عندما هدم النازي لندن فوق رؤوس سكانها أثناء الحرب العالمية الثانية، ودُعي العسكري السابق ورئيس الوزراء البريطاني وقتئذ ونستون تشرشل ليتحدث قال كلمته الشهيرة، لا داعي للقلق ما دام القضاء بخير. هذه العبارة أن دلت على شيء إنما تدل على أن استقلال القضاء هو حصن أمان للدولة برمتها، وليس فقط لنظام سياسي زائل يحل محل غيره بانتخابات أو بغير انتخابات. هذه المقدمة الواجبة، يتحتم ذكرها ونحن في يوم 6 فبراير على موعد طارئ ومهم لانعقاد الجمعية العمومية لنادي القضاة، دعى النادي إليها الأربعاء الماضي.

حتى الآن لم يعلن النادي عن أية تفاصيل سوى أنه في حالة انعقاد دائم، بسبب موضوع يمس استقلال القضاء. هكذا لم يشأ النادي القائم وسط القاهرة أن يذكُر التفاصيل، لكن ولأن الأخبار تتطاير كالنار في الهشيم، لا سيما وأن مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية باتت متحفزة لكل ما هو جديد، ولأن القنوات الرسمية تم تأميمها، فإن تلك المواقع أصبحت في تحد للهث وراء الأخبار، وبعضها دون شك قد يُصيب وقد يُخطأ، بسبب عدم نزاهة وحياد قطاع معتبر من الإعلام الرسمى سواء في الصحافة أو التليفزيون، ما جعل سياسة السبق بين المواقع، وسياسة المصارحة هي سيدة الموقف فيما يتعلق بمدى جدية وحقيقة ما يحدث خلف الكواليس. خلف الكواليس ووفقا لموقع “متصدقش” فإن الأمر يتعلق بـ”صدور قرار مرتقب بإلغاء مكتب التعيينات بمكتب النائب العام، وتولي الأكاديمية العسكرية ذلك الأمر”.

الفرق بين الحياة العسكرية والحياة المدنية

أستاذة العلوم السياسية والمفكرين وما انتجوه من فكر وأدبيات لا زال الكثير منها يُدرس حتى اليوم كقواعد راسخة في النظم السياسية، يقولون أنه لا مكان للديمقراطية داخل أى مؤسسة عسكرية، فحياة الأخذ والرد والرأي والرأي الأخر وحياة الاختيار، كلها تُدمر الجيوش، ومن ثم فإن الجيش المحترف هو القائم على طاعة الأوامر ومنع التسيُب. هنا يمكن للمرء أن يتذكر مصطلح مهم يختزل كل ما سبق، وهو مصطلح معروف لدى رجال الجيش يقول “نفذ الأوامر ثم تظلم” ليعبر عن الحسم والغلظة الضرورية والمانعة للإنفراط والتشرذم. ما من شك أن كل ما ذكر لا يمنع أن بالجيوش تجاوزات ونواقص، لكن يُجرى المحاسبة عليها بشدة عبر محاكم عسكرية تحكمها قوانين، وغالبا ما تأخذ تلك المحاكم الطابع السري لدعم ثقة الشعوب في مؤسساتهم العسكرية.

بالمقابل فإن الحياة المدنية لا تعرف الاستبداد والأوامر، بل هي حياة الرأي والرأي الأخر، حياة الحلول والمقترحات والبدائل، بها فن التفاوض والمساومة، بها سيناريوهات ومداخل تحتمل الإيجابيات وتحتمل المساوئ، ويتم اختيار البديل الأنجع بين كل ذلك. الحياة المدنية بها رقابة إدارية لمنع الفساد، وبها محاسبة سياسية عبر البرلمانات، غالبا ما تكون معلنة. بالحياة المدنية انتخابات وترشيحات وهو اسلوب لا تعتاده الحياة العسكرية إلا نادرا جدا.

هكذا يتضح أن الجيوش لو دخلتها الديمقراطية فسدت، وأصبحت الدولة مترهلة خاوية من الانضباط وأمنها القومي في حالة سيولة غير مقبولة، ومن ثم فإن أبلغ الضرر يحدث لو طالب أحد بمقرطة الجيوش.

وبالمقابل الحياة المدنية لو دخلتها الأوامر والتعليمات دون مقدمات ضرورية للحقوق المدنية للإنسان لفسدت هي الأخرى، فالاستبداد يطيح بالأخضر واليابس ومن ثم فاحترام المؤسسات المدنية الرسمية كالقضاة والبيروقراطية والبرلمان والجهات مقدمة الخدمات المعنية بالصحة والتعليم والاتصالات، وكذلك احترام المؤسسات المدنية غير الرسمية كالأحزاب والمجتمع المدني والإعلام وكل ما يخص الشأن التجاري والصناعي الخاص، كلها من الأمور الضرورية حتى تستقيم الدولة كدولة متمدينة وليست مارقة في المحيط الدولي، المحكوم بقانون دولي وبشرعة مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية.

دولة علمانية لا عسكرية ولا دينية

لذلك كله فإن ما يحدث كنموذج حي للدول المتمدينة، هو أن تقوم الدولة على العلمانية، فالدولة ليس لها دين، وهي أيضا ليست معسكرا. من هنا فإن الحديث عن تجييش المجتمع، أو تديينه يأتي بالوبال على الدولة التي تقود ذلك الفكر.

الجيش يأتمر بأوامر السياسيين، ولو اتمر بأوامر العسكريين فقط لكانت هناك مشكلة تفوق التنظيم، أيضا المدني لا يأتمر بأوامر العسكريين بل بأوامر السياسيين. السياسيون هم المنتخبون انتخابا حرا ونزيها وشفافا، حتى لو كانوا من أصول عسكرية، ومصر نموذج لتلك الحالة تماما، فالرئيس عبد الفتاح السيسي من أصول عسكرية، وهو رئيس منتخب يقود الحياة العسكرية والمدنية في آن.

مقابل ذلك كله لا يمكن البته أن يأتمر من هم بالمجتمع بأوامر الشيوخ أو رجال الدين، وإلا نصبح أيضا أمام دولة غير مدنية. بعبارة أخرى، يتحتم أن تكون المرجعية للمدنيين، صحيح أنه يمكن أن تنشأ أحزاب دينية كما هو حادث في بلدان أوروبية وعربية، لكن تبقى الكلمة لصناديق الانتخاب، وتبقى القيادة للمدنيين عبر المؤسسات. بمعنى أن الحياة المدنية لا تعرف كهنوت ولا أي طابع ثيوقراطي أو عسكريتاري يقود الحياة المدنية، فالمؤسسات سيدة الموقف، والإنفراد لفرد كان عسكريا أو شيخا على رأس المجتمع كدكتاتور أو حاكم مستبد غير مقبول.

العسكري قد يُخطأ والمدني قد يُصيب

من هنا يمكن للعسكري أن يُخطأ وممكن للمدني أن يُصيب، كما أن رجل الدين قد يُخطأ وقد يصيب، فالكل ينتمى إلى البشر، وكل بشر خطاء. من هنا فإن التشكيك في كل ما هو مدني أمر غير مقبول، والحمد والثناء على كل ما هو عسكري أو رجل دين أيضا على طول الخط أمر غير مقبول كذلك، فالكل يُخطأ ويُصيب. خذ مثلا حال الانتخابات (رغم اختلاف الشخوص الذين نتحدث عنهم) فقد ظلت البلاد لسنوات ولا زالت تؤمن بأن رقابة القضاء على الانتخابات أمر محمود وتركها لموظف الدولة يعرضها للتزوير، تبين في الانتخابات الأخيرة أن هذا القول يعوذه الدقة، بمعنى أن القضاة منهم من يخطأ ومنهم من يُصيب والعكس. كما أن لدى القضاة مشكلات كثيرة منها حكر تعيين الوظائف على الأقارب، لكن كل هذه الأمور يمكن إعادة تنظيمها والخلاص منها كلية.

هكذا يتضح أن أي موقع ذو أصول محددة لا يعطي لصاحبه أي حصانة أو ميزة في أي نظام سياسي متمدين. وقد شاهدنا الكثير والكثير في أوقات مختلفة داخل مصر وخارجها أن الفساد وعدم الرقابة وعدم المحاسبة لا يفرق بين عسكري وشيخ ومدني، فطالما غاب الضمير، وغاب القانون، واندثرت أدوات الرقابة والمحاسبة، خاصة مع خوف تلك الأدوات من كل ما هو عسكري، فإن الأمر يُنذر بحالة تحلل في النظام السياسي. من هنا فإن احتقار أي عسكري أو ديني أو من هو ذو أصول عسكرية أو دينية للغير المدني يُفضي إلى اوتوقراطية عسكرية أو ثيوقراطية دينية، تؤدي إلى التفكك على المدى الطويل لا محالة.

حصاد الهشيم في عسكرة المجتمع أو تديينه

وكما أن تحكم رجال الدين في التشريع كما في إيران، دون أن يعنى ذلك أهمية أخذ رأيهم في بعض الأمور، يأت بشرور لا حصر لها على المجتمع، فإن عسكرة الحياة المدنية كتدريب القضاة أو الدعاة، أو تدخل الجيش في التجارة والصناعة والمشروعات والاستثمارات ومؤسسات التعليم العالي ودون العالي، والتعاطي ولو بالواسطة مع العطاءات والمزايدات ذات الطابع المدني، أو حتمية تعيين أرباب المعاشات من العسكريين في المواقع المدنية…إلخ كلها أمور يجب الإقلاع عنها. وقد شكى صندوق النقد الدولي من أمر مهم يتعلق ببعض ما سبق، وقد صرح به أكثر من مصدر حكومي مصري، وهو أن الأخير يحتج لكون البلاد لها موازنتين أحدها ظاهر ومعلوم ورسمي، وأخر غير معلوم وغير رسمي، ما جعل القطاع الخاص ينحسر نشاطه، مقابل أعمال لا تُحصل منها ضرائب أو تتعامل باقتصادات السوق.

النظر إلى المستقبل من تلك الزاوية ما من شك أنه يُفضي إلى حل العديد من المشكلات، إذ سيجعل هناك احتراف للجيش، واحترام لقيم سامية مرد عليها، جيش وطني مصري مقدر، كان وحال وسيظل صونا وزادا لحماية الوطن من أعداء الخارج وحماية الثغور من كل مارق أو معتدي تسول له نفسه بالغزو أو النيل من هذا الشعب الذي أنشأ هذا الجيش العظيم، الذي مرد المصريين على أنه وحده الحصن المنيع على حدود البلاد الأربعة.