حصريا: مقدمة كتاب هشام جعفر الجديد الصادر عن دار مدارات بالقاهرة
قد يشكل «طوفان الأقصى» أكتوبر/ تشرين أول ٢٠٢٣ م، وما أعقبه من حرب إبادة على قطاع غزة (٢٠٢٣-) قطيعة تاريخية، لا يمكن فهم طبيعتها بتحليل سياسي تقليدي. إنها ليست مجرد «أزمة إقليمية عابرة» أو جولة جديدة من «الصراع العربي الإسرائيلي»، بل هي لحظة فارقة، ساهمت في الإعلان عن ارتحال عالم قديم وبدء ميلاد جديد، لم تتحدد معالمه بالكامل بعد.
هذا الكتاب «عالم ما بعد غزة»، ليس محاولة لرصد الأحداث أو تسجيل وقائع، بل هو تشريح منهجي وتحليل بنيوي للتحولات العميقة التي ضربت الأسس الفكرية والأخلاقية والجيو سياسية للنظام العالمي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة ١٩٩٠ م، إنه محاولة للإجابة على سؤال مفصلي: ما هي الارتدادات الفكرية والجيو سياسية التي لا رجعة فيها لهذه اللحظة، وكيف يمكن قراءة المستقبل في ضوء صناعة التوحش التي كشفت عنها محرقة غزة؟
أُقدِّم هذا العمل للقارئ، باعتباره خريطة مفاهيمية، تسعى إلى تفكيك طبقات الأزمة المتعددة: من التحدي الوجودي للفكر الليبرالي الغربي، مرورًا بإعادة اصطفاف القوى الجيو سياسية، وصولًا إلى التحليل البنيوي للإبادة الجماعية كمنتج وظيفي داخل الرأسمالية المأزومة. وقد اعتمدنا في تأسيس منهجية التفكير في هذه القضايا على أبعاد ومستويات متعددة: فكرية وتاريخية وجيو سياسية.
إن هذا الكتاب يمثل جهدًا نقديًّا شاملًا لتشريح الزلزال الفكري والسياسي والجيو سياسي العميق الذي أحدثته هذه الأحداث، والذي ساهم في إعادة تشكيل المشهد العالمي والإقليمي بشكل جذري. لقد أدى النطاق الكارثي للقتل الجماعي والأزمة في غزة إلى تغيير الوعي العالمي، بشكل لا رجعة فيه، مما يتطلب إعادة تقييم جذرية للروايات الراسخة، والأنظمة الدولية القائمة، والمبادئ الأساسية للقوة.
يفترض الكتاب، أن عالم ما بعد غزة ساهم في الكشف عن الأزمة عميقة الجذور التي يتصف بها عالمنا المعاصر، الذي هو عالم يتسم بعدم اليقين المعرفي والجيو سياسي، وتتغير فيه هياكل القوة في النظام الدولي، وتبرز فيه اتجاهات قيد التشكل، ومقدمات لم تتبدَ نتائجها بعد؛ لذا فقد كان الكتاب بمنزلة جراحة فكرية مكثفة، تسعى لتطبيق «نقد قوي» على الأيديولوجيات السياسية والأطر المعرفية والمقومات الجيو سياسية التي تحكم نظرتنا لأنفسنا والعالم والواقع.
الفكرة المركزية
إن التحدي الأساسي الذي يتناوله الكتاب، يتلخص في معضلة «خلو العرش»: فالأطر السياسية والفكرية القديمة فشلت بشكل قاطع في وقف العدوان، ولكن لم يتم بعد تشكيل نظام جديد متماسك وقابل للتطبيق بشكل كامل.
إن الافتراض الأساسي الذي قام عليه الوضع الإقليمي قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، استند إلى عدد من الأسس أبرزها: أن الاستقرار يمكن أن يُبنى على البرجماتية الاقتصادية، وتهميش القضايا الحيوية مثل:الحقوق الفلسطينية، وعزل الأيديولوجيات عن المشهد السياسي.. إلخ. إلا أن هذه الأسس قد تحطمت بقوة بسبب طوفان الأقصى. إن هذه الهشاشة، التي كشفتها الإبادة الجماعية الممنهجة في غزة، أعلنت النهاية الحاسمة للهيكل الأمني الإقليمي القائم، والخطاب السياسي الذي دعمه، وخاصة جهود التطبيع كما برزت في “اتفاقيات إبراهام“.
وعلاوة على ذلك، كشفت محرقة غزة عن تراجع النظام الدولي الليبرالي الغربي، وإفلاسه الأخلاقي وعجزه عن فرض قواعده الخاصة في مواجهة المصالح الاستراتيجية لحلفائه الأقوياء. يتناول الكتاب أهمية الحاجة إلى فهم كيف تؤدي هذه الأزمة إلى حالة مطولة من الفوضى الهوبزية، حيث تؤكد القوى الكبرى على مصالحها السيادية غير المقيدة، وتنهار الثقة في المؤسسات الدولية.
إن جوهر المشكلة يتلخص في السؤال السياسي المحوري الشامل الذي بات ملحًّا في هذا العصر: مَن يملك الحق في تعريف “الحياة الطيبة”؟ هذا السؤال، بحسب الفيلسوف السياسي ألكسندر ليفيفر، هو «الجوهر» الذي يحدد طبيعة الحكم السياسي، والذي يتجلى فيه الصدام بوضوح بين المثال الليبرالي المتلاشي للدولة المحايدة اللا أدرية التي تُعزز استقلالية الفرد، وبين الحركات غير الليبرالية/ ما بعد الليبرالية الصاعدة، التي تدعو الدولة إلى فرض رؤية أخلاقية مشتركة ومحددة لـ«الصالح العام». في هذا السياق تصبح غزة بوتقة، حيث يتم تحفيز وتكثيف الجدل حول الإجابات المتنافسة على هذا السؤال والصراعات الأيديولوجية الناتجة عنه بعنف.
إن الطموح الفكري للكتاب هو تسليط الضوء على هذه الأزمة الفكرية الراهنة، وتعزيز مرحلة جديدة من التفكير النقدي الجذري الذي يعيد إرساء النضالات العربية، وخاصة القضية الفلسطينية، في طليعة الصراع الفكري والسياسي.
أهم سمات عالم ما بعد غزة
يرسم الكتاب سبع سمات رئيسة مترابطة، تميز العالم الخارج من الصراع في غزة، وهي تمتد إلى مجالات أيديولوجية وجيو سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة:
1- أزمة الليبرالية وصعود ما بعد الليبرالية والدولة الحضارية:
تسلط غزة الضوء على التحدي البنيوي والأيديولوجي الحاد الذي تواجهه الفلسفة السائدة التي حكمت المجتمعات الغربية منذ الحرب العالمية الثانية. يرى النقاد، أن الليبرالية عانت من أزمة نجاح، فقد فشلت؛ لأنها نجحت في ترسيخ الاستقلال الفردي الجذري، باعتباره الخير الأسمى، مما أدى إلى التفتت الثقافي، وانهيار المجتمع، والانحدار إلى «اليأس العدمي».
واستجابة لذلك، نشأت حركة فكرية وسياسية قوية، تُعرف باسم «ما بعد الليبرالية» على مستوى العالم، وهي حركة مكرسة لرفض المقدمات الليبرالية واستعادة النظام الأخلاقي والسياسي الجوهري. تسعى هذه الحركة إلى استبدال النخبة الليبرالية الحاكمة بأخرى جديدة، تسترشد بالأخلاق التقليدية و«الصالح العام».
ومن السمات الرئيسة لدولة ما بعد الليبرالية مشاركتها النشطة في «صناعة الروح»، أي أن الدولة تسعى إلى تشكيل الشخصية الأخلاقية والروحية لمواطنيها نحو مُثُل محددة للازدهار البشري، رافضةً التظاهر الليبرالي بالحياد المؤسسي.
ومن الناحية الجيو سياسية، ينعكس هذا التحول الأيديولوجي في ظهور الدولة الحضارية، مبتعدة عن نموذج الدولة القومية الليبرالية. إن القادة مثل: شي جين بينج من الصين، وفلاديمير بوتين من روسيا، وأردوغان من تركيا، وحتى القوى غير الليبرالية المؤيدة لترامب في الولايات المتحدة، يرسخون شرعيتهم في التقاليد الثقافية والدينية والعرقية المتجذرة بعمق. إنهم يؤكدون على «الأمة العظيمة والزعيم القوي» ويرفضون الادعاءات العالمية للنظام الليبرالي، ويختارون بدلًا من ذلك إطارًا من الكتل الحضارية المتنافسة القائمة على رؤى أخلاقية محددة وغير قابلة للتفاوض.
تشكل غزة نقطة اشتعال حاسمة، حين تكشف عن الصدام بين هذه الرؤى غير الليبرالية الصاعدة وبين النظام الدولي القائم على القواعد، والذي يتفكك بسرعة.
2- تطبيع القتل الجماعي واقتصاد الإبادة الجماعية:
ولعل السمة الأكثر تدميرًا لعالم ما بعد غزة هي التقارب المرعب بين القتل الجماعي المنهجي وبين الهياكل الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، مما أدى إلى ظاهرتين متشابكتين: «رأسمالية الإبادة الجماعية» و«اقتصاد الإبادة الجماعية».
إن التدمير المنهجي في غزة ليس مجرد نتيجة ثانوية للحرب، بل هو «مشروع مربح» لجهات كثيرة، تورطت فيها، وهذا مدفوع بـ «رأسمالية آكلة لحوم البشر»، وهو مفهوم يشير إلى أن النظام الرأسمالي، وخاصة في مرحلته النيوليبرالية، يعتمد هيكليًّا على الاستهلاك والاستغلال المنهجي للجوانب المجتمعية غير الاقتصادية، بما في ذلك حياة البشر والسلع المشتركة، لتغذية تراكم رأس المال.
وفي هذا الإطار، تصبح غزة «أرض اختبار» للتكنولوجيات العسكرية المتقدمة (الإبادة الجماعية/ الخوارزمية)، حيث تسوق شركات الدفاع الإسرائيلية أسلحة «مُجرّبة في المعارك» لعملاء دوليين، مستفيدة بشكل مباشر من ذبح الفلسطينيين.
البيئة الجيو سياسية الناتجة عن هذا هي بيئة يتم فيها عولمة القتل الجماعي والتطبيع معه، أي قبوله وكأنه المعتاد. إن العنف المنهجي الملحوظ في الصراعات في جميع أنحاء العالم- بما في ذلك اليمن والسودان وإثيوبيا ومنطقة الساحل الإفريقي…- يشير إلى أنه أصبح مقبولًا دوليًّا ضد المدنيين. غزة، التي بثت مأساة أهلها مباشرةً، وشاهدها الجميع، واستمرت لأكثر من عامين، تُجسّد بشكلٍ مأساويّ ظاهرة «التطبيع مع العنف المُمنهج».
3- إعادة الاعتبار لقضية فلسطين من خلال التقاطعية والعدالة العالمية:
لقد أُعيد تركيز النضال الفلسطيني بشكل كبير، حيث انتقل من صراع وطني أو ديني محلي إلى قضية عدالة عالمية. ويمكن فهم هذا التحول من خلال إطار التقاطع، الذي يربط محنة الفلسطينيين- الذين يُنظر إليهم على أنهم ضحايا للهياكل الداعمة للاستعمار والفصل العنصري- بنضالات الفئات المهمشة عالميًّا.
تجد حركات التضامن العالمية، التي تضم اليهود المناهضين للصهيونية، والنسويات، والناشطين البيئيين، ومجتمعات LGBTQ+ والشعوب الأصلية، والسود.. أرضية مشتركة، حيث ترى أن تفكيك هياكل الاستعمار الاستيطاني في فلسطين هو مفتاح تحقيق العدالة في كل مكان. أطلقت على هذا النهج المتكامل اسم «سياسة غزة»، حيث يتقاطع دعم الفلسطينيين مع قضايا محلية مثل عدم المساواة الاقتصادية والقمع السياسي والعدالة البيئية.
وتتجلى هذه السمة بشكل خاص بين الجيل Z، وهو أول جيل عالمي رقمي حقيقي، والذي ينظر إلى الصراع من خلال عدسة عالمية وأخلاقية بطبيعتها. إنهم أقل ثقة في الروايات والمؤسسات السياسية التقليدية، كما أن تركيزهم على القيم الإنسانية المشتركة يدفعهم إلى التوافق القوي مع الفئات المهمشة. إن نشاطهم المدفوع بـ«السياسات الصغرى» الجزئية والمطالب الاجتماعية/ الاقتصادية المباشرة والتعبئة الشبكية لا التنظيمية… يستخدم المنصات الرقمية لتحدي السرديات السائدة وبناء مرجعيات قيمية جديدة؛ مما يخلق انقسامًا جيليًّا مع النخب الأكبر سنًا والأكثر رسوخًا سياسيًّا، وخاصة في الغرب.
4- صعود الجنوب العالمي والمطالبة بالعدالة للضحايا:
لقد عملت حرب غزة كمحفز للجنوب العالمي؛ لتأكيد نفسه كقوة مؤثرة بشكل متزايد، مما يشكل تحديًا أساسيًّا للهيمنة السياسية والأخلاقية الغربية. لقد كشفت الأزمة عن النفاق العميق والمعايير المزدوجة للقوى الغربية، التي أدانت تصرفات روسيا في أوكرانيا، بينما قدمت في الوقت نفسه الدعم العسكري والدبلوماسي غير المشروط لتصرفات إسرائيل في غزة.
تعمل بعض دول الجنوب بشكل نشط على قيادة الجهود الرامية إلى إعادة إرساء فعالية القانون الدولي وآليات المساءلة. المثال الأبرز هو القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية، وهو الإجراء الذي دعمته، ما لا يقل عن اثنتي عشرة دولة أخرى.
تسعى هذه الحركة إلى إحداث تحول نموذجي من المفهوم التاريخي «عدالة المنتصر» (حيث يحدد الأقوياء الشرعية) إلى «عدالة الضحية»، مما يضمن محاسبة مرتكبي الفظائع الجماعية، بغض النظر عن حلفائهم الأقوياء.
كان لحرب غزة تأثير على تباطؤ جهود التطبيع من قبل الدول العربية، وحركت في الوقت نفسه جهود المقاطعة العالمية الضخمة للشركات الداعمة لإسرائيل أو المتورطة في الإبادة، وابتكرت أشكالًا من التضامن.. هذه الجهود تتحدى في جوهرها النظام الذي يهيمن عليه الغرب، وقد تسرع الاتجاه نحو عالم متعدد المسارات متعدد الأقطاب.
٥- تآكل البرجماتية: “اتفاقيات إبراهام” نموذجًا:
لقد تأسست بنية التطبيع التي أنشأتها “اتفاقيات إبراهام ٢٠٢٠م” على فرضية مفادها، أن السلام يمكن تحقيقه من خلال التعاون الاقتصادي والأمني مع تجاهل التطلعات الوطنية الفلسطينية ورغبات شعوب المنطقة. لقد أثبتت غزة، أن هذا النهج غير مستدام سياسيًّا ومتقلب استراتيجيًّا.
كشفت الحرب عن فجوة عميقة بين الأنظمة العربية وشعوبها في الموقف من إسرائيل وداعميها، حيث رفض الرأي العام في جميع أنحاء العالم العربي بشدة الاعتراف بإسرائيل، حتى في الدول التي لديها معاهدات سلام قائمة. لقد أصبحت التكلفة السياسية للحفاظ على مسار التطبيع كبيرة.
وعلاوة على ذلك، فإن عقيدة الأمن الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، والتي عنونت باسم «إسبرطة الكبرى»، تؤكد على الحسم العسكري والقوة الاستباقية والاعتماد على الذات استراتيجيًّا، حتى على حساب العزلة الدبلوماسية. هذا الموقف العدواني، الذي تجسد في أفعال مثل الضربة التي وقعت في الدوحة (والتي استهدفت سيادة دولة تقوم بالوساطة) قوّضت بشدة التعاون الأمني الهش الذي بُني بموجب الاتفاقيات. أدركت الدول العربية، أن الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية غير كافٍ، وأن تصرفات إسرائيل تُشكّل تهديدًا مباشرًا لاستقرارها وسيادتها، واضطرت إلى إعادة تقييم تبعياتها الخارجية، وسعت إلى ترتيبات دفاعية إقليمية بديلة.
6- تصاعد حروب الهوية:
تتجلى الانقسامات الأيديولوجية العالمية العميقة في تكثيف حروب الهوية. هذه الصراعات- التي تتراوح من النزاعات العرقية والدينية إلى الصراعات الثقافية- مدفوعة بشكل متزايد بمصالح الهوية البحتة، بدلًا من حسابات المصلحة الوطنية العقلانية. عالم ما بعد غزة يواجه خطر الانقسام إلى «عوالم حضارية» متنافسة.
إن غزة تقدم مثالًا مرعبًا لهذه الظاهرة: فالنهج الإسرائيلي، تصوره قيادته، باعتباره صراعًا وجوديًّا من أجل بقاء هويتها الوحيدة، مما يستلزم نزع الصفة الإنسانية عن «الآخر» (الفلسطيني) وتعريفه، بأنه تهديد كامل لا يمكن الاتفاق معه. تعتمد هذه الاستراتيجية على القومية العرقية الإقصائية التي تبرر العنف المنهجي والقتل الجماعي. ومع تقويض سيادة القانون، يُخاطر العالم بالانزلاق إلى حالة من «الفوضى الهوبزية»، التي تغذيها المنافسة الصفرية و«عبادة الهيمنة» التي تقبل الوحشية ثمنًا للبقاء.
7- إعادة تعريف النضال من أجل الاستقلال الوطني:
أحداث غزة حفزت النظر في تجديد مفهوم الاستقلال الوطني في الخطاب السياسي العربي. ومع ذلك، فإن التعريف الحديث أكثر تعقيدًا بكثير منه في أوائل القرن العشرين، الذي قام على مجرد إنهاء الاحتلال العسكري (السيادة السياسية).
يتطلب نضال الاستقلال الوطني اليوم التحرر من «الاستبداد النيو ليبرالي» المندمج في النظام الرأسمالي المعولم، أي الهياكل الاستبدادية للدولة العميقة المندمجة في النظام الرأسمالي النيوليبر الي العالمي والإقليمي.
إن الاستعمار الحديث معقد، فهو يتكون من تحالف عابر للحدود الوطنية من حكم استبدادي ذي طبعة اقتصادية نيو ليبرالية، تقوده نخب محلية لها علاقات خاصة برأس المال العالمي. هي لم تعد قوة عسكرية أجنبية لها قواعد على الأراضي الوطنية فحسب.
إن هذا الاستقلال بمعناه الجديد يتطلب تضافر المكونات الثلاثة التالية؛ لتصنع نسيجًا واحدًا محكمًا؛ بهدف استعادة الاستقلال الوطني المفقود:
- المكون السياسي، حيث الديموقراطية أحد معاني السيادة الوطنية. فإرادة المواطنين، وليس هياكل الدولة فقط، تحافظ على استقلال الدولة من الهيمنة الخارجية؛ لذا فإن من معاني السيادة في هذا المكون، هو تمكين المواطنين من تقرير السياسات العامة وأولويات الإنفاق العام، مع مشاركتهم لأجهزة الدولة، من خلال المؤسسات المنتخبة، في تعريف الأمن القومي وحفظه.
إن الأمن القومي في الزمن المعاصر أخطر من أن يترك لمؤسسات الأمن القومي وحدها تحافظ عليه.
- المكون الاقتصادي: مكافحة نموذج رأسمالية المحاسيب، وضمان أن تخدم الهياكل الاقتصادية شريحة واسعة من السكان، بدلًا من المجموعات المالية الضيقة المتحالفة مع رأس المال الإقليمي والعالمي.
- المكون الحضاري: التأكيد على معنى إنساني مشترك للقواعد، والقيم التي ينبغي أن تحكم النظام الدولي، تساهم فيه الكتل الحضارية المتنوعة وتثريه، بما يتماشى مع القيم الجماعية المرتكزة إلى العدالة بمعناها الشامل، ويتجاوز سياسات وحروب الهوية الإقصائية.
تقسيم الكتاب:
صُمم هيكل الكتاب عمدًا ليتناول تعقيدات واقع ما بعد غزة، متنقلًا بشكل منهجي من التحولات الفكرية التأسيسية إلى الاتجاهات الجيو سياسية، وإخفاقات السياسات التاريخية، والعوامل الهيكلية المروعة الكامنة وراء الفظائع الجماعية. الكتاب، يتبع تسلسلًا تحليليًّا عميقًا ينتقل بالقارئ من الإطار الفكري العام إلى التحولات الجيو سياسية الملموسة، ثم إلى الأثر المباشر على سياسات المنطقة (التطبيع)، وصولًا إلى التفسير البنيوي للظاهرة الأشد مركزية (الإبادة الجماعية).
يبدأ الكتاب بتحديد السياقات الفكرية التي ساهمت عملية «طوفان الأقصى» في تشكيلها، مثل انهيار النظام الليبرالي الغربي، والسؤال حول تعريف “الحياة الطيبة”. وينتقل بعدها إلى الاتجاهات الجيو سياسية الجديدة، والتي تشمل صعود «الجنوب العالمي» وإعادة تعريف السياسة بواسطة «جيل زد».
يخصص الكتاب فصلًا كاملًا لتقييم مدى صمود وفشل “اتفاقيات إبراهام” في زمن الإبادة، مما يمثل دراسة حالة مباشرة لأثر الأحداث على السياسة الإقليمية. وفي الفصل الرابع يركز على السؤال الأخلاقي والقانوني الأهم: كيف نفهم الإبادة الجماعية؟ ويربطها بالرأسمالية والبنى الهيكلية، مما يضفي عمقًا على التحليل.
ويُختتم الكتاب بتلخيص آليات العنف الجماعي من خلال بيان العمليات النفسية والبنيوية التي يتم من خلالها «تصنيع الوحوش البشرية»، وكيف «تنتج الدولة العنف الجماعي»؟ وعمليات «عبادة الهيمنة» التي تبرر القوة المطلقة، والسؤال المزعج حول «تفاهة التعقيد»: كيف يتم حشد الناس العاديين للإبادة الجماعية من خلال الآليات البيروقراطية، وديناميكيات المجموعة، والسعي الدنيوي وراء المصلحة الذاتية، بدلًا من الحماس الأيديولوجي المحض؟
تلامس الخاتمة بذلك الجذور الفلسفية والأيديولوجية للعنف في «صناعة التوحش»، مما يوفر إطارًا نظريًّا شاملًا، يفسر جميع الفصول السابقة. ومع بيان هذه الجذور، كان من الضروري ملاحقة الإبادة في غزة بحثيًّا من خلال طرح مشروع متكامل لدراستها، لعل إحدى المؤسسات البحثية العربية أن تتبناه.
وبهذا تتكامل البنية وتتماسك؛ لتغطي جميع الأبعاد الضرورية (الفكرية، الجيو سياسية، السياسية، الأخلاقية، البنيوية) لتحليل عالم «ما بعد غزة».
وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر..







