في عالم تتراجع فيه الحدود المادية لصالح شبكات من البيانات، تبرز «الممرات الرقمية» كشرايين الاقتصاد العالمي وساحة صراع أعلى النفوذ.

لم تعد القوة تُقاس بالسيطرة على الممرات البحرية الناقلة للنفط والسلع، بل وأيضا بالهيمنة على تدفق أصل عالي القيمة: البيانات.

وفي قلب هذه الخريطة الرقمية، تقف مصر لا كمجرد نقطة عبور، بل كعقدة ربط مركزية. فاختزال دورها في كونه محورًا رقميًا، هو فهم يتجاهل جوهر قوتها الاستراتيجية؛ إذ تربط بين أربع قارات: أوروبا المتعطشة للبيانات، وآسيا مصدرها الرئيسي، وإفريقيا سوقها الواعد، والشرق الأوسط مركزها المالي.

الممرات الرقمية
الممرات الرقمية

ويمر عبرها، قرابة 90% من حركة البيانات بين الشرق والغرب، ما يمنحها هيمنة جغرافية، تعززها نقاط إنزال بحرية متعددة على البحرين الأحمر والمتوسط، وشبكة عبور برية مؤمنة تحت سيادتها، وهي ميزة لا يمتلكها أي منافس آخر في المنطقة.

هنا يطرح السؤال نفسه: هل وظفت مصر هذه المزايا؟ وأين تقف اليوم داخل خريطة الممرات الرقمية العالمية؟

السؤال لا يتعلق بالموقع وحده، بل بقدرة الدولة على تحويله إلى نفوذ فعلي.

ينطلق هذا التحليل من اعتبار الممرات الرقمية تحولا في طبيعة القوة، لا مجرد تطور تقني في قطاع الاتصالات. فالدول لم تعد تتنافس على الأرض أو الموارد التقليدية فقط، بل على تدفق البيانات الذي يدير حركة المال، والتجارة، والخدمات، والأمن، وصناعة القرار. بهذا المعنى، انتقلت الممرات من خانة البنية التحتية إلى خانة السيادة، في أحد ملفات القوة.

ما هي الممرات ومن يتحكم فيها؟

الممر الرقمي هو شبكة مادية، تضم كابلات الألياف الضوئية، ونقاط الإنزال، ومسارات العبور، ومراكز البيانات.

 وتمر عبرها المعاملات البنكية، وسلاسل الإمداد، والاتصالات الحكومية والعسكرية، والخدمات السحابية، ما يصنفها ضمن البنية التحتية الحرجة التي لا تحتمل الاضطراب.

ومصر ليست مجرد دولة، يمر عبرها كابل أو اثنان، بل عقدة جغرافية، تربط البحرين الأحمر والمتوسط، وأوروبا وآسيا وإفريقيا، ما يجعلها جزءًا أصيلًا من خريطة تدفق البيانات العالمية.

الممرات
الممرات

وتشير خرائط الكابلات الدولية إلى أنها من أعلى مناطق العبور كثافة لحركة البيانات بين آسيا وأوروبا، مستفيدة من التقاء المسارات البحرية، حيث يمر عبرها أكثر من 15 كابلًا بحريًا نشطًا، وتصنَّف ضمن أهم خمس عقد عبور عالمية لتدفقات البيانات بين الشرق والغرب، حسب خريطة الكابلات.

تتحدد قدرة الدول على تحويل الموقع إلى نفوذ فعلي عبر التشريعات، والاستثمارات، والحماية، والحوكمة؛ إذ لم تعد تتنافس على الأرض أو الموارد التقليدية فحسب، بل على تدفق البيانات الذي يدير المال، والتجارة، والخدمات، والأمن، وصناعة القرار، وهو ما نقل الممرات الرقمية من خانة البنية التحتية إلى السيادة.

إدارة القوة الرقمية.. تحويل الجغرافيا إلى نفوذ

لا تتحول الجغرافيا إلى نفوذ تلقائيًا. هذه ليست فرضية نظرية، بل نتيجة تؤكدها تجارب دول تمتلك مواقع عبور أقل أو مساوية لمصر، لكنها تعاملت معها بمنطق مختلف. الفارق لا يكمن في تعريف الممر الرقمي داخل الدولة، بل في حسم ما إذا كان خدمة تشغيلية أم أصلًا سياديًا يُدار.

تجارب إقليمية ودولية

تركيا: من دولة عبور إلى عقدة تفاوض

تمتلك تركيا موقعًا يربط آسيا بأوروبا عبر مسار أطول وأكثر تعقيدًا من المسار المصري، لكنها لم تتعامل مع الممر الرقمي كامتداد لقطاع الاتصالات فقط، بل ربطته مبكرًا بمفهوم الاستقلال الرقمي ودور الدولة التفاوضي، فرضت أنقرة قواعد تنظيمية على مسارات العبور، وربطت تشغيل الكابلات بالبنية الداخلية، ودفعت نحو توطين مراكز بيانات وخدمات رقمية داخل أراضيها.

لم تحقق تفوقًا تقنيًا على المسار المصري، لكنها نجحت في تحويل موقعها إلى أداة تفاوض عند الحاجة؛ فهي لا تنافس مصر بالكفاءة، بل بتقديم خيار سياسي وتنظيمي مختلف للشركات والدول.

سنغافورة: النموذج المرجعي لا الجغرافي

سنغافورة لا تمتلك موقعًا مماثلًا لمصر، لكنها تقدم نموذجًا مهمًا لفهم الفرق بين العبور والإدارة، حيث تعاملت مع الممر الرقمي كملف سيادي منذ البداية، وأنشأت حوكمة مركزية، تجمع بين التنظيم، والأمن، والاستثمار. لم تترك السوق يحدد الاتجاه، بل حددت هي الإطار الذي يعمل داخله السوق.

هذا النموذج يوضح نقطة جوهرية:الموقع ليس شرطًا كافيًا للنفوذ، الإدارة وحدها قادرة على تعويض نقص الجغرافيا، أو على الأقل تعظيمها.

اليونان وإيطاليا: العبور المرتبط بالقيمة

في شرق المتوسط، تعاملت اليونان وإيطاليا مع الممرات الرقمية كجزء من استراتيجية أوسع لربط العبور بالقيمة الاقتصادية، لم تكتفِ الدولتان باستضافة الكابلات، بل ركزتا على جذب مراكز بيانات وربط نقاط الإنزال بأسواق الطاقة والخدمات.

 هذا النموذج يقلل الفجوة التشغيلية، إذ لا تُقاس الأهمية بعدد الكابلات فقط، بل بحجم القيمة التي تُخلق داخلها، وتحويل نقاط العبور إلى عقد تشغيلية، يصعب تجاوزها حتى مع وجود مسارات أقصر.

كيف أدارت أوروبا “عقدة الاعتماد”؟ وما الذي يعنيه ذلك لمصر؟

إذا أردنا نموذجًا دوليًا ومباشر الصلة بمصر، فالأفضل هو أوروبا، التي تعتمد على مسارات وبنى تحتية لا تملكها بالكامل، مع إدارة المخاطر دون تعطيل السوق. الاتصال الرقمي لديها ليس رفاهية، بل شرطا لاستقرار الاقتصاد والسياسة والأمن، فتتحرك في ثلاثة اتجاهات متزامنة، تأمين الاتصال، تنويع المسارات، وبناء قدرات داخلية تقلل الاعتماد.

تأمين الاتصال: تحويل القرار من تنظيمي إلى سيادي عبر حماية البنية التحتية الحرجة، وفرض قواعد تشغيل تجعل أي تعطيل مكلفًا.

تنويع المسارات: لتقليل الاعتماد على أي نقطة واحدة، ليس لتجاوز مصر، بل لإتاحة بدائل تقلل المخاطر، قاعدة أساسية في الأمن الاقتصادي الأوروبي.

بناء قدرات داخلية: مراكز بيانات، سحابة، وحوكمة بيانات، بحيث لا تقتصر المعالجة على المرور، بل تُخزن وتُدار داخليًا. إذا ظل دور مصر مجرد مرور، يظل قابلًا للمقايضة، أما إذا تحول إلى عقدة تشغيلية، يصبح جزءًا من استقرار النظام الرقمي الأوروبي.

هذا النموذج يضع مصر أمام حقيقة عملية: العالم سيستمر في بناء بدائل؛ لأنه يخاف من المركزية، لكن مصر تستطيع رفع كلفة تجاوزها؛ إذا ربطت العبور بالتشغيل والحماية والحوكمة.

أين تقف مصر بين هذه النماذج؟

تقف مصر في موقع فريد: جغرافيًا أقوى من تركيا، وأكثر مركزية من اليونان وإيطاليا، لكنها إداريًا أقرب إلى نموذج «العبور الصامت». تمر الكابلات وتتحقق الفائدة التشغيلية للشركات؛ نتيجة قِصر المسافة وانخفاض زمن الانتقال مقارنة بالبدائل، وتشير تقديرات إلى أن نحو 17%– 25% من تدفقات البيانات تمر عبر مسارات البحر الأحمر، ثم شرق المتوسط، غير أن مصر لا تزال تتعامل مع الممر كملف تشغيل، لا كأداة نفوذ.

الفرق الجوهري أن تركيا حسمت تعريف الممر الرقمي سياسيًا، بينما لا يزال التعريف المصري مترددًا بين كونه ملف اتصالات أو ملف استثمار، دون إعلان واضح بأنه ملف سيادة. تقوم المنافسة مع مصر على استغلال هذا التأخر؛ فالدول المجاورة لا تسعى إلى إلغاء المسار المصري، بل إلى تقليل مركزيته عبر نماذج إدارة مختلفة.

وكلما ظل الدور المصري قائمًا على الجغرافيا وحدها، زادت قدرة هذه النماذج على جذب جزء من النفوذ، المسألة في جوهرها: متى تحسم مصر تعريف الممر الرقمي داخل الدولة؟ هل هو مجرد طريق يمر، أم عقدة تُدار؟

مصر والبدائل الدولية: منطق تقليل الاعتماد بعد 2030

لا تُبنى البدائل للممرات الرقمية لإزاحة المسار المصري، بل وفق منطق دولي أبسط وأخطر: تقليل الاعتماد على نقطة واحدة. هذا المنطق يحكم سلوك الدول والشركات عند إدارة البنية التحتية الحرجة، فكلما زادت مركزية مسار واحد، ارتفعت المخاطر، حتى لو ظل الأكثر كفاءة تقنيًا.

لذا، لا تُقرأ التحركات نحو مسارات بديلة كموقف ضد مصر، بل كسلوك اعتيادي لإدارة المخاطر. المسارات البديلة، التركي، الخليجي- الشرقي المتوسطي، والإفريقية، أكثر كلفة وتعقيدًا، لكنها توفر خيارات احتياطية، تقلل الاعتماد على عقدة واحدة.

حتى الآن، لا يقدم أي بديل مزيج الكفاءة والموثوقية الذي يوفره المسار المصري، لكن الخطر يكمن في تراكم البدائل؛ فكل مسار إضافي يسحب جزءًا محدودًا من الوزن، ومع الوقت يتراجع الدور، إذا ظل المصري قائمًا على العبور وحده، رغم الاستثمارات في البدائل الأقل كفاءة عبر الأناضول أو شرق إفريقيا، حيث تظل السعة، وزمن الانتقال أقل تنافسية مقارنة بمصر.

هنا يتحدد الفارق في سيناريوهات ما بعد 2030؛ إذا بقي الدور المصري محصورًا في تمرير الكابلات، ستستمر البدائل في النمو. أما إذا تحول المسار إلى عقدة تشغيلية متكاملة، تربط العبور بالمعالجة والتخزين والخدمات السحابية، فإن مصر ترفع كلفة تجاوزها، وتتحول من خيار جغرافي إلى ضرورة تشغيلية.

الخلاصة، أن المنافسة في الممرات الرقمية لا تُحسم بالجغرافيا، ولا تُلغى بوجود بدائل. تُحسم بقدرة الدولة على رفع كلفة تجاوزها. هذا هو التحدي الحقيقي أمام مصر، وهو الامتداد الطبيعي لما سبق: الموقع موجود، لكن الوزن يتحدد بقرار الإدارة، لا بعدد الكابلات.

الممر الرقمي– من يملك القرار ومن يدفع الثمن؟

لا يتحكم في الممر الرقمي طرف واحد، فالقوة تتوزع بين فاعلين، تتقاطع مصالحهم وتتصادم أحيانًا، وفهم سلوكهم شرط لفهم موقع مصر.

الدول تمثل دورا فاعلا، لكن ليست كتلة واحدة: دول العبور مثل مصر وجيبوتي وإيطاليا واليونان تتحكم في الأرض ونقاط الإنزال، وتملك حق السماح والتنظيم، لكنها لا تقرر التشغيل أو الاستثمار وحدها.

دول الطلب، وعلى رأسها أوروبا، تهتم بالاستقرار وزمن الانتقال أكثر من السيطرة الجغرافية، أما دول الاستثمار، خصوصًا الخليج والصين؛ فتسعى للنفوذ عبر التمويل.

الشركات تلعب الدور الأكبر: شركات الكابلات ترسم المسارات، وشركات الحوسبة السحابية تحدد مكان المعالجة والتخزين، وتخلق القيمة الحقيقية، وشركات مراكز البيانات تقرر من هو المركز ومن هو الهامش.

رسوم العبور لا تمثل سوى جزء محدود من القيمة الاقتصادية، بينما تتحقق الفائدة الأكبر من المعالجة والتخزين والخدمات السحابية، ما يحول الممر من مجرد مرور إلى مركز خلق قيمة.

الفاعلون غير المباشرين يشكلون الحلقة الصامتة: الجيوش تحمي البنية التحتية، الاستخبارات تراقب المخاطر، التحالفات الدولية تضع قواعد حماية، ومؤسسات التمويل تضغط بشروطها، جميعهم حاضرون في القرار رغم غيابهم عن المؤتمرات. الدولة التي لا تفهم هذه الخريطة، تظن نفسها لاعبًا رئيسيًا، بينما تتحرك اللعبة فوق رأسها.

المخاطر والتهديدات: لماذا تتحول الكابلات إلى جبهة أمنية؟

الحديث عن الممرات الرقمية كملف سيادة، يطرح سؤالًا مباشرًا: ما الذي يهددها؟ الخطر لا يقتصر على الأعطال التقنية، بل يشمل ثلاثة مستويات من الخطر: الأعطال، الاستهداف، والابتزاز.

الأعطال طبيعية، لكنها تتحول إلى اختبار لقدرة الدولة على الاستجابة والإصلاح، فغياب القدرة يفتح المجال للسوق للبحث عن بدائل، حتى لو كانت أقل كفاءة. الاستهداف قد يكون ماديًا، تعطيل محدود في نقطة حساسة، أو سيبرانيًا، يستهدف أنظمة الإدارة والربط والخدمات. في كلا الحالتين، لا تكفي عقلية “وزارة اتصالات”، بل يجب التعامل كبنية تحتية حرجة، بتنسيق بين الجهات السيادية والتشغيلية.

الابتزاز هو الأخطر، لأنه لا يظهر في الأخبار، يظهر في التفاوض: عندما تدرك الأطراف، أن لديك نقطة اختناق، تبدأ محاولات تحويل هذه النقطة إلى أداة ضغط: شروط استثمار، شروط تشغيل، أو حتى ضغط سياسي غير مباشر عبر الاقتصاد الرقمي، ويكفي أن تشعر الشركات، أن البيئة لم تعد محكومة بقواعد واضحة، فتبدأ في نقل استثمارات المعالجة والتخزين إلى مكان آخر، مع الإبقاء على العبور مؤقتًا، هنا يبدأ التآكل الحقيقي.

ولهذا السبب، تُدمج حماية الكابلات عالميًا في استراتيجيات أمن قومي، لا في كتيبات تشغيل، وهذا يقودنا إلى النموذج الأوربي، لأنه يشرح كيف ترى القوى الكبرى هذا الملف.

مصر داخل لعبة النفوذ الرقمي: من عبور البيانات إلى إدارة الضغط

لا تُستخدم الممرات الرقمية في الشرق الأوسط بوصفها بنية تحتية محايدة. بل بوصفها أداة نفوذ غير معلنة، لكنه حاضر في التفاوض، وفي حسابات المخاطر، وفي قرارات الشركات، حين تختار أين تمر البيانات، وأين تُعالج؟

وتتحول الممرات الرقمية إلى ورقة ضغط عبر ثلاث آليات: التحكم في نقاط العبور، جذب أو إبعاد منصات التشغيل، وربط الممرات بتحالفات سياسية واقتصادية أوسع، ويتزامن الصراع على الممرات الرقمية مع نمو غير مسبوق في حركة البيانات عالميًا، مدفوعًا بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع، أن تتضاعف حركة البيانات العالمية عدة مرات بحلول 2030 مقارنة بمستويات العقد الحالي، هذا يرفع أهمية العُقد التي تجمع بين العبور والمعالجة، ويزيد كلفة فقدانها.

هذه الآليات لا تُدار بالصدام، بل بالإشارة، الدولة التي تملك موقع العبور، لا تحتاج إلى التهديد، يكفي أن تُشعر السوق، بأنها طرف لا يمكن تجاوزه بسهولة.

تقف مصر في قلب المعادلة، تمر الكابلات عبر أراضيها، وتستفيد الشركات من المسار الأقصر والأكثر استقرارًا، لكن هذا العبور لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ تفاوضي. السبب أن النفوذ لا يُخلق عند نقطة المرور، بل عند نقطة القرار. أين تتم المعالجة؟ من يضع شروط التشغيل؟ ومن يملك حق التدخل وقت الأزمات؟

في الشرق الأوسط، تظهر دول تحاول استخدام الممرات الرقمية بوصفها جزءًا من حزمة نفوذ أوسع، لا تكتفي بتمرير الكابلات، بل تربطها بمشروعات طاقة، ومواني، ومدن اقتصادية، الهدف ليس تقنيا، بل خلق شبكة مصالح تجعل تجاوزها مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا. هنا يصبح الممر الرقمي جزءًا من معادلة نفوذ ومعادلة ترتبط  بالممرات الحيوية.

في المقابل، مصر تمتلك نقطة اختناق حقيقية للسوق العالمي، لكنها لا تستخدمها كأداة تنظيم وضبط للسوق، بل تترك السوق يستفيد من الموقع دون تحويله إلى رافعة تفاوضية طويلة الأجل.

هنا تتضح المفارقة: مصر تمتلك عنصر النفوذ، لكنها لا تزال تتعامل معه بوصفه ميزة تشغيلية لا أداة إدارة، بينما يتعامل الإقليم مع الممرات الرقمية بوصفها وسيلة ضغط صامت.

الخلاصة، أن النفوذ الرقمي لا يُقاس بما يمر عبر الأرض، بل بما يبقى داخلها من قرار وقيمة، ومصر رغم موقعها المركزي، تقف حاليًا في منطقة وسطى: ليست هامشية، لكنها ليست مُمسكة بالخيوط كاملة، هذه المنطقة تسمح بالتآكل البطيء دون صدمة، لا تعني خسارة فورية، لكنه يحمل أشكال التآكل الذي لا يصدر ضجيجًا، ولا يلفت الانتباه، ويظهر بعد سنوات، حين تصبح البدائل قادرة على سحب جزء من الوزن دون صدام.

حين يتحول الموقع لاختبار قرار

لا تكشف الممرات الرقمية فقط عن خريطة تدفق البيانات، بل تكشف عن طريقة تفكير الدول، تنظر بعضها إليها كفرصة تشغيلية، وأخرى كأداة نفوذ، وقلة تنجح في تحويله إلى قرار سيادي، في هذا الفارق تُحسم المواقع، لا في عدد الكابلات ولا في قِصر المسافة.

المفارقة، أن مصر رغم امتلاكها نقطة اختناق مركزية، لا تزال تتعامل معها كميزة تشغيلية أكثر منه أداة إدارة، تمر الكابلات، لكن القيمة الأعلى تُخلق خارج المسار، يتحقق العبور، لكن القرار لا يتمركز بالكامل.

النموذج الدولي يوضح أن العالم لا يحب المركزية، حتى لو كانت فعّالة. أوروبا، ستدعم دائمًا وجود بدائل، تقلل الاعتماد على عقدة واحدة.

الخلاصة، أن الممرات الرقمية ليست ملف اتصالات، واستثمار فقط، بل ملف سيادة في زمن مختلف، ومصر لا تواجه خطر فقدان موقعها اليوم، لكنها تواجه اختبارًا، هل تتحول من دولة يمر عبرها القرار الرقمي إلى دولة تشارك في صناعته؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تأتي من الخطاب، بل من الحسم. وفي عالم الممرات الرقمية، الحسم المتأخر لا يُعلن كخسارة.. لكنه يعد كذلك.