من المدهشات الكثيرة في تاريخ مصر الحديثة، أن نخبتها المدنية أخفقت، بل هُزمت بسهولة في كل اختبار حاسم لقدرتها الحقيقية على المشاركة في الحكم والسياسة، وذلك منذ الثورة العرابية، باستثناء نصف النجاح الذي تحقق في ثورة ١٩١٩، والأكثر إدهاشا أنه لا توجد- حتى الآن وفي حدود علمي- دراسة معمقة لجذور هذا الفشل المتكرر، سواء في تخصصات العلوم السياسية أو الاجتماع السياسي أو التاريخ الحديث، ومن ثم، فلم نضع أيدينا بعد على وصفة ناجحة لتفادي ذلك المصير البائس.
ومع ذلك، فهناك في أحوالنا ما هو أكثر بؤسا، وهو انقسام النخبة والمجتمع ككل إلى شراذم متناحرة حول كل حدث، وربما حول كل شخص من صناع الأحداث، بحيث ينعدم ما يسمى بالتيار الرئيسي في المجتمع، الذي يحتمل التنوع في إطار الوحدة، كما هي الحال في المجتمعات الناضجة، إلا باستثناءات محدودة زمنيا، منها عندما كان حزب الوفد في أوج قوته، ومنها فترة زخم المشروع الناصري بعد تأميم قناة السويس، وحتى هزيمة عام ١٩٦٧، ثم السنوات التالية لحرب أكتوبر عام ١٩٧٣ حتى مظاهرات الطعام في يناير عام ١٩٧٧، مع ملاحظة أن التيار الرئيسي في هاتين التجربتين الأخيرتين لم يتحول إلى بناء تنظيمي، وإنما كان أقرب إلى حالة تعبوية حول شخص الرئيس، لذا فقد انهار كل شيء عند أول أزمةّ.
قبل الاستطراد في تتبع تاريخ تخاذل النخبة في مفترقات طرق التاريخ المصري، أود الإشارة إلى أنني لا أزعم لنفسي القدرة على تفسير هذه الظاهرة تفسيرا شاملا مقنعا، ومن ثم فلا أدعي أيضا أنني أعرف سبل الوقاية من تكرارها، ولكني أجتهد في التفسير، والعلاج، بعد الشرح والفهم.
لنبدأ بالثورة العرابية، بما أنني لا أتفق مع إدانة السيد عمر مكرم وعموم الحركة الشعبية التي نصبت محمد علي واليا على مصر بأثر رجعي، على نحو ما قيل بعد تسليم مصير ومسار ثورة يناير ٢٠١١ للمؤسسة العسكرية، وكأن القياس متطابق، وهو ليس متطابقا، حيث كان مصدر الشرعية، ومن ثم السلطة في تجربة محمد علي وعمر مكرم هو السلطان العثماني بوصفه خليفة المسلمين، في حين أنه في يناير ٢٠١١ وما قبله كان الفكر السياسي قد استقر منذ آماد طويلة على أن الشعب أو الأمة هما مصدر الشرعية والسلطة، (مع وجود قدر ضئيل من اللبس، أو الخلط بين المصدرين في حالة الثورة العرابية).
كما نعرف فإن معظم زعماء النخبة المدنية للثورة العرابية خانوا الثورة، في لحظة الحسم، أي عندما قرر الخديوي توفيق طلب التدخل العسكري الإنجليزي، واصطفوا خلفه، ورحبوا بالاحتلال، وكان هؤلاء من كبار ملاك الأراضي، ومع أن التاريخ لا يعترف بسؤال، ماذا لو لم تحدث هذه الخيانة؟ فإنه لا مانع من التفكير في الإجابة، لأنها تقدم درسا مفيدا للأجيال التالية، أو هذا ما يجب أن يكون، وإجابتنا هي أنه مع الإقرار بصعوبة الموقف بعد إعلان السلطان العثماني عصيان عرابي، ودعوة الخديوي للتدخل البريطاني، فإن عدم خيانة النخبة كان ضروريا لتوثيق جناية توفيق، واعتباره خائنا كحكم نهائي، ولحفظ شرف الأمة والنخبة معا، ولتجنب فترة الشك الطويلة في وجاهة وأحقية مطلب الدستور والاستقلال، التي أعقبت الهزيمة.
ويزيد هذا الاستنتاج وضوحا، أن أولئك الذين قاوموا غواية الخيانة هم الذين عادوا بعد الإفاقة من صدمة الاحتلال إلى قيادة المجتمع من خلال تنظيمات المجتمع المدني، وكان في مقدمة هؤلاء الإمام محمد عبده، وتلاميذه، وعبد الله النديم، بل والأمير عمر طوسون، ومن ثم، أفرزوا قيادة وكوادر ثورة ١٩١٩، في جميع ميادين الحياة المصرية.
ولا جدال، أن توحد التيار الرئيسي للحركة السياسية في المجتمع قبيل هذه الثورة (أي ثورة ١٩١٩ ) وراء مطلبي الاستقلال والدستور، هو الذي أنجز ما أسميناه- فيما سبق- نصف الانتصار، فألغيت الحماية البريطانية، وسقط مشروع ضم مصر إلى مستعمرات التاج، ثم صدر دستور عام ١٩٢٣، لكن ما تلا ذلك من تطورات شهد فصولا متتالية من فشل النخبة، ولا أقصد انقسام قيادة الثورة إلى متشددين ومعتدلين، فذلك من طبائع الأمور، ولكني أقصد تصميم أولئك المعتدلين على عدم الرضوخ لإرادة الأغلبية الشعبية، فرفضوا قبول الهزيمة الانتخابية، باعتبار أن هذا القبول هو الشرط الأساسي لنجاح واستمرار الحكم الديمقراطي، مما دفعهم إلى مشاركة القصر الملكي في تدبير وتنفيذ كافة الانقلابات الدستورية، للوصل إلى الحكم على أنقاض الدستور، ومما جعل التجربة كلها عرجاء، حتي شُلت تماما بعد حريق القاهرة في يناير عام 1952.
إلى هنا أدعو القارئ المهتم ليتخيل السيناريوهات البديلة المفترضة للحالة العكسية، أي حالة احترام القصر وأحزاب الأقلية (أي نخبة كبار الملاك ونخبة الإنتليجنسيا) الدستور نصا وروحا، وقبلوا مبدأ المشاركة الشعبية في السلطة، أي التسليم بحق حزب الأغلبية في تولي السلطة، وممارستها وفقا لأحكام الدستور.
على أية حال، ظل هذا هو الوضع حتى فرض تطور الأحداث أهم اختبار على النخبة المدنية عام ١٩٥٢، لتفشل فيه فشلا ذريعا، ولكن الفشل هذه المرة كان من فعل حزب الأغلبية الحاكم نفسه، وكان هو السبب في انقلاب ضباط يوليو على النظام كله، فقبل ثلاثة أشهر من بدء ذلك العام ألغت حكومة الوفد معاهدة ١٩٣٦، وأعلنت مقاطعة القاعدة العسكرية البريطانية في منطقة القناة، وساندت العمليات العسكرية ضدها، وكان ذلك خروجا ثوريا على نهج الوفد السلمي التفاوضي، الذي تأسس عليه الحزب منذ لحظة ميلاده، وأدت سلسلة تصاعد الأحداث- كما هو معروف- إلى حريق القاهرة يوم ٢٦ يناير، فأسرع الملك إلى إقالة الحكومة، التي رضخت للإقالة، دون أن ينتبه أحد في الحزب وقتها إلى الأوجب في هذه اللحظة هو تحدي القصر ذاته، بل وقيادة عملية ثورية جديدة، تغير وجه التاريخ، وتجبر الملك على التراجع أو التنازل.
كان اخفاق النخبة في ذلك الاختبار الحاسم مترتبا- في حقيقته- على إخفاق سابق عليه داخل حزب الوفد نفسه، وهو فشل كتلة الطليعة الوفدية الممثلة للجيل الشاب في الحزب، ليس فقط في تولي دفة القيادة، ولكن حتى أيضا في المشاركة في تلك القيادة، ليبقى التيار الرئيسي في السياسة المصرية رهنا لقيادة كبار الملاك وكبار السن حتى مجيء ضباط يوليو.
لنمر سريعا على خسارة النخبة المدنية لكل الاختبارات التي دخلتها أمام الضباط، حتى استقرت السلطة في أيديهم دون منازع منذ عام ١٩٥٦، حتي ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وهنا سقطت النخبة سقوطا مشينا في مفصلين رئيسيين، الأول هو تسليم مصير ومسار الثورة بالكامل للمؤسسة العسكرية، باعتبارها مؤسسة وطنية باتفاق الجميع، ليس على أساس المشاركة، ولكن على أساس التفويض، فيما انشغلت النخبة المدنية بمعركة مفتعلة استنزفتها، وأرهقت المجتمع كله حول سؤال، هل يجوز تعديل دستور عام ١٩٧١، كما كان الحاصل، أم أن هذا الدستور قد سقط، ومن ثم يجب إصدار إعلان دستوري مؤقت، تمهيدا لوضع دستور جديد كلية، فكان ذلك أول صدع كبير في بنيان القوى المدنية، لحساب كل من التيار الديني، وقوى الدولة العميقة لنظام يوليو ١٩٥٢، لتسير التطورات على النحو الذي نعرفه، حتى وصلنا إلى المفصل الثاني، الذي فشلت فيه النخبة المدنية أيضا فشلا أدهى وأمر، لأنه تسبب في عودة الحكم الفردي الاستبدادي الإقصائي، فقد ساهم المدنيون في الانقلابات المتوالية على خريطة الطريق ليوم ٣ يوليو عام ٢٠١٣، والتي كانت تضع الموازين القسط لنظام يقوم على المشاركة الحقيقية بين المجتمع وبين الدولة العميقة، وليس التبعية، وذلك لأول مرة منذ قيام نظام الضباط، وأما من لم يسهموا في صنع تلك الانقلابات فقد سكتوا عنها، حتى أُخرجوا من المشهد كله، غير مأسوف عليهم، و دون كلمة اعتراض واحدة٠
كيف حدث ذلك؟ وما هي الأسباب العميقة لخَوَر النخبة المدنية، وتهافتها التاريخي؟
سنحاول الإجابة في المقال التالي






