طفت التوترات الحادة، التي ظلت كامنة في السنوات الأخيرة، بين السعودية والإمارات نهاية 2025 إلى السطح، وتمثلت في انقسامات كبيرة بين البلدين في ملفات مهمة من اليمن إلى السودان والبحر الأحمر، مع احتمال امتدادها إلى ليبيا وإقليم الساحل الإفريقي.
ولا يمكن تجاهل تعارض مصالح البلدين خلال الأعوام الأخيرة، رغم النهج البرجماتي للرياض الذي سمح للإمارات بالتوسع في بعض الدول الشرق أوسطية والإفريقية مثل السودان والصومال واليمن وليبيا، ما دام ضمن “الرؤية السعودية”.
وتشير هذه التطورات، إلى أن الخلاف الحالي قد يكون تكتيكيًا أو مرحليًا، لا يعني بالضرورة تباينًا جذريًا في توجهات البلدين، لكنه يعكس اختلاف الأولويات واستجابة الفاعلين الإقليميين بشكل أكثر مرونة؛ لتلبية المطالب السعودية وفهم “رؤيتها” الإقليمية.
وبذلك، يبدو منطقيًا، ربط تداعيات التوتر السعودي- الإماراتي في الشرق الأوسط بتأثيراته المباشرة على ملفات إفريقيا في السياسات الراهنة والمستقبلية.
التوتر السعودي- الإماراتي في الشرق الأوسط: أفق التصعيد
رغم محاولات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوفيق بين الرياض وأبوظبي، كونهما من أهم شركاء واشنطن السياسيين والأمنيين في المنطقة، يبقى أفق التصعيد بين البلدين قائمًا.
ويأتي ذلك بغض النظر عن أحاديث العلاقة الوثيقة بين ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، وزعيم الإمارات محمد بن زايد، والسرديات التي تشير إلى تأثير الأخير في مسار الإصلاح الاقتصادي والسياسي في السعودية، وتصوير ابن سليمان أمام الغرب كزعيم داعٍٍ للتحديث ولا يشكل تهديدًا، وهي الصورة التي ساعدته، وفق تقارير، على الحصول على دعم قوي من ترامب.
وتبدو دوافع التحرك السعودي في اليمن أعمق من مجرد غضب الرياض على استيلاء القوات اليمنية المدعومة إماراتيًا على مناطق نفطية، كانت تحت السيطرة السعودية.
إذ شنت وسائل الإعلام الإماراتية حملة غير مسبوقة، اتهمت خلالها السعودية بدعم جماعة الإخوان المسلمين، فيما ردت وسائل الإعلام السعودية بدورها باتهام الإمارات بتبني مواقف مناهضة للإسلام وموالية لإسرائيل.
ويكشف هذا عن تباين غير مسبوق في مواقف البلدين تجاه الملفات الإقليمية المشتركة، وتشير تداعيات الأزمة، إلى أن الخلاف قد يستمر على المدى المتوسط، ويشمل تقريبًا جميع الملفات الإقليمية، يمكن عرض أبرز ملامحها فيما يلي.
تنافس في ملف الطاقة والتجارة
بادرت الرياض منتصف يناير الجاري بالإعلان عن حزمة مشروعات تنموية في جنوب اليمن بقيمة 500 مليون دولار، يتركز أغلبها في مناطق سيطرة الميليشيات الانفصالية الموالية للإمارات؛ الأمر الذي يؤكد توجه الرياض الصدامي مع الإمارات بعد طرد جميع قواتها من اليمن وعدم الاكتفاء بهذه الخطوة مستقبلًا.
بالتكامل مع ذلك، يأتي ملف “إنتاج البترول” في قلب “الصراع” الراهن؛ لا سيما أنه ثمة خلاف قائم بالفعل بين البلدين منذ العام 2020- 2021 داخل اجتماعات أوبك بلس OPEC+ بخصوص تسعير البترول ومستويات الإنتاج، وتمكن السعوديون في 2021 من فرض رؤيتهم التي أثرت على حصص المواني ومناطق التجارة الحرة في الإمارات.
وارتبط بهذا الخلاف الطاقوي، تباين في مصالح الرياض وأبوظبي في حركة التجارة الإقليمية في البحر الأحمر والخليج العربي؛ لا سيما أن السعودية (مع الكويت وقطر وسلطنة عمان) رأت أن الإمارات وضعت أولويات تجارية خاصة بها على حساب مصالح بقية دول الخليج التجارية مع الاتحاد الأوروبي.
حضور مصري
جاء الموقف المصري من أنشطة الإمارات المناوئة للمصالح الاستراتيجية المصرية حاضرًا في قلب الخلاف بين الرياض وأبوظبي؛ وعلى سبيل المثال تفيد تقارير، نشرت منتصف يناير ( يرجح صحتها) بتقديم مصر معلومات استخباراتية بالغة الأهمية للسعودية عن أنشطة الإمارات “العدوانية” في اليمن والسودان بالتفصيل.
هذا يؤشر على استقطابات إقليمية حادة، آخذة في التصعيد، مع وجود درجة من التنسيق المصري السعودي في قلب هذا الاستقطاب وعلى خلفية تضرر المصالح المصرية والسعودية من الأنشطة الإماراتية في اليمن والسودان والصومال.
وجاءت محادثات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع (18 يناير الجاري)؛ لتضيف تعقيدًا آخر في ملف الصراع السعودي الإماراتي، لا سيما أن الرياض اتهمت الإمارات قبل أسابيع “بدعم جماعات الدروز” في سوريا، وعلى نحو يتسق تمامًا مع السياسات الإسرائيلية.
هذا بجانب ملمح إقليمي آخر، تناقض الموقف السعودي الداعم لاحتواء التوتر الأمريكي- الإيراني مع موقف الإمارات (وإسرائيل) التي كانت تدفع بقوة نحو التصعيد الأمريكي في إيران.
إفريقيا والتصعيد السعودي- الإماراتي: صدامات وشيكة
أصبحت ملفات إفريقية عدة، في قلب التصعيد السعودي- الإماراتي، وتفيد تقارير عن وجود تنسيق معلوماتي مصري- سعودي لمواجهة الأنشطة الإماراتية التخريبية في اليمن والسودان وربطها بالسياسات الإسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وتعكس التحولات السعودية في هذه الأزمات انتقال الرياض من سياسة مجاراة الإمارات، والضغط المستمر على الدول المعنية (مثل الصومال والسودان ومصر)؛ أملًا في نيل مكاسب آنية مثل استنزاف واستغلال موارد الصومال والسودان الطبيعية والجيو سياسية، وإطلاق عمليات استحواذ اقتصادية مربحة على مؤسسات اقتصادية مصرية والتعامل السريع عليها؛ لتحقيق أرباح طائلة في وقت قصير، مع السعي لتحقيق مكاسب اقتصادية فورية.
من أبرز الأمثلة بيع الحصة السعودية في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع البالغة 19.3% لمجموعة مواني أبو ظبي في نوفمبر 2025 بقيمة 13.2 مليار جنيه، محققة صافي ربح يزيد على 120 مليون دولار، ما يعكس تنسيقًا سعودي- إماراتيًا سابقًا في قطاع حيوي بمصر.
ويمكن النظر لأوجه الصدام السعودي- الإماراتي في ملفات الصومال والسودان وليبيا.
الاعتراف بإقليم أرض الصومال
كان موقف السعودية بالغ الوضوح والصرامة إزاء مسألة اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال “دولة مستقلة ذات سيادة” في ديسمبر 2025، بينما عمدت الإمارات إلى سياساتها التقليدية بتعميق انتهاك سيادة الصومال، إما بشكل مباشر وإما عبر وكلاء (أبرزهم إثيوبيا وإسرائيل، إضافة إلى تخادم الإمارات للدور الأمريكي)، كما رفضت التوقيع على بيان الدول العربية والإسلامية الذي رعته وصاغته مصر، ويدين الخطوة الإسرائيلية.
وأبرز هذا التناقض المنافسة اللاحقة بين البلدين في مرحلة ما بعد الاعتراف الإسرائيلي، فقد عمدت مقديشو إلى تبريد علاقاتها مع الإمارات، وصولًا إلى طرد جميع عناصرها الأمنية، وغلق المجال الجوي أمام رحلات إماراتية معينة، ربما توطئة لقطع العلاقات الدبلوماسية مستقبلا (في تكرار للسيناريو السوداني).
تعمل السعودية حاليًا على وضع اللمسات الأخيرة للتحالف العسكري مع الصومال ومصر، بتنسيق غير مسبوق مع تركيا، وفق مصادر أمنية غربية (16 يناير 2026).
ويهدف التحالف إلى مواجهة النفوذ الإماراتي، على أن يوقع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الاتفاق قريبًا. ويتزامن ذلك مع تقارير شبه مؤكدة عن قرب إتمام اتفاق دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان بعد عام من المفاوضات، والبناء على اتفاق سعودي- باكستاني سابق وقع في سبتمبر 2025.
السودان وأمن البحر الأحمر
تشير تقارير إسرائيلية، إلى أن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، إلى السعودية في ديسمبر 2025، لم تقتصر على مناقشة وقف إطلاق النار، بل مثلت مؤشرًا على الصراع الإقليمي المتزايد بين السعودية والإمارات على النفوذ في السودان.
ويعكس الاهتمام السعودي المتزايد هنا ارتباطًا مباشرًا بأمن البحر الأحمر، من خلال مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وتحجيم عدم الاستقرار على طول السواحل.
في منتصف يناير، عزز البرهان التعاون مع الرياض عبر مرسوم بإعادة تشكيل “المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي والتنسيق بين السودان والسعودية”، الذي تم الاتفاق على تكوينه في مارس 2025، ويرفع العلاقات الثنائية إلى مستوى استراتيجي شامل، يغطي جميع القطاعات.
ويأتي ذلك في سياق دعم سعودي صفقة سلاح باكستانية بقيمة 1.6 مليار دولار، لتعزيز قدرات الجيش السوداني في مواجهة ميليشيات الدعم السريع المصنفة إرهابية من قبل الخرطوم.
مساحات التنافس في ليبيا
امتد النشاط السعودي القوي لاستعادة مساحات النفوذ التي تُركت، وفق تقديرات خاطئة، ربما للإمارات لقيادتها إلى ليبيا، واتضح ذلك في استقبال الرياض عددًا من الوفود الاقتصادية والسياسية الليبية من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وما تضمنته المناقشات من العمل على تقوية “شراكات استراتيجية وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين”.
كما تتوجه الشركات السعودية للاستثمار في قطاع الاتصالات مؤشرا على منافسة محتملة مع شركات إماراتية، كانت تعتبر السوق الليبية “منطقة نفوذ” لها.
وفي المقابل، حظيت تحركات السعودية الإقليمية بدعم من حكومة الوحدة الوطنية التي أعلنت مطلع العام الجاري، في بيان لخارجيتها “دعم ليبيا الكامل لدور الرياض في تيسير الحوار ودعم وقف التصعيد الإقليمي” من أجل تسوية سياسية في اليمن، ما يعني ضمنًا إدانة التحركات الإماراتية في اليمن وما ورائه.
كما وضعت السعودية ثقلها وراء جهد إقليمي ودولي مهم منذ نهاية العام 2025؛ لوضع نهاية مقبولة للأزمة السياسية في ليبيا إلى جانب مصر وإيطاليا والولايات المتحدة وفرنسا وقطر، مما يفرض ضغوطًا سياسية حقيقية على حليف الإمارات في ليبيا المشير خليفة حفتر قائد “الجيش الوطني الليبي”.
مصر وتحولات السعودية والإمارات في إفريقيا
تمكنت القاهرة في العامين الأخيرين من تحقيق اختراق في العديد من ملفاتها الإفريقية، والانتقال إلى المبادرة بالفعل والعودة لشغل مساحات نفوذها وحركتها التقليدية، وتحجيم افتئات قوى إقليمية مثل الإمارات والسعودية وقطر وإسرائيل على هذه المساحات في السنوات الأخيرة، وصولًا إلى دعم الإمارات وإسرائيل ميليشيات الدعم السريع بشكل مباشر وعلى نحو يهدد عمق دائرة الأمن القومي (لا سيما منذ استيلاء ميليشا الدعم على الفاشر نهاية أكتوبر 2025).
ويمكن أن تعمق تحولات الرياض وأبوظبي في إفريقيا هذا التوجه بشكل غير مسبوق، ما يمثل ربما فرصة ذهبية للقاهرة لاستعادة مكانتها الكاملة في محيطها الحيوي: إفريقيا والشرق الأوسط.
وعلى سبيل المثال، فإن تغير الموقف السعودي إزاء السودان، واقترابه بدرجة كبيرة من موقف القاهرة، يوفر غطاءً مهمًا لرؤية الأخيرة القائمة على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته، والحد من التدخل الإماراتي في هذا الملف، سواء بصورة مباشرة أو عبر قوى إقليمية أخرى، بما في ذلك إسرائيل.
وتمتلك الرياض روافع اقتصادية وسياسية مؤثرة لدى عدد من دول جوار السودان المتورطة في دعم ميليشيات الدعم السريع، في غرب السودان وشرقه وجنوبه وشماله الغربي، ومن شأن توظيف هذه الأدوات، أن يُحدث تحولًا نوعيًا في مسار الأزمة السودانية، ويضع المؤسسات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، وكذلك الأطراف الدولية، أمام مسئوليات أكثر وضوحًا.
يأتي التقارب السعودي مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية، في توقيت يتقاطع مع تقارب ملحوظ بين القاهرة وطرابلس، يُعد الأبرز منذ عام 2019، وفي ظل ما يمكن وصفه بفتورٍ متزايد في علاقة القاهرة بخليفة حفتر خارج الأطر الإعلامية الرسمية.
ويوفر هذا المسار الإقليمي المتوازي رافعةً مهمة لمصر لإعادة ضبط مقاربتها للملف الليبي، بعد مرحلة اتسمت بقدر من الالتباس، كان من بين أسبابها الارتباط الوثيق بالموقف الإماراتي، إلى جانب تحولات أدوار حفتر الإقليمية، ولا سيما في السودان وتشاد، على نحوٍ أفضى إلى تهديد مباشر للأمن القومي المصري منذ خريف 2025.
يمكن القول بحسم إن مصر وسياساتها الإفريقية هي الرابح الأكبر من “المراجعات” السعودية الأخيرة والضغط على الإمارات (دبلوماسيًا وشعبيًا بشكل غير مسبوق)؛ للتوقف عن اعمال التخريب ودعم المنظمات من خارج الدولة (وفق تقارير مختلفة عن دعم أبوظبي لإحداث الفوضى في ملفات مختلفة مثل اليمن والبحر الأحمر والسودان، حتى عبر دعم جماعات انفصالية وإرهابية وميليشياوية، تعلن الإمارات وقوفها ضدها في مناسبات متكررة).
الحذر الواجب
لكن يظل سؤال جوهري حول التوجه السعودي واستدامته على المدى المتوسط على الأقل بمثابة التحدي الذي يجب على القاهرة قراءته جيدًا في ضوء حسابات المصالح الإقليمية السعودية (التي تقترب كثيرًا من نظيرتها الإماراتية، لكن بصبغة مؤسساتية ونهج أقل خشونة)، وكذلك قدرة الإمارات على إعادة إنتاج الفوضى في مناطق الأزمات بدعم إسرائيلي مطلق، وتفهم أمريكي لا سيما في بعض دوائر اليمين في واشنطن، وكذلك على الاضطلاع بدور رأس الحربة في سياسات الأخيرة في أكثر من أزمة.






