تطورات إقليمية تدفع أطر تعاون دفاعية

شهد النظام الأمني في الشرق الأوسط تحولات بنيوية عميقة، عكست تآكل نموذج التحالفات التقليدية القائم على مظلة قوة عظمى واحدة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وقد مثّلت هجمات سبتمبر 2019 على منشآت نفطية بالسعودية نقطة كاشفة لهشاشة معادلات الردع التقليدية، وأبرزت محدودية دور واشنطن في توفير حماية مباشرة وفعّالة لحلفائها في الخليج بعد ضربة الحوثيين، والتي تكررت في نوفمبر 2020، ومارس 2021 مستهدفة منشآت عسكرية في  الدمام وعسير وجازان بالمملكة العربية السعودية.

تلا ذلك الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أغسطس 2021، ثم التردد الأمريكي في التعامل مع تهديدات الملاحة في البحر الأحمر خلال عامي 2023– 2024، في سياق حمل رسائل ضمنية لدول الخليج، عكست نمطًا من الضغط المزدوج: تقليص الالتزامات الأمنية المباشرة، مقابل تصاعد المطالب الأمريكية بتمويلات أكبر، وصفقات تسليح، واستثمارات استراتيجية، إلى جانب توظيف التهديد الإيراني كورقة ضغط متزامنة مع مسار التفاوض حول البرنامج النووي وإعادة فرض العقوبات.

في هذا السياق، ومع تداعيات الحرب على غزة وتصاعد السلوك الإسرائيلي الهجومي إقليميًا، بدأت قوى الشرق الأوسط إعادة تقييم ترتيباتها الأمنية، والبحث عن صيغ أكثر استقلالية ومرونة، تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز قدرات الردع الذاتية، وبناء شبكات تعاون إقليمي موازية للمظلة الأمريكية، وليست بديلة عنها.

وتبرز مصر في قلب هذه التحولات بوصفها فاعلًا محوريًا دون الانخراط في أحلاف دفاعية ملزمة أو اصطفافات مذهبية. إذ تحافظ القاهرة على شبكة علاقات ثنائية متوازنة مع أطراف الشرق الأوسط، وتكثف التعاون في ملفات تشمل أمن الممرات البحرية والبحر الأحمر وشرق المتوسط، إلى جانب تطوير التعاون الدفاعي مع الأطراف، ضمن مقاربة تقوم على التوازن والمرونة دون التزام طويل المدى.

المتغيرات الحاكمة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية

يمكن رصد ثلاثة متغيرات رئيسية، أعادت تشكيل أنماط التعاون العسكري في الشرق الأوسط: أولها، هجمات سبتمبر 2019 على منشآت الطاقة الخليجية، التي أعادت تعريف مفهوم الأمن الخليجي، وكشفت محدودية وعود الردع الأمريكي التقليدي، لا سيما لدى السعودية والإمارات في مواجهة هجمات الحوثيين.

ثانيها، تحولات الصراعات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب في اليمن، التي انتقلت من عملية عسكرية محدودة إلى صراع استنزاف طويل، كاشفةً التباينات داخل التحالف العربي، وعلى رأسها تصاعد الخلاف السعودي الإماراتي منذ عام 2020، وامتداده إلى ملفات السودان والقرن الإفريقي، حيث اقتربت الرياض تدريجيًا من الرؤية المصرية الداعمة للجيش السوداني، بما في ذلك دعم صفقات تسليح ضخمة عبر أطراف إقليمية مثل باكستان، بلغت 1.5 مليار دولار.

ثالثها، الحرب على غزة (2023– ) وتداعياتها الإقليمية، خصوصًا استهداف الملاحة في البحر الأحمر واتساع الصراع والتوتر إلى لبنان وسوريا واليمن واستهداف الدوحة، وهو ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول أمن الممرات الاستراتيجية، وحدود جدوى التحالف مع واشنطن، في ظل دعمها غير المشروط لإسرائيل، وتجاهلها النسبي لمصالح شركائها العرب، رغم ما يقدمونه من تمويل وطاقة وأدوار أمنية.

الأطر الأمنية الجديدة:

يمثل التعاون الدفاعي المتصاعد بين السعودية وباكستان، الذي تُوّج بتوقيع اتفاقية دفاع استراتيجي في سبتمبر 2025، أحد أبرز مؤشرات التغير في بنية الأمن الإقليمي. ويقوم هذا الإطار على صيغة دفاع مشترك مرنة، تقترب من حيث المفهوم من منطق الردع الجماعي، دون الوصول إلى مستوى حلف عسكري مؤسسي.

وتكتسب العلاقة بين البلدين أهميتها من الإدراك الضمني لامتلاك إسلام آباد قدرة ردع نووية، بما يرفع كلفة التهديدات الاستراتيجية ضد الرياض، دون إعلان مظلة نووية رسمية، ويعكس أيضًا رغبة سعودية في تنويع خيارات الردع، بعد تردد واشنطن في دعم مشروع نووي سعودي، وهذا جاء بعد تطبيع مع إيران أيضا.

وتكمل تركيا هذا الإطار بدور نوعي قائم على الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية، مستندة إلى خبرتها العملياتية، وقاعدتها المتقدمة في مجالات الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع، وبوصفها ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الناتو.

ومع ذلك، فإن طبيعة هذا التعاون تشير إلى شبكة ردع مرنة أكثر منها تحالفًا متماسكًا، في ظل تباين أولويات أطرافه، واحتمالات تأثره بتوترات جانبية، مثل الصراع الباكستاني الهندي، أو التنافس التركي اليوناني في شرق المتوسط.

وتتعامل مصر مع هذا المحور بحذر محسوب. فعلى الرغم من مشاركتها في مناورات «درع السند» (أكتوبر 2024) التي جمعت مصر مع الأطراف الثلاثة، فإن القاهرة تتجنب الانخراط في أي إطار، قد يكرّس اصطفافًا مذهبيًا، أو قد يفهم  جزئيا  كمواجهة مع إيران، بما يتعارض مع مقاربتها الأمنية القائمة على التوازن والمرونة وتعدد القنوات.

في المقابل، تحافظ مصر على تعاون وظيفي مع أطراف هذا المحور، مع السعودية في ملفات السودان وأمن البحر الأحمر، ومع تركيا عبر تنسيق ثنائي وثلاثي، آخذ في التوسع في ملفات القرن الإفريقي والإقليم.

المحور الإسرائيلي في شرق المتوسط

بالتوازي، عززت إسرائيل تعاونها العسكري مع اليونان وقبرص، في إطار تكتل يركز على أمن شرق المتوسط ومسارات الطاقة، ويتقاطع مع المصالح الأوروبية، ويُنظر إليه كإطار ردع في مواجهة التحركات التركية.

وقد اختارت مصر مسارًا مختلفًا؛ إذ نسقت مع اليونان وقبرص في ملف الغاز والأمن والاستقرار بعد حرب غزة، ، لكنها في الوقت ذاته أعادت فتح قنوات التعاون العسكري مع تركيا عبر مناورات مشتركة عام 2024، بعد توقف دام 13 عامًا، بهدف منع تفرد أي طرف بالمنطقة، والحفاظ على مصالحها في ليبيا وشرق المتوسط.

المقاربة المصرية: الاستقلال الاستراتيجي والشراكات الانتقائية

تقوم المقاربة المصرية في إدارة التعاون العسكري على التحفظ إزاء الأحلاف الدفاعية الملزمة، والحفاظ على استقلال القرار العسكري، انطلاقًا من تصور يعتبر أن الأمن القومي لا يمكن رهنه لإرادات خارجية، قد تتقاطع مع المصالح المصرية مرحليًا، ثم تتباين معها في تعريف التهديدات وأولويات المواجهة.

وبناءً على ذلك، تفضّل القاهرة نموذج الشراكات الانتقائية، القائمة على التعاون الثنائي أو المتعدد الأطراف، وفقًا لطبيعة الملف والوظيفة الأمنية، لا على أساس اصطفاف أو التزامات جماعية طويلة الأمد. ويتجلى هذا النهج بوضوح في مشاركتها المحدودة في الحرب باليمن، حيث اقتصر الدور المصري على تأمين باب المندب جوًا وبحرًا، مع رفض التدخل البري؛ تجنبًا للاستنزاف والانخراط في صراع مفتوح، لا يخدم مصالحها المباشرة.

وخلال أزمة البحر الأحمر (2023– 2024)، عززت مصر التنسيق الأمني مع السعودية والأردن ودول القرن الإفريقي، مؤكدة أن أمن البحر الأحمر مسئولية إقليمية عربية في المقام الأول، ومتمسكة برفض الانضمام إلى تحالفات عسكرية، تقودها قوى من خارج الإقليم، بما في ذلك التحالف الذي قادته واشنطن بمشاركة أوروبية في العمليات العسكرية باليمن.

تنويع مصادر القوة والعلاقات الدولية

سعت مصر إلى تنويع شراكاتها العسكرية لتعزيز استقلالها ومواجهة الضغوط، خاصة من واشنطن، والتي تقيم معها شراكة استراتيجية منذ 1979، تشمل مساعدات عسكرية بنحو 1.3 مليار دولار سنويًا، مع رفض استخدام الأراضي المصرية في عمليات إقليمية، لا تخدم الأمن القومي المباشر.

وشكلت فرنسا، شريكا لدعم القدرات النوعية، عبر صفقات ضخمة عسكريا وماليا، كما رافال (50 مقاتلة بين 2015 و2021) وفرقاطات FREMM، لتعزيز تأمين شرق المتوسط والبحر الأحمر.

وبالتوازي، تعاونت مع روسيا في ملف تسليحي شمل مقاتلات MiG -29 ومروحيات Ka-52، واتفاق تعاون عسكري عام 2017 يتيح تسهيلات لوجستية متبادلة، بما يعزز قدرة القاهرة على المناورة التفاوضية مع واشنطن، التي سعت للضغط على بعض الأطراف لعدم مد مصر بالسلاح والحفاظ على التفوق الإسرائيلي.

مصر والتحالفات الناشئة

رغم ما تبدو عليه المحاور الجديدة من قوة ظاهرية، فإنها تفتقر إلى الاستدامة المؤسسية، وتحمل مخاطر الانجرار إلى صراعات أطرافها. ومن هنا، توزّع مصر أوجه تعاونها: مع باكستان كعمق استراتيجي وتقني، ومع تركيا لاحتواء التوترات في ليبيا وشرق المتوسط، ومع السعودية كحليف عربي رئيسي في ملفات السودان واليمن وأمن البحر الأحمر.

وتختلف نسبيا أشكال التعاون المستجدة عن التقليدية التي كانت قائمة، في عدة نقاط جوهرية، فهي تقوم على مفهوم الندية، وتقلل الاعتماد على واشنطن، والفارق الثاني، الانتقال إلى بناء التحالفات عبر خطوات تدرُجية.

 وبدلاً من تواجد عسكري دائم، تعتمد على التوافق والعمل المشترك وتبادل الخبرات، والقيام بمناورات مما يعكس رغبة في بناء قدرات للتحرك المشترك والسريع، بجانب الردع، كما تتأسس على المهام الراهنة، حيث تجتمع مثلا في ملف أمن الملاحة، وتفترق في ملف العلاقة مع إيران، مما يوفر مرونة بخلاف تحالفات ذات مواقف صلبة وموحدة.

وعموما، تشير هذه الاشكال من التعاون، إلى رغبة الأطراف لبناء نظام أمني أكثر تعددية، قائم على شبكات تعاون مرنة، وفي هذا المشهد، تبرز مصر بوصفها قوة استقرار، تسعى لإدارة المخاطر، ومنع انهيار التوازنات، وتجنب تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف عسكري.

لا تعزل القاهرة نفسها عن الترتيبات الأمنية الإقليمية الناشئة، وتسعى للاستفادة من التعاون مع تركيا، مع التنسيق الجيو سياسي بين أنقرة والرياض، وسبق ونشطت الاتصالات مع باكستان منذ 2016، واستقبلت مصر قيادات عسكرية للتشاور، وفي أكتوبر 2025 زار رئيس أركان القوات البرية الباكستانية القاهرة عقب مؤتمر شرم الشيخ؛ لتأكيد أهمية تعزيز التشاور وتفادي التصعيد.

من خلال ذلك، تسعى مصر لترسيخ نموذج أمني عربي قائم على الردع والندية، مستندًا إلى أطر قانونية مثل ميثاق جامعة الدول العربية واتفاقية الدفاع المشترك لعام 1950، مع الحفاظ على استقلال القرار والبحث عن التوازن، والتعاون متعدد الأطراف دون قواعد مذهبية، بما يمنع تحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف.

 ومع تشابك ملفات الصراع الإقليمية، قد تضطر القاهرة للانخراط بشكل أكبر في تحالفات شاملة؛ لتشكيل آلية ردع لإسرائيل وحلفائها، مع تعميق علاقاتها مع إيران لكسر منطق التحالف المذهبي، وضمان أن يكون أي تحالف عربي أداة ردع، ضد أي دولة تسعى للهيمنة، بما في ذلك التورط في صراعات إقليمية متعددة.