بعد خمسة عشر عاما من اندلاع عواصف “يناير“، يطرح السؤال القديم نفسه مجددا:

هل كانت مؤامرة؟!

تجنب الرئيس الأسبق “حسني مبارك” أثناء محاكمته في جلسة استثنائية وصف أحداث “يناير” بالمؤامرة وقال: “إن الحكم للتاريخ”.

كما تجنب أي حديث، عما إذا كان هناك مخططا “إخوانيا” وإقليميا لإحداث الفوضى والاستيلاء على الحكم ونقل الفلسطينيين من غزة إلى سيناء بمشاركة تركية.

قال نصا: “لم أسمع عن هذا المخطط”.

أي مؤامرة تستدعي مخططا لها، ووثائق واعترافات تثبت التواطؤ.

قد يكون شيئا من ذلك قد حدث، لكنه لم يقم عليه دليل.

الاتهام المرسل لا يؤسس لرواية متماسكة، ومصر في حاجة أن تستجلي الحقيقة، كما حدثت فعلا.

المؤامرة موجودة في التاريخ، لكن التاريخ نفسه ليس مؤامرة.

كان طبيعيا في بلد محوري مثل مصر، أن تتدخل أجهزة استخبارات دولية لتوظيف الأحداث الكبرى، وفق مصالحها الاستراتيجية، أو على الأقل خفض فاتورة المخاطر على تلك المصالح.

غير أن ذلك لا يعنى أن الفعل الثوري نفسه مؤامرة.

قيمة “يناير” في التاريخ، أنها عكست الإرادة العامة التي لا سبيل لتحديها، بقدر ما طمحت إلى الانتقال لعصر جديد أكثر حرية وعدلا اجتماعيا وكرامة إنسانية.

قبل العاصفة، تبدت حالة غضب بين الأجيال الجديدة وجماعات المثقفين، وكل ما له قيمة في البلد، استقطبت المشاعر العامة، حتى بدا النظام كله في العراء السياسي.

رغم الاحتقانات السياسية والاقتصادية، التي دعت الطبقة الوسطى والفئات الأكثر احتياجا إلى إعلان التذمر العام، فقد كان “مشروع التوريث” هو نقطة التفجير، التي استدعت كل الغضب إلى كل الميادين.

في لحظات النهاية بدا النظام بلا ظهير سياسي، فقد انهار حزب السلطة مع أول هتاف في ميدان “التحرير”.

ما هو مصطنع يسقط في كل اختبار.

سقط “مبارك”؛ لأن نظامه تقوّض من داخله دون حاجة إلى مؤامرة وعجز بالكامل عن الاستجابة لحقائق عصره، وأولها التحول إلى دولة مدنية حديثة ديمقراطية وعادلة.

أسوأ ما جرى عند إطاحة النظام غياب المساءلة السياسية.

اصطنعت حالة تلكؤ بين أطلال نظام “مبارك” بلا قطيعة مع الأساطير التي أسسته.

كان ذلك من أسباب اختطاف الثورة سريعا وإجهاض أهدافها تماما.

أول الأساطير، أن “قوة الأمن” وحدها تضمن استقرار النظام، وأن فيها الكفاية لمنع أي خطر على وجوده دون حاجة إلى أية ركائز أخرى، سياسية واجتماعية تثبته.

بعد محاولة اغتيال “مبارك” في العاصمة الإثيوبية “أديس أبابا” منتصف تسعينيات القرن الماضي، مال إلى التركيز المفرط على الأمن، غير أن نقطة التحول الجوهرية رافقت الانتخابات الرئاسية عام (٢٠٠٥).

أدار الانتخابات نجله الأصغر “جمال مبارك”، والمشهد أوحى أننا أمام بروفة مبكرة لـ”توريث الحكم”.

في اجتماع احتفالي بحي مصر الجديدة، تصدرته قيادات “أمانة السياسات”، سأل وزير الداخلية اللواء “حبيب العادلي” واحدا من المجموعة القريبة من نجل الرئيس: “أنتم ناويين على أيه؟!”.

لم يكن في حاجة إلى إجابة فقد حزم أمره، على أن يكون “وزير داخلية التوريث”.

كان ذلك إقحاما للأمن في ملف ملغم.

توسع الدور الأمني خارج طبيعة مهامه، وتدخل على نحو غير مسبوق في الحياة العامة من البحث العلمي إلى اختراق الأحزاب إلى الاقتصاد ومشروعاته.

تأسست دولة بوليسية، وتعمقت فجوات بين الأمن ومجتمعه، وكانت النتائج قاسية في تجربة “يناير”.

وثاني الأساطير، أن الاستغناء عن السياسة بمعناها المؤسسي الحديث يخفض من الصداع العام في بنية النظام، ويوفر قدرا أكبر من الاستقرار.

لم يكن “الحزب الوطني الديمقراطي” حزبا حقيقيا، بقدر ما كان تجمعا لأصحاب المصالح يلتصق بالسلطة، أي سلطة.

كان مزيجا من بيروقراطية الدولة ونفوذ الأمن.

في لحظة الثورة، بدا الانكشاف كاملا للبنية السياسية المصطنعة.

دفع النظام ثمنا مستحقا لاختراق الأحزاب السياسية من داخلها، وتفجيرها في بعض الحالات، ومنعها من ممارسة أي دور يتجاوز مقراتها.

بقدر ما تكون الحياة السياسية صحية وقابلة لاكتساب الثقة العامة، فإن قواعد النظم تتأسس على أرض صلبة.

ثالث الأساطير، أن ارتفاع معدلات النمو يغنى عن التنمية الحقيقية.

بالأرقام تجاوزت نسبة النمو حاجز الـ(٧٪)، وهي نسبة عالية بأي قياس، غير أنها لم تمنع الانفجار الاجتماعي، الذي أطاح النظام كله.

ذهبت عوائد النمو إلى طبقة رأسمالية، توغلت في الفساد وجنت أموالها من زواج السلطة بالثروة.

في الغنى الفاحش بغير إنتاج حقيقي والفقر المدقع بغير أمل بالحياة، تعمقت التناقضات إلى حدود استدعت قلقا داخل قطاع الأعمال الخاص نفسه.

بحكم خبرته المباشرة، لم يكن “مبارك” يجهل حقائق القوة، غير أنه لم يكن حازما في وقف مشروع التوريث، وترك التفاعلات تمضي إلى نهاياتها المحتمة.

ورابع الأساطير، التعويل شبه المطلق على الولايات المتحدة في ضمان استقرار النظام وتوريث النظام الجمهوري من الأب إلى الابن.

تأسست تلك الأسطورة بعد حرب أكتوبر مباشرة، وأفضت نتائجها إلى إهدار بطولة السلاح وعزلة مصر عن قضايا عالمها العربي والتنكر لإفريقيا والعالم الثالث.

رغم هذه النتائج الكارثية، ظل الاعتقاد طوال الوقت جازما، بأن المستقبل المصري يصنع في البيت الأبيض.

في الأيام الأولى لـ”يناير”، تبددت أسطورة التعويل على الإدارة الأمريكية في ضمان مستقبل النظام.

الثورات ليست مؤامرات، حتى لو بدا أن هناك من تآمر لاختطافها، أو حرفها عن مسارها وأهدافها.

لا ثورة واحدة في التاريخ نجت من اتهامات التآمر والتخريب عند انقضاء فعلها وانكسار زخمها.

الثورات ليست مبرأة من الأخطاء، فالأحداث الكبرى لا تجري في معامل كيمياء تضبط التفاعلات وسلامتها.

لا يعني إجهاض الثورة نفي شرعيتها وإحالتها إلى محض مؤامرة.

هذه اتهامات انتقامية لا موضوعية ولا عادلة.

كان عام (2005) هو عام الإشارات المتواترة عن قرب نهاية النظام.

“الرئيس مبارك شرف لكم وأنتم مش عاجبكم حد!”– يناير (2005).

كان ذلك تصريحا لرجل البرلمان القوي “كمال الشاذلي”.

“أطالب المعارضة باحترام رئيس الجمهورية مثل حضرة العمدة!”.

كان ذلك تصريحا ثانيا لوزير الداخلية اللواء “حبيب العادلي”– مارس (2005).

“الحكم يفتقد الخيال السياسي.. ومصر حبلى بالتغيير”– سبتمبر (2005).

كان ذلك تصريحا ثالثا للدكتور “علّي الدين هلال” من قلب أمانة السياسات، التي يترأسها نجل الرئيس الأصغر!

“ما أنجزه مبارك لا يتناسب مع طول فترة حكمه”– مارس (2006)

كان ذلك تصريحا رابعا من داخل المنظومة الإعلامية، التي دأبت على الترويج للرئيس، على لسان “مكرم محمد أحمد”.

كادت السلطة بكافة مكوناتها أن تشبه أوراق خريف تتساقط، لا هي مقتنعة بقدرة الرئيس على الحكم والإنجاز، ولا هي قادرة على اكساب موقعه احتراما يعوزه.

هكذا بدت مصر قرب نهايات حكم “مبارك” أقرب إلى حالة “كرب ما بعد الصدمة”- حسب تعبير عالم النفس الدكتور “أحمد عكاشة”.

تأجل انهيار النظام لخمس سنوات بفضل الاتساع النسبي للحريات الإعلامية والصحفية، التي أعطت أملا في تغييره من الداخل.

بعد أسابيع قليلة من التزوير الفاحش للانتخابات النيابية (2010)، أطيح النظام كله بثورة مدنية شعبية حقيقية، دون حاجة إلى مؤامرة.

انهار النظام من الداخل.

هذه هي الحقيقة، التي يرفضون حتى الآن الاعتراف بها.