لم يعد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي مجرد منصة لمناقشة قضايا النمو والاستثمار والحوكمة الاقتصادية، بل تحوّل في نسخته الأخيرة مطلع عام 2026، إلى مرآة عاكسة لاضطراب عميق، يضرب بنية النظام الدولي ذاته. فبين استمرار الحرب الروسية– الأوكرانية، وتصاعد الانقسامات داخل المعسكر الغربي، وعودة الولايات المتحدة إلى خطاب قومي صدامي في عهد الرئيس دونالد ترامب، بدا دافوس، وكأنه مؤتمر لإدارة عالم، يفقد قواعده القديمة دون أن تتضح بعد معالم البديل.

انعقاد المنتدى هذا العام جاء في لحظة مفصلية: أوروبا تعيش واحدة من أخطر مراحلها منذ نهاية الحرب الباردة، الولايات المتحدة تعيد تعريف علاقتها بحلفائها، وروسيا والصين تواصلان الدفع باتجاه نظام دولي متعدد الأقطاب. أما دول العالم الثالث، وعلى رأسها إفريقيا، فتجد نفسها مرة أخرى خارج غرف القرار، لكنها في قلب التداعيات.

دافوس.. من اقتصاد العولمة إلى سياسة الاضطراب

منذ تأسيسه، ارتبط منتدى دافوس بفكرة “العولمة الليبرالية” القائمة على الأسواق المفتوحة، والمؤسسات الدولية، والتعاون متعدد الأطراف. غير أن دورة 2026 كشفت بوضوح أن هذه المسلمات لم تعد محل إجماع.

في الجلسات المغلقة والخطابات العلنية، تكررت عبارات من قبيل: النظام العالمي القائم لم يعد صالحاً، القواعد القديمة لم تعد تُحترم، والعالم يتجه نحو مرحلة انتقالية غير مستقرة. لم تكن هذه مجرد توصيفات أكاديمية، بل اعترافات سياسية من قادة حاليين وسابقين، بأن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وربما حتى ما بعد الحرب الباردة، تقترب من نهايتها.

دافوس لم يقدم حلولاً بقدر ما كشف حجم التصدع: تراجع الثقة في المؤسسات الدولية، ضعف القدرة على فرض القانون الدولي، وصعود منطق القوة والمصلحة الضيقة على حساب القواعد.

ترامب.. أمريكا أولا

شكّل حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحد أكثر عناصر دافوس إثارة للجدل. فترامب لم يأتِ بخطاب تصالحي، يعيد طمأنة الحلفاء، بل أكد مرة أخرى، أن أولويته هي “أمريكا أولاً”— حتى لو كان ذلك على حساب النظام الغربي نفسه.

 جرينلاند وكندا: حدود غير مستقرة للغرب

تصريحات ترامب حول جرينلاند— سواء بوصفها صفقة استراتيجية أو “مصلحة أمن قومي”— لم تكن مجرد استفزاز دبلوماسي للدنمارك وأوروبا، بل إشارة واضحة إلى تحوّل خطير في التفكير الجيو سياسي الأمريكي.

حدود النفوذ الغربي لم تعد خطوطاً ثابتة، حتى بين الحلفاء.

أما كندا، التي طالما اعتُبرت الشريك الأكثر استقراراً للولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها أيضاً تحت خطاب استعلائي، يلمّح إلى إعادة تعريف العلاقة على أساس المنفعة الصرفة لا الشراكة المتكافئة.

هذه المقاربة تطرح سؤالاً مركزياً.

إذا كانت واشنطن مستعدة للضغط على أقرب حلفائها، فكيف ستتعامل مع خصومها أو شركائها الهشّين؟

 نهاية “القيادة الأمريكية الليبرالية”

في دافوس، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة لم تعد ترى نفسها “قائدة للنظام الدولي”، بل لاعباً قوياً، يسعى لفرض شروطه. هذا التحول يضعف فكرة الغرب الموحّد، ويمنح خصومه— وعلى رأسهم روسيا والصين— مساحة أوسع للمناورة.

أوروبا.. القارة المحاصَرة بين جبهتين

أوروبا كانت الخاسر الأكبر معنوياً في دافوس 2026. فهي تجد نفسها عالقة بين روسيا التي تواصل حرب الاستنزاف في أوكرانيا، والولايات المتحدة التي لم تعد تقدّم ضمانات سياسية أو أمنية غير مشروطة.

 الحرب الأوكرانية: استنزاف طويل الأمد

رغم مرور سنوات على اندلاع الحرب، لا تزال أوكرانيا تمثل الجرح المفتوح في الجسد الأوروبي، الحرب لم تعد مجرد نزاع حدودي، بل تحوّلت إلى اختبار شامل لقدرة أوروبا على الصمود الاقتصادي، وتوحيد القرار السياسي، وبناء استقلالية دفاعية حقيقية، لكن دافوس أظهر أن هذه الاستقلالية لا تزال بعيدة المنال، فالاعتماد العسكري على الولايات المتحدة مستمر، بينما تعاني الاقتصادات الأوروبية من آثار العقوبات، وأزمات الطاقة، والتضخم، وصعود التيارات الشعبوية.

أزمة الثقة داخل الناتو

خطاب ترامب أعاد فتح جرح قديم داخل حلف شمال الأطلسي.

من يدفع؟ ومن يحمي من؟

أوروبا تدرك اليوم، أن المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة كما كانت، لكنها في الوقت ذاته غير قادرة حتى الآن، على بناء بديل أمني متكامل. هذا الفراغ الاستراتيجي يضع القارة أمام سيناريوهات غير مريحة، من بينها تراجع دورها العالمي، أو اضطرارها لعقد تسويات قاسية مع روسيا.

النظام العالمي الجديد.. تعددية بلا قواعد

أحد أبرز استنتاجات دافوس 2026، هو أننا لا نتجه فقط نحو تعددية قطبية، بل نحو تعددية فوضوية، ففي غياب قواعد متفق عليها، تتحول التعددية من توازن إلى صراع دائم. الصين وروسيا تدفعان باتجاه نظام بديل، يقلل من هيمنة الغرب، لكن دون تقديم نموذج مؤسسي واضح في المقابل، الغرب ذاته لم يعد متماسكاً، بما يكفي للدفاع عن نموذجه القديم النتيجة هي عالم تحكمه صفقات ثنائية بدل الاتفاقيات متعددة الأطراف، مناطق نفوذ بدل منظومة أمن جماعي، منطق القوة بدل القانون.

العالم الثالث وإفريقيا.. في قلب العاصفة لا على طاولة القرار

رغم الحضور الشكلي لبعض قادة دول الجنوب في دافوس، فإن واقع الحال يؤكد أن العالم الثالث ما يزال متلقياً للنتائج لا مشاركاً في صنعها، المخاطر المباشرة، تتمثل في التحولات الجيو سياسية الكبرى، تنعكس على دول إفريقيا والعالم النامي عبر تقلبات أسعار الغذاء والطاقة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وتشدد شروط التمويل والدين، وازدياد التنافس الدولي على الموارد دون مراعاة للتنمية المحلية. في ظل نظام عالمي أقل استقراراً، تصبح الدول الهشّة أكثر عرضة للصدمات، وأكثر قابلية للتحول إلى ساحات صراع بالوكالة.

 فرص محدودة ولكنها حقيقية

رغم المخاطر، فإن النظام العالمي الجديد يفتح نافذة— وإن كانت ضيقة— أمام دول الجنوب، خاصة إذا أحسنت إدارة موقعها، تنويع الشراكات الدولية بدل الارتهان لمحور واحد، استثمار التنافس بين القوى الكبرى لتحسين شروط التفاوض، تعزيز التكتلات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي كمظلة تفاوض جماعي.

غير أن اغتنام هذه الفرص يتطلب دولاً قوية من الداخل، وهو الشرط الذي لا يزال غائباً في كثير من الحالات.

خاتمة: دافوس كإنذار مبكر

لم يكن دافوس 2026 مؤتمراً عن المستقبل، بقدر ما كان إنذاراً مبكراً بانهيار الترتيبات القديمة. عالم ما بعد القواعد يقترب، لكن دون تصور واضح لما سيحل محلها.

أوروبا تواجه لحظة وجودية، الولايات المتحدة تعيد تعريف ذاتها كقوة قومية لا كقائدة نظام، وروسيا والصين تستثمران في هذا الفراغ. أما دول العالم الثالث، فتقف مرة أخرى أمام خيارين: إما أن تكون ضحية للتحولات، وإما فاعلاً— ولو محدوداً— في إعادة تشكيل التوازنات.

السؤال الذي تركه دافوس مفتوحاً ليس: هل تغيّر العالم؟

بل: من سيدفع ثمن هذا التغيّر، ومن سيملك القدرة على توجيهه؟