة، وحتى يتأكد معنى دولة القانون، فلا بد من سلطات عملية، تملك حق تشريع وسن القوانين، ثم تملك حق تنفيذ وفرض القوانين، ثم تملك حق القضاء، فيما بين الناس من منازعات بموجب تلك القوانين، وفي باكر الأيام الأولى لنشأة الدولة، كانت السلطات الثلاث تجتمع في يد حاكم فرد أو مجموعة أو فئة أو طبقة أو سلالة، وكان ذلك قرين الدولة منذ عرف التاريخ فكرة الدولة قبل ستة آلاف عام ، ومازال معمولاً بهذا الجمع بين السلطات في كثير من الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة ، إذ بعد تفكيك الإمبراطوريات الكبرى سواء بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تفككت الإمبراطوريات العظمى الثلاث: العثمانية الإسلامية، والروسية الأرثوذكسية، والنمساوية الكاثوليكية، أو بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تفككت الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى سواء البريطانية أو الفرنسية أو الإيطالية أو الألمانية أو الإسبانية أو البرتغالية أو الهولندية، فنشأ عن تفكيك الاستعمار عدد كبير من الدول المستحدثة والمستجدة في مضمار التاريخ، حتى وصل عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى ما يقرب من مائتي دولة، هذه الدول المستجدة أكثرها مستجد في مضمار بناء الدولة ومؤسساتها، كما في بناء السلطة الحديثة وشرعيتها، هذه الدول تحولت بغتة من مستعمرات، أكثرها يعيش في مراحل تجاوزها الزمن من التطور التاريخي، ثم تحولت بغتة إلى دول حديثة أعضاء في الأمم المتحدة، تتساوى- نظرياً- رأساً برأس مع أعرق الدول وأكثرها حداثة وتقدماً في مجال ترشيد السلطة وضبطها.

الحكم المطلق في باكر التاريخ لم يكن اختياراً ترفياً، لم يكن انحراف مزاج شخصي لحكام يشتهون الظلم، ويستمرئون تعذيب الناس، كان مرحلةً من مراحل التطور الموضوعي في التاريخ، فالحكم المطلق بما يعنيه من تركيز السلطات ومن العنف في توظيف القوة، كانت له غاية عملية: إكراه الناس على فكرة الحياة المشتركة، وقسرهم على التعاون فيما بينهم، وإجبارهم على الالتزام بمعايير العيش المشترك، وإقناعهم باحترام ما عليهم من واجبات، وما لهم من حقوق متبادلة فيما بينهم، هذا هو المعنى الذي تأسست عليه أنظمة الحكم المطلق في أوروبا قبل ألف عام، كانت الفكرة مُستقاة من التراث القانوني والسياسي الروماني، وهذا التراث كان يقوم على مفهوم أن الإمبراطور حكيم بالفطرة وفاعل خير بالسليقة، فالأمان كله والسعد كله مع استئثاره بالحقوق الثلاثة الكبرى: حق تشريع القوانين، حق تنفيذ القوانين، الحق في تعيين قضاة يمتازون- مثل الإمبراطور- بالعقل والحكمة والرشد وحب الخير؛ ليتولوا مهمة القضاء بين الناس، ولا ينتقص من عدالتهم ولا من نزاهتهم، أنهم موظفون في الدولة معينون من جهة الإمبراطور أو من يقوم مقامه.

مفهوم الحاكم العاقل بالفطرة والحكيم بالسليقة وفاعل الخير بالطبيعة، كان مبرراً كافياً لتركيز السلطات في يد حاكم فرد مطلق أو فئة قليلة من طبقة الحكم وأهل السياسة، ويكفي أن ذلك التركيز يصنع مجد الأمة، ويرفع رأسها فوق الأمم، كما يضمن للأفراد حياة رغيدة في مجتمع آمن، تقوده دولة قوية ناضجة رشيدة.

تلمس هذا بوضوح شديد في الديباجة التي صدَّر بها الإمبراطور الروماني جوستنيان الذي حكم بين عامي 527 و565 م، لمدونة الفقه الروماني التي صدرت في 11 من ديسمبرعام 533 م بتوقيع الإمبراطور جوستنيان العالي الشأن على الدوام، وفي صدر الديباجة تقرأ هذه الكلمات: “من الإمبراطور القيصر فلافيوس جوستنيان قاهر الألمان والقوط والفرنجة والأنطيين والألانيين والوندال والإفريقيين، الإمبراطور الصالح، السعيد، الذائع الصيت، المنصور، المظفر، العالي الشأن على الدوام”. “إلى الشبيبة المتشوقة لعلوم فقه القانون”. “سلام عليكم”. وبعد: فإنه لكي تُحكَمُ الدولةُ حُكماً صالحاً في وقت السلم وفي وقت الحرب، فلا يجد صاحبُ الجلالة بُدَّاً من الاعتماد على رُكنين: الأسلحة والقوانين. بالأسلحة يستمر قاهراً لكل عدو من الخارج، يقصدُ الدولة بسوء، وبالقوانين يقطعُ دابر المظالم التي يدبرها بعضُ الأهالي لبعض، وبهذا يكونُ جديراً باللقبين معاً، لقب نصير العدل، ولقب المظفر المنصور”. “وإنا بما بذلنا من شدة العناية، وما تجشمنا من المتاعب والمشاق، وبما أمدتنا به معونةُ الله العليّ القدير، قد وصلنا إلى تحقيق هذين الغرضين، فالشعوب المتبربرة التي أخضعتها أسلحتُنا أصبحت تقر وتعترف، بما أوتينا من البسالة في القتال، وإفريقيا وغيرها من الأقاليم التي سُلِبَت من سلطان الرومان منذ زمن طويل قد أُعِيدَت إلينا، وذلك بفضل الانتصارات التي أفرغتها عنايةُ الله على أسلحتنا، وهي أصدق شاهد على ذلك”. “ومن جهة أخرى، فإنا بما قمنا به من تنسيق الشرائع القديمة، ومن إصدار شرائع أخرى جديدة، قد هيأنا لجميع الأمم الخاضعة لإمبراطوريتنا، أن تتمتع بما يستتبعه توحيد الشريعة من جزيل الفوائد”. انتهت الاقتباسات ومن يريد الاستزادة فليرجع للنص الأصلي، وهو من تعريب القانوني المصري العظيم عبد العزيز باشا فهمي 1870- 1951.

هذا الإرث القانوني والسياسي الروماني الذي يقوم على شرعية تركيز السلطات في يد الإمبراطور وحده، كان وما زال من العلامات البارزة في تاريخ البشرية المتحضرة في القرن السادس الميلادي، لكن لم يكد يطلع هلال القرن السابع الميلادي، حتى كان الإسلام الوليد يكتسح الإمبراطورية الرومانية في أهم معاقلها في الشام ومصر وشمال إفريقيا، ثم يعبر إلى أوروبا من شرقها ومن غربها، فانكمشت الحضارة البيزنطية أمام زحف الإسلام المبكر، حتى سقطت العاصمة القسطنطينية ذاتها أمام الزحف العثماني عند منتصف القرن الخامس عشر.

أوروبا دخلت في سُبات عميق خمسة قرون، كان الإسلام خلالها هو التجسيد العملي لأرقى ما لدى البشرية من حضارة، حتى إذا اختتمت أوروبا القرن الحادي عشر بحملاتها الصليبية المظفرة على المشرق الإسلامي، تفجرت في أعماقها المظلمة بوادر نهضتها في النصف الأخير من العصور الوسيطة بدءًا من القرن الثالث عشر، فعند عام 1200م كانت أوروبا تفرك عينيها صوب يقظة طويلة، تتابعت حتى يومنا هذا، وفي الوقت ذاته كان عالم الإسلام، يغفو بعينيه في رقاد طويل، ما زال يتتابعُ حتى يومنا هذا.

عند مطلع القرن الثالث عشر، كانت أوروبا تبدأ تاريخها الحديث بفصوله الأولى: تأسيس شرعية الحكم المطلق كضرورة تاريخية موضوعية من الحتم المرور بها قرونا طوالاً قبل الانتقال منها إلى تأسيس شرعية الحكم الديمقراطي.

………………………

السؤال: كيف حدث الانتقال من شرعية الحكم المطلق إلى شرعية الحكم الديمقراطي؟

هذا موضوع مقال الأربعاء المقبل بمشيئة الله تعالى.