نشر مركز التنمية والدعم والإعلام “دام” تقدير موقف جديدًا حول قرار مجلس الأمن 2803 وخطة ترامب، ذلك في توقيت يتزامن مع الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من “خطة السلام” الخاصة بغزة، وما تحمله من ترتيبات سياسية وأمنية معقدة، تمس أدوار القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر.
يطرح التقدير قراءة لمواقف القاهرة والعواصم العربية، وللتداعيات المباشرة وغير المباشرة للقرار، واضعًا إطارًا عمليًا لتقدير المخاطر، وحدود الأعباء، وهوامش الحركة المتاحة، في سياق إقليمي يتسم بتداخل الملفات وتسارع التحولات.
ويأتي هذا الإصدار بوصفه الثالث ضمن سلسلة أوراق تحليلية، أصدرها المركز حول الحرب على غزة والصراع في الشرق الأوسط. حيث تناول الإصدار الأول تفكيك نص القرار وسياقه الدولي والإقليمي، فيما ركز الثاني على تأثيراته المباشرة على غزة والقضية الفلسطينية، لينتقل الإصدار الثالث إلى مرحلة تقييم المآلات والتداعيات الاستراتيجية، وبذلك يكون قدم رؤية شاملة للقرار والخطة، وتأثيراتها وسيناريوهات تنفيذه.

مع إيضاح أن القرار لا يفتح مسارًا لتسوية سياسية مستدامة، وإن كان ثبت وقف إطلاق النار، بقدر ما يكرّس إطارًا لإدارة الأزمة، ويعكس في جوهره أولويات الولايات المتحدة وإسرائيل، ويترك فجوات قانونية وتنفيذية واسعة، لا سيما فيما يتعلق بهياكل الحكم المقترحة وآليات إنفاذها في المرحلة الثانية.
هذا مع حقيقة، أنه يحمل الدول العربية أعباءً متزايدة، مقابل تحقيق إسرائيل لأهدافها الأمنية، وإفلاتها من المساءلة، وفرض وقائع جديدة على الأرض، كل ذلك ضمن مثالب عدة، أنتجها خلل في ميزان القوة، وتباينات بين القوى العربية، غير ارتباطاتها بالولايات المتحدة، وعدم جديتها في اتخاذ مواقف مناسبة، مع ما جرى من حرب الإبادة، وما تلاها من تغيرات إقليمية.

وفى هذا الإصدار الجديد، ينتقل الباحث عصام شعبان إلى تحليل المآلات السياسية والأمنية والاستراتيجية للقرار، مع تركيز خاص على موقع مصر داخل الترتيبات المقترحة، وحدود تنفيذها، وإمكان تعديل الأدوار عبر نهج أكثر مبادرة، يناسب الدور المصري ووزنها الإقليمي، ويعالج تداعيات الحرب، بما يحفظ الحقوق الفلسطينية، ويحد من تكريس الهيمنة الإسرائيلية مستقبلًا.
القرار والأجندات المتقاطعة
يفكك التقدير القرار في ضوء الأجندتين الأمريكية والإسرائيلية، مبينا أن التقاطع بينهما يقوم على وحدة الأهداف، وإن اختلفت الأدوات.
حيث تسعى واشنطن إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب عبر توظيف الشرعية الدولية، وربط الملف الفلسطيني بترتيبات إقليمية أوسع، تشمل التطبيع وأمن الملاحة، مع نقل أعباء التمويل والإعمار والمشاركة الأمنية إلى الأطراف العربية، بما في ذلك الانخراط في “قوة الاستقرار” وتمويل عمليات الإعمار.
في المقابل، تركز إسرائيل على هدف أمني، يتمثل في نزع سلاح المقاومة، والحفاظ على حرية العمل العسكري، وفرض محيط أمني دائم، مع تجنب أي التزام سياسي نهائي، أو اعتراف بسيادة فلسطينية فعلية على غزة أو الضفة، بل ونفي قضية الشعب الفلسطيني وتحويلهم إلى مجرد سكان، أقصى ما تقدمه واشنطن وإسرائيل أفق لتعايش سلمي.
وعلى المستوى العربي، تكشف الحرب عن تحوّل بنيوي في موقع القضية الفلسطينية، من إطار إجماع قومي إلى ساحة تنافس إقليمي.
ويوضح التقدير توزع المواقف، بين دول تتحمل الكلفة الأمنية المباشرة، وفي مقدمتها مصر والأردن، وتسعى إلى منع التهجير وتصدير الفوضى، ودول عانت من هجمات إسرائيلية، وهي دول الطوق لبنان وسوريا، وأخرى تتحرك في مساحات الوساطة والإعمار وبناء النفوذ، دون أن تواجه التداعيات الأمنية نفسها، ذلك في مقابل قوى عربية تصطف بدرجات متفاوتة مع الأجندة الإسرائيلية.
مصر في قلب التداعيات
يولي التقدير اهتمامًا خاصًا بتفكيك تأثيرات القرار على الدور المصري. فالقاهرة معنية بإدارة المعابر، والتنسيق الأمني، وتيسير العمل الإنساني والإغاثي، ما يمنحها موقعًا محوريًا في أي ترتيبات مستقبلية. غير أن هذا الموقع ينطوي في الوقت ذاته، على مخاطر حقيقية، إذا ما جرى اختزاله في أدوار لوجستية أو تنسيقية ضمن هياكل تقودها الولايات المتحدة، بما يحد من الاستقلالية السياسية ويستنزف الموارد.

ويحذر التحليل، من أن وجود قوة دولية مسلحة على حدود مصر، أو استمرار الوجود الإسرائيلي في محيط رفح، يفرض واقعًا أمنيا جديدا، يمس السيادة، ويرتبط مباشرة بأمن سيناء واستقرار الحدود الشرقية. كما يربط التقدير بين استمرار عدم الاستقرار في غزة وتصاعد التوتر في البحر الأحمر، وما يترتب عليه من انعكاسات اقتصادية مباشرة، لا سيما على عوائد قناة السويس، في لحظة اقتصادية ضاغطة، ما يجعل ملف غزة جزءًا من دوائر الأمن القومي الأوسع، وليس مجرد مسألة حدودية أو إنسانية.
سيناريوهات ما بعد الحرب
وفي مقاربة المخاطر، يفكك التقدير التهديدات وفق سيناريوهات محددة، في مقدمتها خطر التهجير السكاني، بوصفه تهديدًا قصير المدى مرتفع الاحتمالية وذا تأثير وجودي على مصر والأردن. كما يناقش خطر الوصاية الدولية الممتدة التي قد تعيد إنتاج غزة ككيان إداري منزوع السياسة، إلى جانب سيناريو الانفلات الأمني وتآكل الدور المصري على المدى الطويل مع اتساع أدوار أطراف دولية وإقليمية.
وفي المقابل، لا تقدم هذه المخاطر، باعتبارها مسارا حتميا، إذ يشير التقدير إلى إمكان تحويل بعضها إلى مساحات تأثير، إذا ما جرى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، وبناء كتلة عربية فاعلة، وربط ملف الإعمار بمسار سياسي واضح. وفي هذا السياق، يطرح الإعمار باعتباره أداة سياسية واقتصادية في آن، لا مجرد ملف تقني، مع اقتراح إنشاء صندوق عربي لغزة، واعتماد مدينة العريش مركزًا إقليميا للتنسيق الإغاثي وإعادة الإعمار، بما يخلق مسارات موازية للهياكل الدولية، ويحافظ على شرعية التنفيذ الميداني.
سيناريو الاستنزاف
يرجح التقدير مسارًا وسطًا أقرب إلى “الاستنزاف”، حيث تظل غزة منطقة هشة أمنيا، خاضعة لوصاية دولية، مع استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وما يرافق ذلك من ضغوط متراكمة على مصر، في حين تبقى دول عربية أخرى أقل عرضة للتداعيات المباشرة.
وفي استشراف المسار المستقبلي، يبرز سيناريو “الوصاية أو الاستنزاف” بوصفه الأكثر واقعية في ظل موازين القوى الراهنة، مع بقاء سيناريو استعادة المبادرة قائما عربيا، إذا ما نجحت مصر في ربط الإعمار بإطار سياسي، وفرض مقاربة عربية لإدارة المرحلة الانتقالية، بما يعيد وصل غزة بالضفة ضمن إطار فلسطيني جامع.
قبول القرار لا يعني التسليم بأجندة إسرائيل
ويخلص التقدير، إلى أن قبول القرار 2803 لا يعني التسليم الكامل بنصوصه أو تفسيرات واشنطن وتل أبيب، بل يفتح هامش مناورة حتى لو محدودة، يمكن توظيفها لتقليص الخسائر ومنع تثبيت وقائع دائمة، تمس الأمن القومي، وتحرم الفلسطينيين من حقوقهم.
وفي هذا السياق، تواجه مصر اختبارا، يتجاوز إدارة أزمة غزة، ليطال موقعها الإقليمي وحدود قدرتها على التأثير في بيئة إقليمية عالية السيولة، تتداخل فيها ملفات الأمن والسيادة والتنمية والاستقرار طويل الأمد، في ظل توجه إسرائيلي عدواني متصاعد، أداة للهيمنة عبر الحرب، ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية، وكل من يقاوم نهجها العدواني ورغبتها في الهيمنة المطلقة في المنطقة وتهميش كل القوى الإقليمية.
لقراءة التقربر كاملا:






