على مدار 18 عامًا، ظل قانون الضرائب العقارية بشكله الجديد، مثيرًا للجدل، ليشهد سلسلة من التعديلات والنقاشات الساخنة بين المواطنين والحكومة والنواب، رغم أن الحصيلة التي يحققها لا تتجاوز سنويًا ما تقترضه وزارة المالية في أسبوع واحد، لسد عجز الموازنة العامة للدولة.
قبل أن تحمل تلك الضريبة اسم “الضريبة العقارية”، كان اسمها “العوايد” وفرضت في عهد محمد عليّ باشا بدون أي إطار قانوني تحت مسمى “العوايد”، فكلما احتاجت الدولة وقتها لمبالغ، تفرض ضرائب جديدة على المباني والأراضي، وبدأت محاولات تقنينها مع إنشاء مصلحة الضرائب العقارية عام 1883.
حاولت ثورة يوليو وضع إطار لها عام 1954 عبر ضريبة الأراضي والمباني، وصادف في السبعينيات مشاكل ضخمة مع قوانين الإيجارات المختلفة التي شهدتها مصر، وأدت إلى تشوهات كبيرة بالعدالة الضريبية، إذ أصبحت وحدات متماثلة في العقار الواحد تخضع لقيم إيجارية مختلفة.
قانون بطرس غالي لم يجد طريقه للتنفيذ
في منتصف 2008، صدر قانون جديد للمباني والأراضي تحت مسمى الضرائب العقارية، وهو أول قانون يحمل ذلك الاسم في عهد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق.
القانون آثار الجدل في الشارع المصري، وأكدت الوزارة حينها إعفاء أكثر من %95 من دافعي “العوايد” من الضريبة تماماً بشرط استمرار العلاقة الايجارية القديمة كما هي، وعدم تغييرها (وهي نفس نسبة الإعفاءات التي تتحدث عنها وزارة المالية حاليا).
وزارة بطرس غالي تحدثت أيضًا عن تسهيلات، تضمنت خفض سعر الضريبة من %40 إلى %10 فقط، بجانب زيادة حد الإعفاء من سداد الضريبة إلى 6000 جنيه من القيمة الإيجارية السنوية مع خصم %30 من وعاء الضريبة مقابل مصروفات الصيانة بالنسبة للوحدات السكنية و%32 بالنسبة للوحدات غير السكنية.
“حددت المالية” حينها 500 ألف جنيه قيمة سوقية لكل عقار وما علاها يدفع الضريبة، وكذلك 6000 جنيه قيمة إيجارية سنوية لكل وحدة منفصلة، ويتم إعفاء الوحدات التي تقل قيمتها الإيجارية عن ذلك، مهما بلغ عدد الوحدات التي في حيازة المالك.
ألزم القانون مصلحة الضرائب العقارية بإعادة تقدير قيمة العقار حال عدم إعادة تأجيره أو حساب الضريبة العقارية، بناء على القيمة الإيجارية الفعلية، إذا تمت إعادة تأجيرها مع إعفاء كل من يتقدم بمستندات، تفيد عدم امتلاكه أكثر من عقار واحد، لا يستطيع سداد الضريبة عنه، مهما بلغت قيمة العقار، وكان الهدف من تلك المادة أصحاب القصور والدواوير القديمة الموروثة في المحافظات.
عقبات استمرت 13 عامًا
ظل قانون بطرس غالي بدون تنفيذ حقيقي، فمع إقراره نشبت الأزمة المالية العالمية، ليتم تأجيله لمطلع عام 2009.
طوال عامي 2009 و2010, عانى من تأخر لجان حصر وتقدير العقارات المبنية، فطوال عام 2010 انتهت اللجان فقط من تقدير مدن السادس من أكتوبر والشيخ زايد والعبور فقط، بجانب بعض المناطق الراقية في القاهرة.
تعطل الحصر أيضا؛ بسبب إشكالية المناطق الساحلية والمنتجعات والمدن الجديدة التي كانت تقع خارج كردون المدن، وكان ذلك هو الحد الفاصل في الإعفاء أو الخضوع للضريبة، لأن القانون حينها نص على فرض الضريبة على المدن، ولم يحدد القرى السياحية.
ومع عجز الموظفين، اضطرت المالية لتخصيص عدد من مأموريات ضرائب الدخل والمبيعات لتلقي الإقرارات الضريبية وتخصيص عدد من مكاتب البريد، أيضاً لتلقي الإقرارات.
د. أحمد جلال.. تحريك الملف
بعد قيام ثورة 25 يناير 2011، تم تغيير د. يوسف بطرس غالي، وشهدت مصر أوضاعا اقتصادية وسياسية صعبة، قبل أن يتم تفعيله- أي تفعيل قانون الضرائب العقارية- مجددًا في عهد الدكتور أحمد جلال، وزير المالية الأسبق، عام 2013.
وأكدت وزارة المالية وجود عائد مباشر على المواطنين من الضريبة عبر تخصيص %25 من حصيلتها لصالح المحليات؛ لتحسين أدائها وتقديم خدمات جديدة للعقارات، على أن تذهب الـ%75 الباقية لصالح الموازنة العامة للدولة، وتتم إعادة إنفاقها، فيما بعد على أعمال الطرق والمرافق والمشروعات الاستثمارية في المحافظات.
2026.. موسم جديد من التعديلات
قدمت الحكومة، مجددًا، تعديلات على الضريبة العقارية نهاية العام الماضي، تتضمن زيادة حد الإعفاء من الضريبة العقارية للوحدة السكنية الخاصة التي تمثل السكن الرئيسي للأسرة إلى 50 ألف جنيه، لكن مجلس النواب قرر رفعها لـ 100 ألف جنيه قيمة إيجارية سنوية، بدلًا من قصرها على 50 ألف جنيه استجابة للتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، بهدف تخفيف العبء عن الأسر.
القانون الجديد، سيعفي من الضريبة العقارية 43 مليون وحدة، والمتبقي الذي ينطبق عليه الضريبة 2 مليون وحدة فقط، بنسبة لا تتجاوز 5%، ما يعني أن العقار لو كانت قيمته 7 ملايين جنيه، تبلغ ضريبته العقارية 6500 جنيه، قبل التعديل وبعد التعديل تصبح 3200 جنيه.
بحسب وزارة المالية، فإن الحصيلة من الضريبة سيتم توجيه 25% منها للمحليات، (وهو نفس النظام المعمول به في قانون يوسف بطرس غالي) لكن الحكومة الحالية قررت صرف 25% أخرى لتطوير العشوائيات والإنفاق على مشروعات “حياة كريمة”، أي أن نصف الحصيلة لا تستفيد منها وزارة المالية.
وأقر مجلس النواب القانون بعد إحالته إليه وسط نقاشات مستفيضة وخلاف حول مبدأ فرض الضريبة على السكن الخاص، باعتباره حقًا دستوريًا للمواطن، لا يجوز أن يُفرض عليه ضريبة بغض النظر عن قيمته السوقية، كما أتاح مجلس النواب إسقاط الضريبة المتأخرة لأي سبب على مدة مساوية لمدة التأخير، واشترط لسدادها أن يكون عبر وسائل الدفع الإلكتروني.
نقاط عالقة في القانون الجديد
مشروع القانون أغفل ـ بحسب خبراء، الإشارة إلى قانون الإيجار الجديد والقيم الإيجارية خلال الفترة الانتقالية، خاصة في المادة الرابعة، ورغم إلغاء حق مصلحة الضرائب في الطعن على طعن العميل، يتضمن قانون الإجراءات الضريبية مراحل متعددة للطعن، كما تم فرض تأمين بقيمة 50 جنيهاً على تقديمه.
وفيما يخص الإعفاء السكني، طالب الخبراء أيضا بربط الإعفاء تلقائياً بمعدلات التضخم أو بزيادة القيم التقديرية في المناطق، بدلاً من تركه لقرار قد يصدر أو لا يصدر، بناءً على طلب من وزير المالية، خاصة أن عدم الربط يضطر الوزارة من حين لآخر إلى تقديم مشروع قانون جديد للبرلمان من أجل زيادة الإعفاء.
د. رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، يقول إنه لا يجوز فرض ضريبة عقارية على السكن الخاص عند أي قيمة سوقية للوحدة السكنية من الناحية المنطقية، حتى لو كانت بعض الدول تتبنى ذلك.
دلل الجرم على رأيه بشخص يملك عقارا ارتفعت القيمة السوقية المحملة بمعدلات التضخم المرتفعة أو حدث تغيير ما في شكل المنطقة التي يتواجد العقار بها، أدت لارتفاع قيمته السوقية، في ظل أن نفس الشخص، لا ينتج له عن ذلك زيادة ملموسة في الدخل الشخصي، بل ربما تعرض لانخفاض في القوة الشرائية؛ بسبب الضغوط التضخمية، خصوصًا أن هذا العقار يخضع لضريبة التصرفات العقارية عند البيع.
لفت إلى أن الكثير من مُستأجري قانون إيجار الأماكن القديمة، تَصرفوا في الأصول المملوكة لهم، أو لجأوا للاقتراض من أجل شراء وحدة سكنية تأويهم، وربما فقدوا عوائد مالية كانت تُدرها تلك الأصول، لعدم قدرتهم على التَكيف مع أسعار الإيجارات المُرتفعة، لكن للأسف، اصطدموا بخضوع الوحدات السكنية المُشتراة للضريبة على السكن الخاص.
التضخم يرفع أسعار الوحدات العقارية
النائب أحمد شعبان، عضو مجلس الشيوخ عن حزب التجمع، قال إن المواطنين باتوا يشعرون بالقلق مع كل مناقشة تشريعية جديدة، تمس الأعباء المعيشية، مضيفًا أن المواطن أصبح يتحسس جيبه، كلما علم أن البرلمان يناقش قانونًا جديدًا، لأن أسهل الحلول دائمًا تكون تحميل المواطن أعباء إضافية.
أوضح أن قيمة حد الإعفاء البالغة 6 آلاف جنيه عند إقرار القانون عام 2008 كانت محل اعتراض حزب التجمع آنذاك، رغم تبريرات الحكومة بأن الضريبة ستقتصر على الوحدات الفاخرة، مشيرًا إلى أن مقارنة القيمة الحالية بتغيرات الأسعار والتضخم تكشف عدم عدالتها، محذرا من أن القانون يمثل عبئًا إضافيًا، لا يتحمله المواطن في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.
المالية ترد: نستهدف التيسير
بحسب وزارة المالية، فإنها تستهدف من التعديلات التيسير على المواطنين، برفع حد الإعفاء الضريبي للوحدات السكنية إلى صافي قيمة إيجارية قدرها 100 ألف جنيه سنوياً، ما يعادل قيمة سوقية للعقار تصل إلى 8 ملايين جنيه، مما يعني خروج شريحة كبيرة من العقارات السكنية من نطاق الضريبة.
أوضحت أن تقييم الوحدة يعتمد على القيمة السوقية الحالية التي تحددها لجان مختصة، وليس القيمة المثبتة في عقود البيع القديمة، والقانون يمنح المواطن حق الطعن على التقييم خلال 60 يوماً من تاريخ إعلانه لضمان الشفافية والعدالة.
أشارت إلى إطلاق أول تطبيق إلكتروني لمصلحة الضرائب العقارية؛ لتسهيل الإجراءات على المواطنين وتخفيف الأعباء عنهم، بدلا من التوجه بأنفسهم إلى المديريات من أجل التسديد.






